منى ابوزيد تكتب : الحوار أخطر من الحرب..!

هناك فرق ..

“الحوار مخيف لمن يريد أن يرث السودان، وآمن لمن يريد أن ينقذه”.. الكاتبة..!

 

الهجوم على لجنة تهيئة الحوار السوداني، يأتي من ضفتين تبدوان متباعدتين في الخطاب والموقف، لكنهما تلتقيان عند نقطة واحدة هي “الخشية من الحوار نفسه”. بعض الإسلاميين يقرأون المبادرة باعتبارها محاولة لإعادة خصومهم إلى المشهد السياسي من نافذة جديدة، بينما تنظر صمود إليها من زاوية أخرى، باعتبارها قد تفتح الطريق أمام قوى ترى هي أنها لا تستحق أن تكون طرفاً في صناعة المستقبل..!

 

وبين الموقفين، يضيع السؤال الأهم “لماذا يخاف هؤلاء وأولئك من أن يجلس السودانيون إلى طاولة واحدة؟. لأن القبول بالجلوس للحوار هو إعادة توزيع محتملة للشرعية. وهنا تكمن المسألة التي لا يحب الكثيرون مواجهتها بصراحة. فكل طرف في هذه الحرب لا يخوض معركته بالسلاح وحده، وإنما يخوضها أيضاً بحثاً عن موقع في ذلك السودان الذي سيأتي بعد الحرب..!

 

وكلما طال أمد الحرب صار لكل قوة تصورها عن شكل الدولة، ومن يحق له أن يحكمها، ومن ينبغي أن يُستبعد منها. ولذلك يصبح الحوار خطراً حين لا يعرف الرافضون مسبقاً إلى أين يقود. باعتبار أن أخطر ما يمكن أن يفعله الحوار أنه قد ينتج شرعية لا يستطيع أحد احتكارها. فقد يدخل طرف إلى الحوار وهو يظن أنه يملك التفوق الأخلاقي والسياسي، ثم يكتشف أن الطرف الذي يريد إقصاءه يمتلك في المقابل جمهوراً أو تاريخاً أو قدرةً على التفاوض أو مفاتيح اجتماعية لا يمكن تجاهلها..!

 

وقد يجلس خصمان يظن كل منهما أن الآخر قد انتهى، فيكتشفان أن السياسة لا تعرف كلمة انتهى إلا عندما يقولها الشعب. لذا يصبح رفض تهيئة الحوار أحياناً دفاعا. عن نتيجة سياسية مأمولة قبل أن يبدأ الحوار أصلاً. والحقيقة الأكثر إيلاماً هو أن بعض القوى لا تريد حواراً إلا إذا كان يؤدي إلى النتيجة التي تريدها “تريد السلام، بشرط ألا يمنح خصمها شرعية. وتريد التوافق، بشرط ألا يغيّر موازين السلطة. وتريد دولة مدنية، بشرط أن تُستبعد منها جماعة بعينها. وتريد انتخابات، بشرط أن تكون نتائجها محسومة أخلاقياً قبل أن تُفتح صناديق الاقتراب”..!

 

بينما الحوار في الواقع ليس محكمة لإدانة الخصوم، ولا مغسلة لتبرئة المتهمين، ولا سلماً يصعد عليه طرف واحد إلى السلطة. الحوار الحقيقي هو المكان الذي تتخلى فيه كل القوى عن وهم أنها تستطيع وحدها كتابة نهاية السودان. وهنا يجب التمييز بين أمرين، تهيئة الحوار لا تعني تبرئة أحد، ولا تعني منح الشرعية لأحد. الشرعية السياسية ليست هدية تمنحها لجنة، ولا ختماً يصدره مؤتمر، بل نتيجة معقدة لمعادلات المجتمع والدستور والانتخابات والتوافق الوطني..!

 

ثم أن الخوف من أن يمنح الحوار أحداً شرعية للوصول إلى السلطة يكشف في جوهره خوفاً آخر هو الخوف من أن تكون معادلات السياسة أعدل من حسابات الحرب. وقد ينجح الحوار وقد يفشل، وقد يثبت أن بعض القوى لا يمكن جمعها في غرفة واحدة. لكن ذلك كله لا يجعل تهيئة الحوار جريمة أو حتى جنحة. وبعد كل هذا الدم ربما آن للسودانيين أن يخافوا من أن يصبح رفض الحوار هو الطريقة الوحيدة التي يعرفون بها كيف يحافظون على مواقعهم..!

 

فالسلطة التي تحتاج إلى منع الحوار كي تبقى، ليست سلطة واثقة من شريتها، والقوة التي تخشى أن يجلس خصمها إلى الطاولة، تعرف في داخلها أن الطاولة قد تكون أعدل من البندقية. وفي بلد أرهقته الحرب، ربما لا يكون السؤال “من سيحكم السودان”؟ بل “متى يملك هؤلاء الرافضون الشجاعة الكافية لكي يتركوا السودانيين بفررون لأنفسهم!.

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى