ذل السودانيين في المهاجر وجع آخر من أوجاع الحرب ..

نقطة إرتكاز ..

مرتضى ميرغني

قبل الحرب ، كان السوداني في كثير من بلدان الاغتراب يُستقبل بقدر كبير من الاحترام والثقة . كان معروفاً بطيب المعشر وبالجدية في العمل وبالقدرة على الاندماج دون أن يفقد هويته ، حتى أصبح وجود السوداني في بعض المجتمعات أمراً مألوفاً ومحبباً ..

أما اليوم وبعد أن مزقت الحرب بلادنا فقد حملنا معنا إلى المنافي جرحاً لم نصنعه ووجدنا أنفسنا في مواجهة صورة جديدة ومؤلمة ..

في بلدان خرجت فيها حملات ترفض وجود السودانيين ، وفي أخرى خرجت مظاهرات تندد ببقائهم وفي أماكن أخرى صار السوداني عرضة للتوقيف أو التضييق لمجرد أنه ينتمي إلى منطقة معينة من السودان ..

أي وجع أكبر من أن يصبح الإنسان متهماً قبل أن يتحدث ومرفوضاً قبل أن يُعرف ، ومُعاقباً على شيء لم يرتكبه؟

الحرب لم تكتف بأن تهدم بيوتنا وتقتل أهلنا وتشرّد ملايين السودانيين داخل الوطن بل امتدت آثارها إلى المهاجر ، فأصبح السوداني يدفع أحياناً ثمن حرب لم يخترها ، وصراع لم يكن طرفاً فيه وانتماء جغرافي لا ذنب له فيه ..

والمؤلم أكثر أن يصل الأمر إلى تصنيف السودانيين بحسب مناطقهم وقبائلهم وأصولهم ، وكأن الإنسان مسؤول عن المكان الذي وُلد فيه أو عن الجريمة التي ارتكبها شخص آخر يحمل ذات الجنسية ..

نحن لا نبرر خطأ سوداني ولا ندافع عن مجرم ، ولا نطلب من الدول أن تتخلى عن قوانينها أو أمنها . لكننا نرفض أن يتحول السوداني إلى متهم جماعي ، وأن يصبح اللجوء ذلاً ، والغربة خوفاً والجنسية وصمة ..

لقد كنا شعباً يهاجر طلباً للرزق والعلم والعمل، فإذا بنا اليوم نهرب من وطن أنهكته الحرب ونجد أنفسنا في بعض المنافي نكافح أيضاً من أجل حقنا في أن نُعامل كبشر ، لا كأرقام ولا ككتلة واحدة تحمل وزر ما يحدث في السودان ..

هذه ليست دعوة للشكوى بقدر ما هي دعوة لأن نسأل أنفسنا :

كيف وصلنا إلى هنا؟

كيف انتقل السودان ، الذي كان أبناؤه يذهبون إلى العالم يحملون معهم سمعة طيبة إلى مرحلة أصبح فيها بعض السودانيين يخشون أن يُعرف أصلهم أو منطقتهم ؟

الجواب لا يكمن كله في الآخرين..

فالحرب كشفت كثيراً من عيوبنا وأظهرت للعالم صورة مؤلمة عن وطن مزقته الصراعات وأضعفت مؤسساته وتراجع فيه القانون، وتحولت فيه الهوية أحياناً من رابطة وطنية جامعة إلى أدوات للتصنيف والاستقطاب ..

ولذلك فإن استعادة كرامة السوداني في الخارج تبدأ قبل كل شيء من استعادة السودان نفسه ..

 

سودان يحترم الإنسان ويحتكم إلى القانون ويحارب الفساد، ويضع المواطنة فوق القبيلة والجهة ، ويعيد بناء مؤسساته ويقدم للعالم نموذجاً جديداً لشعب استطاع أن ينهض من بين الركام ..

نحن لا نريد أن نعيش غرباء في أوطان الآخرين ولا نريد أن نُعامل كعبء

نريد فقط أن نستعيد السودان الذي كان يجعل السوداني أينما ذهب يحمل اسماً نفتخر به لا اسماً نخشى أن نذكره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى