لجنة (التسعة عشر) السودانية..مبادرة لإنقاذ الوطن أم مناورة لشراء الوقت؟

وهل تستطيع لجنة سودانية أن تنتزع ملف الأزمة من أيدي العواصم وتعيده إلى الخرطوم؟
بقلم/ محمد فؤاد عيد
في السودان اليوم لا تكاد تولد مبادرة سياسية حتى تلاحقها الأسئلة قبل أن تجد الوقت الكافي لتقف على قدميها.
وهذا ربما ما يحدث مع «لجنة تهيئة الحوار السوداني» المكونة من تسعة عشر شخصية سودانية والتي خرجت إلى العلن وهي تحمل عنواناً شديد الجاذبية في زمن الحرب إعادة السودانيين إلى طاولة الحوار وتهيئة المناخ لمسار سياسي يمكن أن يقود في نهاية المطاف إلى توافق وطني ووقف نزيف البلاد.
لكن بين العنوان والواقع تمتد مساحة شاسعة من الشكوك.
فهل نحن أمام مبادرة سودانية حقيقية يمكن أن تنتزع ملف الأزمة من أيدي الدول والعواصم والوسطاء؟
أم أننا أمام مناورة سياسية جديدة لشراء الوقت بينما يجري في مكان آخر إعداد ترتيبات مختلفة قد تعيد إنتاج الأزمة في ثياب جديدة؟
وهل تستطيع تسع عشرة شخصية مهما كانت خبراتها ومكانتها أن تفعل ما عجزت عنه دول ومنظمات إقليمية ودولية ومؤتمرات ومسارات تفاوضية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023؟
السؤال مشروع بل ربما يكون واجباً.
فالسوداني الذي جرّب عشرات المبادرات والاتفاقات والمواثيق لم يعد يكفيه أن يسمع كلمة «حوار» وإنما يريد أن يعرف من سيحاور من ؟ وعلى ماذا ؟ وتحت أي ضمانات ؟ وإلى أين ستقود النتيجة ؟
في السياسة لا يأتي التوقيت عادة بلا معنى.
ولهذا فإن السؤال الأهم حول لجنة التسعة عشر السودانية ربما لا يكون فقط من هم أعضاؤها ؟ ولا حتى ماذا تريد ؟
السؤال الأكثر إثارة هو:
لماذا الآن؟
لماذا خرجت مبادرة الحوار السوداني ـ السوداني إلى العلن في هذه اللحظة تحديداً بينما تتحرك في الجهة الأخرى الآلية الخماسية المكونة من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والإيغاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي وتجري مشاورات مع القوى السودانية بحثاً عن مسار سياسي جديد ؟
وفد من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي دخل الخرطوم والتقى الفريق أول عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء كامل إدريس في أول زيارة من هذا المستوى منذ أكتوبر 2021 متحدثاً عن الحوار السياسي والمصالحة وإنهاء الحرب ووحدة السودان.
وبعد أيام قليلة خرجت لجنة التسعة عشر.
ثم بعد ذلك مباشرة رحب بها الاتحاد الأفريقي رسمياً ليس باعتبارها مساراً منفصلاً تماماً وإنما قال بوضوح إن المبادرة تعزز خارطة طريق الاتحاد الأفريقي ومسار الآلية الخماسية ضمن استراتيجية متماسكة يقودها السودانيون.
وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
هل نحن أمام سباق على «فايل السودان»؟
ربما…… لكن ليس بالضرورة بالمعنى التآمري المباشر.
فالمشهد يوحي بوجود تنافس حول سؤال جوهري من يصمم العملية السياسية القادمة ؟
هل يتم تصميمها من الخارج ثم يُطلب من السودانيين الالتحاق بها ؟ أم تبدأ في الخرطوم ثم يطلب من الخارج الاعتراف بها ودعمها ؟
هذا فارق مهم جداً.
ويبدو أن الحكومة السودانية تريد أن تقول للمجتمع الإقليمي والدولي إذا كنتم تبحثون عن «عملية سياسية سودانية الملكية» فها هي العملية قد بدأت من داخل السودان.
أما القوى المعارضة للمسار فتقرأ المسألة بطريقة مختلفة تماماً وترى أن عملية تجري تحت مظلة السلطة القائمة وفي مناطق سيطرتها قد تتحول إلى أداة لاكتساب الشرعية السياسية وليس إلى حوار متكافئ بين السودانيين.
وقد أعلنت قوى سياسية ومدنية مناهضة للحرب في أغسطس رفضها للمسار وقالت إنها لن تشارك فيه أو تعترف بنتائجه وطرحت بدلاً منه تصوراً لمسارات سياسية وأمنية وإنسانية متوازية وهذا يعني أن لجنة التسعة عشر بدأت مهمتها وهي تواجه أول مفارقة كبيرة:
كيف تقيم حواراً وطنياً مع قوى تقول منذ البداية إنها لا تعترف بطاولة الحوار نفسها ؟
مبادرة بدأت من داخل السودان :
أعلنت لجنة تهيئة الحوار في الخرطوم أنها تضم شخصيات قومية وأكاديمية وقانونية وإعلامية، برئاسة الأكاديمي قاسم بدري، ومن بين أعضائها أسماء مثل نبيل أديب ومحمد جلال هاشم وعبد الله آدم خاطر وسليمان الأمين، إضافة إلى آخرين.
وتقول اللجنة إن وظيفتها ليست أن تكون منبراً سياسياً جديداً ولا أن تفرض اتفاقاً مكتوباً سلفاً بل أن تهيئ شروط حوار مستقل وآمن وشامل بين القوى السياسية والمدنية والمجتمعية وأن تستمع إلى الأطراف المختلفة حول منهج الحوار وأجندته وضماناته ومعايير المشاركة فيه.
كما رحبت مفوضية الاتحاد الأفريقي بالمبادرة كما اسلفت معتبرة أنها يمكن أن تسهم في الجهود الرامية إلى تجسير الانقسامات وتهيئة البيئة اللازمة لإنهاء النزاع وهذه في حد ذاتها نقطة إيجابية.
فمنذ اندلاع الحرب أصبح الملف السوداني موزعاً بين عواصم متعددة وكل عاصمة تحمل تصوراً وكل منبر يطرح مبادرة حتى كاد السودانيون يصبحون ضيوفاً على قضيتهم.
ولذلك فإن عودة المبادرة السياسية إلى الداخل من حيث المبدأ ليست أمراً ينبغي السخرية منه.
لكن المشكلة لا تبدأ عند مكان ولادة المبادرة وإنما عند قدرتها على الوصول إلى جميع أطراف الأزمة الطرف الموجود على الضفة الأخرى وهنا نصل إلى العقدة الأكبر.
كيف يكون هناك حوار لإنهاء أزمة وطنية صنعتها حرب بينما الطرف العسكري الرئيسي الآخر في تلك الحرب لا يجلس إلى طاولة هذا الحوار ؟
والإشكال ليس في مكان الطاولة
وإنما الإشكال في من يستطيع الجلوس حولها دون خوف ودون إقصاء ودون شروط مسبقة تصنع المنتصر والمهزوم قبل بداية الحوار.
ولهذا فإن شعار «سودنة الحوار» جميل، لكنه لا يكفي والمعيار الحقيقي هو الاستقلال والشمول والقدرة على تحويل المخرجات إلى سلام.
فأحد أعضاء اللجنة أوضح أن عملها سيقتصر على المسار السياسي والحوار بين القوى المدنية ولن يشمل حَمَلة السلاح باعتبار أن للمسار العسكري ترتيبات أخرى هذه الجزئية بدورها قد تبدو مفهومة من الناحية التنظيمية لكنها تفتح سؤالاً جوهرياً:
هل يمكن فصل السياسي عن العسكري في حرب السودان الحالية بهذه البساطة ؟
ربما تستطيع اللجنة أن تجمع الأحزاب وربما تستطيع أن تقرّب المدنيين وربما تستطيع أن تنتج وثيقة سياسية ممتازة حول شكل الدولة والحكم والانتقال والانتخابات.
لكن المدافع لن تتوقف لأن السياسيين اتفقوا وحدهم والطائرات لن تعود إلى قواعدها بقرار صادر من مؤتمر مدني والمقاتلون في كردفان ودارفور والنيل الأزرق لن يضعوا السلاح لمجرد أن مؤتمراً في الخرطوم أصدر بياناً ختامياً.
ولهذا فإن نجاح المسار السياسي يظل مرتبطاً في مرحلة ما بمسار مباشر أو غير مباشر يصل إلى طرفي الحرب.
وحتى الآن يظل موقع قوات الدعم السريع وحلفائها من المبادرة واحداً من أكبر الثقوب في جدارها.
لكن أين الدعم السريع :
وهنا نصل إلى الفيل الجالس في الغرفة ولا يريد البعض الإشارة إليه قوات الدعم السريع ليست حزباً سياسياً عادياً يمكن تجاهله داخل عملية تبحث عن إنهاء الحرب هي أحد طرفي القتال والحرب نفسها مستمرة.
وفي أغسطس وحده استمرت الهجمات والضربات بالطائرات المسيّرة والتصعيد العسكري في عدة مناطق بما فيها الخرطوم وأم درمان وعطبرة والأبيض في وقت يتحدث فيه السياسيون عن فتح أبواب الحوار وهنا تظهر المفارقة المؤلمة:
السياسة تتحدث عن السلام بينما الميدان يتحدث بلغة مختلفة.
وبحسب ما أعلنته اللجنة فإن مهمتها تتركز في الحوار المدني والسياسي بينما يُترك المسار العسكري لترتيبات أخرى.
من الناحية الفنية ربما يبدو هذا التقسيم منطقياً لكن عملياً لا يمكن إنهاء الحرب السودانية بواسطة السياسيين وحدهم.
فمن سيوقع وقف إطلاق النار؟
ومن سيحدد مواقع القوات؟
ومن سيناقش التجميع ونزع السلاح وإعادة الدمج؟
ومن سيبحث مستقبل قوات الدعم السريع؟
ومن سيعالج وضع الحركات المسلحة؟
ومن يقرر كيف يصبح في السودان جيش واحد؟
الاتحاد الأفريقي نفسه حين رحب بالمبادرة قال إن الغاية النهائية يجب أن تكون دولة سودانية موحدة ذات مؤسسات مدنية شرعية ومنظومة أمنية وطنية واحدة.
وهذه العبارة وحدها تعني أن الملف العسكري لا يمكن أن يظل إلى الأبد على الضفة الأخرى من النهر.
هل سيجلس البرهان وحميدتي؟
ليس بالضرورة في المرحلة الأولى وقد لا يحدث اللقاء المباشر قريباً أصلاً.
لكن إذا كانت المبادرة تهدف فعلاً إلى إنهاء الحرب وليس فقط إعادة ترتيب المشهد المدني فسوف تصل في نهاية الطريق إلى لحظة لا يمكن تجاوزها وهو كيف يتفق طرفا الحرب على وقفها؟
سواء تم ذلك بلقاء مباشر أو عبر وسطاء أو تفاوض عسكري أمني منفصل فإن وجود قناة تصل إلى الدعم السريع يصبح ضرورة.
لأن أي عملية سياسية لا تؤثر في قرار الحرب ستبقى ناقصة مهما بلغ عدد المشاركين فيها.
وهنا أيضاً يجب الفصل بين أمرين.
إشراك طرف مسلح في تفاوض يهدف إلى إنهاء الحرب لا يعني تبرئته من الجرائم.
والجلوس إلى طاولة تفاوض ليس شهادة حسن سيرة وسلوك.
التاريخ مليء بالحروب التي انتهت بالتفاوض مع خصوم يتهم كل منهم الآخر بارتكاب فظائع.
لكن بعد توقف الحرب يبدأ سؤال مختلف:
من ارتكب ماذا ومن يحاسب؟
وقد أشار مدير برنامج القرن الأفريقي في مجموعة الأزمات الدولية ألان بوسويل إلى أن أحد أوجه الضعف الأساسية في المسار هو عدم شموله الطرف المتقاتل الآخر معتبراً أنه لا يوجد حتى الآن مسار حقيقي جدي لإنهاء الحرب ما لم يحدث انخراط مباشر بين الأطراف المتقاتلة وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحاً:
هل لجنة التسعة عشر مقدمة لمسار أكبر لم يُكشف عنه بعد أم أنها فعلاً تعمل في مسار مدني موازٍ للحرب؟
شطب البلاغات… ضمانة أم باب ينبعث منة الخطر:
الحصانة… أخطر أبواب المبادرة
وقرار البرهان بشطب البلاغات المتعلقة بالأفعال أو الآراء السياسية بحق بعض السودانيين الموجودين في الخارج وتوفير حماية إجرائية للمشاركين في الحوار يمثل ربما أهم اختبار أخلاقي وقانوني للمبادرة.
فالقرار المعلن يشمل إسقاط شكاوى الحق العام التي رفعتها جهات حكومية والمتعلقة بالأفعال أو الآراء السياسية إلى جانب حماية إجرائية مؤقتة أثناء المشاركة في المشاورات.
من حيث المبدأ هذا أمر مفهوم.
لا تستطيع أن تقول لمعارض
تعال إلى الخرطوم وتحاور معنا.
ثم تضع في المطار شخصاً ينتظره بأمر قبض ذلك ليس حواراً.
لكن أين ينتهي ضمان الحوار وأين تبدأ الحصانة من الجرائم؟
هذا يجب أن يحدد بوضوح لا يقبل التأويل.
فالسياسي الذي عبر عن رأي معارض يجب ألا يعاقب على رأيه.
لكن إذا كانت هناك اتهامات جدية مستقلة بجرائم قتل أو تعذيب أو اغتصاب أو نهب أو جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب فهذه لا يجوز أن تمحى بقرار سياسي لمجرد أن صاحبها وافق على الحضور إلى مؤتمر.
يد ممدودة للسلام لا تستطيع وحدها أن تمحو دماً سال على الأرض.
وإلا فإننا سنكون قد حولنا الحوار من بوابة للمصالحة إلى غسالة سياسية للتاريخ
وهى من أكثر الخطوات إثارة للجدل من زاوية أولى يمكن النظر إلى الخطوة باعتبارها إجراءً ضرورياً لبناء الثقة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الحدود بين الرأي السياسي والمسؤولية الجنائية غير واضحة.
فالحوار يحتاج إلى حصانة للرأي لكنه لا يجب أن يتحول إلى حصانة من العدالة.
ومن حق كل سوداني أن يسأل:
ماذا عن من تحوم حوله اتهامات تتعلق بجرائم ضد المواطنين؟
ماذا عن الدماء ؟ ماذا عن الانتهاكات؟ ماذا عن جرائم الحرب أو الجرائم الجسيمة التي قد تكون خاضعة لتحقيقات مستقلة ؟
هل يكفي أن يأتي الإنسان إلى الحوار «بقلب سليم ويد ممدودة» لكي تسقط عنه كل التهم؟
الإجابة التي يجب أن تكون واضحة هي: لا .. حيث ان المصالحة السياسية شيء والعدالة الجنائية شيء آخر.
ولا سلام مستداماً يقوم على دفن الجرائم تحت طاولة التفاوض.
ويجب أن تظل أي ضمانات متعلقة بالمشاركة السياسية منفصلة تماماً عن حق الضحايا والحق الخاص وعن المساءلة عن الجرائم الجسيمة.
وبعض التغطيات للقرار تشير إلى أن الحصانة المطروحة ذات طبيعة إجرائية ومؤقتة وليست عفواً نهائياً من المسؤولية الجنائية وهو فارق بالغ الأهمية ينبغي أن توضحه الدولة واللجنة للرأي العام بصورة لا تحتمل اللبس .
من صاحب المصلحة في الحوار؟ :
هذا ربما هو السؤال الذي يجب أن يوضع فوق الطاولة قبل أي سؤال آخر.
من المستفيد؟ الحكومة؟ أم القوى السياسية في الخارج؟
الحركات المسلحة؟ النخب التي تبحث عن موطئ قدم في السلطة القادمة؟ الدول التي تريد تخفيف عبء الأزمة؟ أم المواطن السوداني الذي لا علاقة له بكل تلك الحسابات؟
المصلحة الحقيقية في الحوار ليست مصلحة حزب أو قائد أو تحالف صاحب المصلحة الأكبر هو الرجل الذي يريد العودة إلى منزله والمرأة التي تريد أن تجد مستشفى والطفل الذي يريد مدرسة والمزارع الذي يريد أن يزرع أرضه والنازح الذي يريد أن يعرف إن كان ما زال لديه وطن يعود إليه.
هؤلاء هم أصحاب الأسهم الحقيقية في شركة السلام السودانية.
لكنهم للأسف ظلوا في كثير من حواراتنا السابقة آخر من يُستشارون وأول من يدفعون الثمن.
مبادرة أم مناورة :
حتى الآن لا توجد أدلة كافية تسمح بالجزم بأنها مناورة.
وبالمقابل لا توجد أيضاً ضمانات كافية تسمح بإعلان أنها طوق النجاة.
المبادرة ما زالت في مرحلة الاختبار وربما يكون الحكم المبكر عليها ظلماً لها.
لكن التاريخ السوداني يجعل الشك مشروعاً.
فكم من حوار بدأ تحت شعار الوطن وانتهى بتوزيع المقاعد؟
وكم من مبادرة بدأت بمفردات السلام ثم ابتلعتها حسابات السلطة ؟
وكم من مؤتمر تحدث عن السودانيين وانتهى بتسوية بين النخب؟
ولهذا فإن لجنة التسعة عشر لا تحتاج إلى خطابات إضافية بقدر حاجتها إلى اختبارات عملية.
هل تستطيع التواصل مع الرافضين قبل الموافقين؟
هل تستطيع أن تجلس مع صمود وغيرها من القوى التي انتقدت المسار؟
هل تستطيع فتح قنوات غير مباشرة مع المكونات المرتبطة بالطرف الآخر للحرب ؟
هل تستطيع إقناع السلطة بأن مخرجات الحوار لن تكون مجرد توصيات توضع في الأدراج ؟
وهل تستطيع أن تقول للسلطة كما تقول للمعارضة إن لا أحد سيملك حق الفيتو على مستقبل السودان؟
قوى سياسية معارضة ومناهضة للحرب أعلنت بالفعل رفضها للمسار واعتبرت أن الحوار الذي يجري في مناطق سيطرة أحد طرفي الحرب قد يكرس واقع الانقسام بدلاً من إنهائه.
وهذا الاعتراض سواء اتفقنا معه أو اختلفنا لا ينبغي إسقاطه من الحساب.
فالحوار الذي يجمع الموافقين وحدهم ليس حواراً إنه اجتماع موسع لأصحاب رأي واحد.
هل تنجح اللجنة فيما عجزت عنه الدول :
نعم نظرياً يمكن أن يحدث ذلك.
ليس لأن لجنة التسعة عشر أقوى من الولايات المتحدة أو الاتحاد الأفريقي أو الإيغاد أو دول الإقليم بل لأن لديها شيئاً ربما افتقدته بعض المبادرات الخارجية وهو الملكية السودانية للحل.
أحياناً تفشل الدول الكبيرة لأنها تنظر إلى السودان من زاوية مصالحها بينما يستطيع السودانيون إذا امتلكوا الإرادة والاستقلال أن يروا المشكلة من داخلها.
لكن نجاح المبادرة يتطلب شروطاً قاسية وهى أن تكون اللجنة مستقلة فعلاً لا اسماً أن تتواصل مع الجميع دون قوائم سوداء سياسية أن تفصل بين الحوار والمحاسبة أن تربط المسار السياسي بمسار حقيقي لوقف الحرب أن يكون المدنيون وضحايا الحرب والنساء والشباب والنازحون والأقاليم جزءاً أصيلاً من الحوار لا مجرد مقاعد تجميلية.
وأن تكون وحدة السودان ووقف الحرب وإعادة بناء الدولة فوق حسابات السلطة والمناصب.
بريق أمل… لكنه ضعيف :
هل يوجد أمل؟ نعم ..لكن بريقه ما زال ضعيفاً والأمل في السودان اليوم لا يحتاج إلى كثير من الشعر السياسي وإنما يحتاج إلى قرارات.
أولها وقف القتل.
ثانيها فتح الطريق للمساعدات.
ثالثها بناء الثقة.
رابعها جمع السودانيين لا تصنيفهم.
وخامسها وضع مسار واضح يجعل نهاية العملية السياسية دولة مدنية مستقرة وجيشاً وطنياً واحداً ومؤسسات واحدة لا تثبيت سلطتين وجيشين ووطنين.
لجنة التسعة عشر قد تصبح بداية مهمة إذا نجحت في تحويل نفسها من مجموعة شخصيات محترمة إلى جسر يستطيع الجميع العبور فوقه.
لكنها قد تتحول أيضاً إلى رقم جديد في مقبرة المبادرات السودانية إذا أصبح هدفها إنتاج حوار يشارك فيه من يوافقون فقط بينما يقف المختلفون والمقاتلون والضحايا على الضفة الأخرى من النهر.
فالسودان لا يحتاج الآن إلى طاولة إضافية لديه ما يكفي من الطاولات.
السودان يحتاج إلى من يستطيع أن يأتي بأصحاب البنادق وأصحاب السياسة وأصحاب المصلحة الحقيقية ثم يقول للجميع إما أن نختلف داخل وطن واحد أو سنستيقظ ذات صباح لنجد أنه لم يعد هناك وطن نختلف عليه.
هناك بريق أمل ولا ينبغي الاستهانة بأي نافذة صغيرة يمكن أن تتسلل منها إمكانية وقف الحرب لكن التفاؤل وحده لا يصنع سلاماً.
فإذا تحولت لجنة التسعة عشر إلى جسر يربط بين المسار الداخلي والخارجي وبين السلطة والمعارضة ثم بين المسار المدني ومسار وقف الحرب يمكن أن تصبح حدثاً سياسياً مهماً.
أما إذا تحولت إلى مؤتمر آخر يلتقي فيه من يستطيعون أصلاً الاجتماع مع بعضهم بينما يبقى الطرف الآخر للحرب خارج الباب فسنضيف رقماً جديداً إلى سجل الحوارات السودانية الطويلة.
وإذا أصبحت الحصانات وسيلة لمحو الجرائم فلن يكون ما يحدث مصالحة بل تأجيلاً للانفجار.
وإذا كانت الغاية الحقيقية شراء الوقت إلى أن يحقق أحد الأطراف مكسباً عسكرياً أو سياسياً أكبر فسوف تكشف الأيام ذلك سريعاً.
أما إذا كانت هناك إرادة حقيقية لإعادة «فايل السودان» إلى السودانيين فلتبدأ اللجنة بأصعب اختبار:
أن تثبت أنها لا تتبع لأحد لا للجيش ولا للدعم السريع ولا لحزب ولا لتحالف ولا لسفارة ولا لعاصمة بل للسودان وحده.
وعندها فقط يمكن أن نسأل السؤال بصورة مختلفة:
ليس هل لجنة التسعة عشر مبادرة أم مناورة؟
بل:
هل تكون هذه المرة الأولى التي يجلس فيها السودانيون إلى طاولة لا ليقسموا السلطة وإنما لينقذوا ما تبقى من الوطن؟




