سارة العصيمي.. «فارسة الثمامة» التي وجدت في الخيل طريقاً إلى القوة والسعادة

كل الذين دربوني من السودانيين

 

الرياض: محمد يوسف عبد الرحمن ” ميدي” 

 

امتطاء الخيل عند سارة العصيمي شغفٌ وأسلوب حياة، أكثر من كونه رياضة؛ فمنذ أن ركبت الحصان للمرة الأولى في الرابعة عشرة من عمرها، بدأت علاقتها بالخيل تتشكل لتقودها لاحقاً إلى ميادين السباقات والتدريب، وتحمل لقب «فارسة الثمامة».. الذي بات يختصر حضورها اللافت في عالم الفروسية السعودية.

وتجمع العصيمي بين الفروسية وعدد من الرياضات والمهارات الأخرى؛ فهي فارسة ومدربة خيل، كما شاركت في مسابقات لتسلق الجبال، وحصلت على أوسمة في هذا المجال وفي الرماية، إلى جانب اهتمامها بسباقات الدراجات، وعضويتها في عدد من المؤسسات والجمعيات الخيرية.

 

والدي.. معلمي الأول

 

 

تعود البداية إلى سن الرابعة عشرة، حين امتطت سارة حصاناً للمرة الأولى، في تجربة تصفها بأنها واحدة من أجمل اللحظات في حياتها، خصوصاً مع التشجيع الذي وجدته من والدها الراحل، أحد محبي الخيل.

وتقول العصيمي إن والدها كان صاحب الفضل في قيادتها إلى عالم الفروسية، لتبدأ رحلتها مع خيل إنجليزي قصير القامة، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى الخيول العربية ذات السيقان المرتفعة، وتتعلم تدريجياً تفاصيل التعامل مع الحصان وفهم طباعه وسلوكه.

وترى أن الفروسية لا تبدأ من لحظة امتطاء الحصان، وإنما من القدرة على بناء علاقة تقوم على الثقة والفهم. ومن أهم أبجدياتها، بحسب تجربتها، «مسايسة» الحصان؛ وهي مهمة يتولاها «السايس» الذي تعتبره العصيمي صديق الخيل والمفتاح لفهمها، فهو الذي يجهزها ويسرجها ويراقب تفاصيلها، ويعرف أوقات جوعها وعطشها، وحالات هدوئها وعصبيتها.

كما تؤكد أن الثقة عنصر أساسي في ركوب الخيل، بدءاً من القفز على ظهر الحصان دون تردد، وشد اللجام بثبات، وصولاً إلى المحافظة على التوازن ووضع ثلث القدم على الركاب بدلاً من إدخال القدم كاملة.

السودانيون.. مدرسة العصيمي

 

 

«كل الذين دربوني سودانيون».. بهذه العبارة تكشف سارة العصيمي جانباً لافتاً من مسيرتها مع الخيل، مؤكدة أن جميع من تولوا تدريبها كانوا سودانيين، وأن أولهم كان «أبو عبدالله»، الذي علمها ركوب الخيل قبل نحو عشرين عاماً.

وتقول العصيمي: «ما دربني غير السودانيين نهائياً.. أولهم أبو عبدالله، هو من علمني ركوب الخيل قبل عشرين سنة»، مشيرة إلى أن المدرب السوداني منحها الثقة والشجاعة في بداياتها.

وتضيف: «السوداني يعطيك الشجاعة وما يقلل منك، لذلك أحبهم».

وترى العصيمي أن علاقتها بالسودانيين تجاوزت حدود التدريب إلى تقدير شخصي للصفات التي لمستها فيهم، وتقول: «السودانيون طيبون، يعجبني فيهم الوفاء والإخلاص والهدوء»، كما تشير إلى إعجابها بعلاقتهم الأسرية وحرصهم على زوجاتهم، قبل أن تستدرك ضاحكة على صفة واحدة لا تجدها محببة لديهم: عدم الالتزام بالمواعيد.

وتقول: «ما يعجبني فيهم عدم الالتزام بالمواعيد.. يقول لك بجيك الساعة 6، يجيك الساعة 10».

السودان.. أغنية ودراما وذاكرة جميلة

 

لا تتوقف علاقة العصيمي بالسودان عند الخيل ومدربيها، إذ تمتد إلى الثقافة والفن، خصوصاً الأغنية السودانية التي تجد فيها مساحة مختلفة من الإحساس.

وتقول: «أحب الأغاني السودانية لأنها رومانسية وتعطيك إحساساً جميلاً»، وتكشف أن من الأغنيات الأقرب إليها «أودعكم» لسيد خليفة و«الليلة بالليل» لشكر الله عز الدين..

كما تتابع العصيمي الدراما السودانية باهتمام، مؤكدة أن علاقتها بالسودان تشكلت عبر سنوات طويلة من التعامل مع السودانيين، قبل أن تمتد إلى الفن والثقافة والذكريات.

من التحدي إلى لقب «فارسة الثمامة»

 

قبل نحو ستة أعوام، اتخذت العصيمي خطوة أكثر جرأة بدخول عالم السباقات، في وقت لم تكن مشاركة السعوديات في هذا المجال أمراً مألوفاً، بحسب روايتها، بل كانت مشاركة المرأة في ميادين الخيل تواجه الاستغراب والرفض من بعض الموجودين في الميدان.

وتقول إن دخولها عالم السباقات قوبل بهجوم من بعض الأشخاص، لكنها اختارت تجاهل الأصوات المحبطة، والمضي في طريقها، لتدخل الميدان على صهوة فرسها حاملة علم المملكة العربية السعودية.

وتصف تلك اللحظة بأنها كانت تعبيراً عن القوة والانتماء، وبداية مرحلة جديدة في مسيرتها، تزامنت مع التحولات التي شهدتها الرياضة السعودية وتمكين المرأة في مختلف المجالات ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030.

ومع مشاركاتها في سباقات الثمامة وحائل وتبوك والعلا، نجحت العصيمي في فرض حضورها داخل الميدان، ليطلق عليها الجمهور لقب «فارسة الثمامة»، وهو اللقب الذي أصبح أكثر حضوراً من اسمها في أوساط المهتمين بالفروسية.

 

أصحاب الهمم.. الخيل تكسر حاجز الخوف

 

 

لم تتوقف علاقة العصيمي بالخيل عند حدود المنافسة، إذ انتقلت إلى مجال التدريب، وكانت البداية من داخل أسرتها، عندما بدأت بتدريب أطفالها على ركوب الخيل، قبل أن تتوسع التجربة إلى دورات تدريبية عامة.

وتعتبر العصيمي أن الجانب الإنساني في التدريب واحد من أهم ثمار تجربتها، خصوصاً من خلال تدريب عدد من الأشخاص من ذوي الإعاقة، ومساعدتهم على تجاوز الخوف والتوتر والرهبة، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم.

وتؤكد أن الخيل يمكن أن تكون وسيلة لتحفيز الإنسان على تجاوز بعض الحواجز النفسية والجسدية، مشيرة إلى أن تجربتها مع المتدربين جعلتها ترى في الفروسية أكثر من مجرد رياضة أو منافسة.

وتفتح العصيمي باب التدريب أمام الراغبين في تعلم ركوب الخيل، مؤكدة ترحيبها بالشباب والفتيات من مختلف الأعمار، ممن يجدون في الخيل شغفاً ويرغبون في خوض التجربة والتعرف إلى عالم الفروسية.

 

الجبال.. تحد خارج المضمار

 

 

 

إلى جانب الخيل، وجدت سارة العصيمي في تسلق الجبال مساحة جديدة للمغامرة واختبار القدرات. فقد شاركت في أربعة سباقات لتسلق الجبال، وتحمل حلماً كبيراً يتمثل في الوصول إلى قمة إفرست في نيبال ورفع علم بلادها هناك.

كما تمارس الرماية بالسهم وسباقات الدراجات، في صورة تعكس ارتباطها بالرياضة بوصفها أسلوب حياة، لا نشاطاً محدوداً بملعب أو ميدان.

وتؤمن العصيمي بأن الرياضة قادرة على إحداث أثر يتجاوز الجانب البدني، وترى أنها وسيلة للتنفيس واستعادة التوازن ومقاومة الضغوط والهموم، من خلال اكتساب مهارات جسدية تمنح الإنسان المتعة والسعادة والثقة.

 

الفروسية.. أكثر من رياضة

 

 

تختصر سارة العصيمي تجربتها في أن الخيل منحها مساحة للتحدي واكتشاف الذات، وأن الفروسية بالنسبة إليها لم تكن طريقاً إلى المنافسة فقط، بل مدرسة تعلمت فيها الصبر والثقة والشجاعة وفهم الآخر.

ومن فتاة بدأت تجربتها الأولى على حصان في الرابعة عشرة بتشجيع والدها، إلى فارسة تخوض السباقات وتدرب الآخرين وتحلم بالوصول إلى قمة إفرست، تبدو رحلة العصيمي نموذجاً لمسيرة صنعتها الرغبة في التعلم، والقدرة على تجاوز الحواجز، والإيمان بأن الرياضة يمكن أن تكون طريقاً للإنجاز والاستقرار النفسي وصناعة أثر يتجاوز حدود المنافسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى