مجلس الأمن والسلم الأفريقي “بندق في بحر” الحرب السودانية..

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

 

وعلى ما يبدو، عملًا بالوصية المذكورة في مقولة “أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي”، شهدت العاصمة السودانية الخرطوم الأسبوع المنصرم “يومي 16/17 أغسطس” الجاري زيارة وفد رفيع المستوى من مجلس الأمن والسلم الأفريقي، وأجرى مباحثات مع السيد/ رئيس مجلس السيادة والسيد/ رئيس الوزراء في الحكومة السودانية بخصوص ملف الحرب في السودان.

وقبل أن نتناول الزيارة بالتفاصيل التي جاءت على لسان رئيس وفد المجلس سعادة السفير/ محمد خالد، لابد لنا من تفكيك الزيارة من حيث “التوقيت”، إذ إنه وعلى الرغم من التوصيف الواضح لمهام المجلس في منظمة الاتحاد الأفريقي “الأمن والسلم” في القارة، وعلى الرغم من أن أزمة الحرب في السودان، والتي اشتعلت في منتصف أبريل 2023م وتدخل عامها الرابع، مخلفة وراءها التهديد الأكبر للقارة الأفريقية في أمنها وسلمها، ومع ذلك كانت زيارة وفد مجلس الأمن والسلم الأفريقي أغسطس الحالي هي الأولى من نوعها للسودان، ما يؤكد المؤكد بأن المنظمات الإقليمية ما هي إلا “لافتات” لا تقدم ولا تؤخر في الحالة الأفريقية.

(*) مجلس الأمن والسلم الأفريقي.. زيارة على حافة الدم..

وحواف الدم السوداني المراق برصاص حرب أبريل يمكن قراءتها من الإحصاءات المعلنة بالتقريب عن عدد الضحايا المدنيين والملايين من النازحين السودانيين ومثلهم من اللاجئين في الجوار الأفريقي والعربي، والرصد المزعج للانتهاكات والتقارير التي تثبت بالدليل القاطع خروج الحرب من الخارطة السودانية إلى خارطة التدخلات الخارجية بكل سفور، وتأثيراتها وتأثرها بانفلات المواقف داخل منظومة الاتحاد الأفريقي وتقاطعها بخصوص ملف حرب السودان، وعلى الرغم من ذلك جاءت الزيارة الأولى بعد ثلاثة أعوام للحرب ليقرأ رئيس الوفد في كلماته من ذات القاموس المكرر للبيانات، ولا يتخطى موضوعات “السيادة/ الوحدة/ الحوار/ الهدنة والحل السياسي”، بينما يخلو الذهن والأجندة للوفد الزائر من أدوات وآليات لتحويل كل ما ذكر إلى واقع ينهي أزمة الحرب السودانية ويحقن الدماء.

بل على العكس تمامًا، فإن المتابع سيكتشف بأن “خارطة الطريق” التي أجازها المجلس بخصوص حرب السودان في مايو 2023م، أي بعد أقل من شهر من اندلاعها، كانت هي الأكثر وضوحًا مما جاء في بيان الزيارة الأخيرة للوفد في أغسطس 2026م، حيث تحدثت الخارطة وقتها عن وقف فوري ودائم وشامل وغير مشروط للأعمال العدائية، وحماية المدنيين، وتعزيز الاستجابة الإنسانية، واستئناف عملية سياسية شاملة.

تجيء الزيارة “المتأخرة” لوفد مجلس الأمن والسلم الأفريقي بعد أن فرضت الحرب جملة متغيرات على الأرض وعلى الخارطة العسكرية والسياسية والإنسانية بشكل هائل وكبير، ولا نجد أي مبرر غير العجز والتواطؤ في انتظار ثلاثة أعوام حتى يحرك المجلس أقدامه المتثاقلة ناحية حرب السودان، وهل كان الأمر يحتاج لكل هذا الوقت لدراسة ومعرفة إن كانت هذه الحرب تشكل تهديدًا للأمن والسلم الأفريقيين فجاءت الزيارة في هذا التوقيت المتأخر؟

الحرب وأزماتها سبقت وفد المجلس وآليات الحل لديه في كل مكان في السودان، وجاءت زيارة الوفد والتقاطه للصور من أمام مباني القصر الجمهوري بعد ترميمه وتحريره من آثار الحرب مهمة من حيث الشكل فقط، ليضع وفد المجلس توقيعه على دفتر حضور الأزمة السودانية، وهذا بالضرورة لا يعتبر كافيًا لقياس النتائج المتوقعة من الزيارة ومعرفة فعالية الآليات التي سيستخدمها المجلس.

في هذا التوقيت من زمن الحرب في السودان لم يعد كافيًا أن يذكر السيد السفير/ محمد خالد في خطابه مفردات السيادة الوطنية وسلامة الأراضي السودانية ورفض التدخل الخارجي والحكومات الموازية، فهي مفردات ومبادئ صحيحة من حيث الأصل، ولكن التأخير في زيارة وفد مجلس الأمن والسلم الأفريقي يقول بأن هنالك خللًا ما في تعريف مفردة السيادة، بحيث إنه لا يشمل حماية المواطنين السودانيين إلى جانب حماية الدولة السودانية من التفكك، فالسيادة التي لا تمنع قتل المدنيين، ولا توقف النزوح، ولا تفتح الممرات الإنسانية، ولا تجبر الأطراف على وقف إطلاق النار، تتحول إلى مفهوم قانوني بلا مضمون إنساني.

بالضرورة لا يحتاج السودان من مجلس الأمن والسلم الأفريقي والجوار الأفريقي القول بأنه دولة ذات سيادة، بل يريد منهم استخدام ما لديهم من أدوات وآليات تمنع تحول هذه السيادة إلى جغرافيا مفتوحة للحرب والتدخلات الخارجية، وعلى ما يبدو فإن المجلس لا يملك غير لغة السلام، بينما لا نشعر بقدرته على استخدام أدواته.

(*) بندق في بحر..

في فبراير المنصرم دعا الاتحاد الأفريقي إلى وقف إطلاق نار فوري وقابل للتحقق ومستدام، مدعومًا بآليات مراقبة ذات مصداقية، وجاءت ذات الدعوات رفقة الوفد الزائر للخرطوم في أغسطس الجاري، دون الاجتهاد في توفير إجابات على سؤال آليات التنفيذ والمراقبة للهدنة المقترحة والعقوبات التي ستفرض على المتجاوزين، وما الذي يمتلكه المجلس للضغط على الداعمين الخارجيين وضمانات وصول المساعدات؟ وهل يستطيع المجلس بوضعه الحالي ووزنه أن يلبس هذا القول لباس القرار وليس التوصية؟

المشكلة التي نعيد اكتشافها بحسب الزيارة الأخيرة للوفد هي أن مجلس السلم والأمن لا يعرف ماذا يريد، والمشكلة أنه منذ بداية الحرب يقول الشيء الصحيح تقريبًا، لكنه لا يستطيع تحويل الصحيح إلى فعل صحيح، وكما ذكرنا آنفًا فإن المسافة بين خارطة الطريق المعتمدة في 27 مايو 2023م والزيارة التي جاءت بعد ثلاث سنوات ليست بعيدة من حيث المصطلحات المستخدمة، ولكن الأزمة هي أزمة مسافة بين الرؤية الأفريقية للحل وتنفيذها.

تصريح الوفد بعبارة “لا حل عسكري للأزمة السودانية” لا يعتبر واحدة من “العبقريات” لأزمة الأمن والسلم الأفريقي، فبالضرورة أن يكون هنالك بدائل مقنعة تشجع السودانيين في المضي نحوها بدلًا عن السلاح، إذ ليس من الكافي أن يكون كل ما لدى الوفد الزائر هو القول للأطراف السودانية بالذهاب إلى التفاوض والحوار دون أي معايير تحكم التفاوض وتحدد الأطراف ومراحل تنفيذ ما سيتم الاتفاق عليه.

الاكتفاء بتصريح “لا حل عسكري” في الأزمة السودانية لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتباره “خطة” للسلام في السودان، بل يجب توصيف عملية إيقاف الحرب وآليات المجلس في ذلك، وهنا لا يبدو مجلس الأمن والسلم الأفريقي ممتلكًا لأهلية إنهاء الأزمة السودانية على ضوء الاكتفاء بزيارة بروتوكولية للخرطوم والالتقاء بأطراف دون الأخرى، والتي قد يكون لها تأثير في تنفيذ ما تم الإعلان عنه، وليس بالضرورة هنا المساواة “الميكانيكية” بين مؤسسات الدولة والمليشيا المتمردة، ولكن من المؤكد هنالك حاجة لامتلاك قناة اتصال مع كل القوى المسلحة والسياسية والاجتماعية المؤثرة، على الأقل ليصبح شعار الحوار الشامل متطابقًا مع ما يجري على الواقع.

وحتى لا نجرد الزيارة من كل شيء إيجابي، فإننا نتوقف عند التأكيدات بعدم مساواة مؤسسات الدولة بكيانات موازية ورفض التدخل الخارجي، وهو عامل مهم في استمرار الحرب وإيقافها، إضافة إلى الدعوات باستعادة مقعد السودان في الاتحاد الأفريقي، شريطة الإيفاء باشتراطات العودة المتفق عليها، وفي مقدمتها العودة للانتقال المدني الديمقراطي.

المجلس أيضًا محتاج لتقديم شروحات لما يتبناه من تصريحات بخصوص عدم الاعتراف بأي كيانات موازية لحكومة السودان، وما هو موقفه من الدول والحكومات الأفريقية التي تنحو منحى الاعتراف واستقبال ممثلي هذه الكيانات والتعامل معهم التعامل الذي لا يتحمل غير تعريف الاعتراف.

السيد/ محمد خالد، رئيس وفد مجلس الأمن والسلم الأفريقي، في كلمته في ختام الزيارة تطرق إلى إيقاف التدخلات الخارجية باعتبار تأثيراتها السلبية على مسارات إيقاف الحرب والسلام، ولكنه لم يمتلك الشجاعة والوضوح في تسميتها، فكيف للمجلس إيقاف أطراف لم يتم تسميتها؟

ولأن الحرب السودانية لم تعد حربًا داخلية خالصة؛ هناك اتهامات متبادلة وتقارير متعددة عن دعم خارجي بالسلاح والتمويل واللوجستيات، وإذا كان مجلس السلم والأمن يعرف ذلك، فالمطلوب ليس العبارة الدبلوماسية «نرفض التدخلات الخارجية»، بل يجب التوصيف الدقيق للتدخلات ومن ثم السعي لإيقافها.

شكوى الاتحاد الأفريقي في بيانات وتصريحات سابقة من مسألة تعدد المنابر والمبادرات لحل أزمة الحرب السودانية توقفت في مكانها، ولم تخطُ أي خطوة باتجاه إيجاد آلية للتنسيق بين هذه المبادرات وتوحيد الجهود الرامية لإيقاف الحرب.

مجلس الأمن والسلم الأفريقي قام تحت رايات المشروع الكبير للاتحاد الأفريقي “إسكات البنادق” في أفريقيا، إلا أن المجلس ظل يسجل أرقامًا قياسية في الفشل في هذه المهمة، وظل صوت الرصاص في القارة هو المسيطر والأعلى صوتًا من صوت المشروع، ومع تقديمنا لأهمية وجود مجلس للأمن والسلم الأفريقي، إلا أن علينا الاعتراف بأن حرب أبريل كانت قد كشفت وعرّت المجلس وآلياته للحل، فالقاموس السياسي السوداني في حالة الحرب لم يكن بحاجة لتعريفه بسوء الحرب، فهو البلد صاحب الإرث الكافي للإقناع بسوئها. فالمجلس حاضر في البيانات، غائب في ميزان القوة. حاضر في توصيف الأزمة، غائب في صناعة الحل. حاضر في الخرطوم بزيارة الوفد.

كنا نتمنى أن تكون زيارة الوفد رفيع المستوى من مجلس الأمن والسلم الأفريقي للخرطوم هي بمثابة الإعلان عن عودة أفريقيا لمنصة الحلول للأزمة السودانية، وألا تكون جزءًا من مظهر بروتوكولي، فالاختبار الحقيقي للمجلس ليس في ما قاله محمد خالد في الخرطوم، وإنما ما سيقوله المجلس في أديس أبابا بعد أن يغادر الخرطوم، وما الذي سيفعله بعد الذي سمعه فيها.

إذا خرج مجلس السلم والأمن من الخرطوم كما دخلها، بالبيان نفسه واللغة نفسها والوعود نفسها والآليات الغائبة نفسها، فسيكون قد أثبت أن مشكلة السودان ليست أن أفريقيا لا ترى الحريق، بقدر ما أنها ترى الحريق ولا تملك أو لا تريد أن تستخدم أدوات إطفاء لحريق استمر لأربعة سنوات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى