الجيش يمضي.. وهم يتفرجون!

هوامش السيادة

بقلم/ أبوذر عوض الكريم احمد

 

في الوقت الذي تكتب فيه القوات المسلحة تاريخ السودان بمداد الدم، لا تزال بعض القوى السياسية تكتب مواقفها بقلم الممحاة.

الجيش يتقدم في الميدان، يضيق الخناق على المليشيا، يفتح الطرق، يقطع خطوط الإمداد، ويعيد ترتيب الجغرافيا الوطنية على ظهر البندقية. وعلى الضفة الأخرى يقف تحالف «صمود» يراقب المشهد، ثم يكتشف في كل خطوةٍ وطنية عيباً، وفي كل انتصارٍ للجيش سبباً جديداً للارتياب.

كأن المشكلة ليست في من حمل السلاح ضد الدولة، بل في الدولة التي حملت السلاح دفاعاً عن نفسها.

ذلك هو جوهر المفارقة.

كلما تتقدم القوات المسلحة، يصمتون.

وإذا تعثرت، ترتفع أصواتهم.

وإذا دُعي السودانيون إلى حوارٍ داخل بلادهم، بحثوا عن طاولةٍ أخرى في الخارج.

وفي اللحظة التي تكون فيها الدولة في أمسّ الحاجة إلى موقفٍ وطني واضح، يخرجون علينا بمزيدٍ من النظريات السياسية الباردة، كأن الحرب فصلٌ دراسي، وكأن الوطن تجربةٌ قابلة للتأجيل.

المشكلة في هذه القوى ليست أنها تختلف مع الجيش، فالاختلاف حق. المشكلة أنها لم تفهم، أو لا تريد أن تفهم، أن الوطن لا يمكن أن يبقى رهينةً لمزاج الأحزاب، وأن الدولة لا تستطيع أن تنتظر حتى يرضى الجميع عن شكل الطاولة ولون الكراسي ومكان الاجتماع.

وطن ينزف.

وجيش يقاتل.

وشعب يريد أن يعيش.

وفي المقابل، من لا يزال يتعامل مع هذه المأساة بعقلية: ماذا سنكسب بعد انتهاء المعركة؟

وهنا يبدأ الفارق بين من يقف مع الوطن، ومن يقف على رصيف الوطن ينتظر نتيجة المباراة.

القوات المسلحة ليست جمعيةً خيرية، ولا نادياً سياسياً، ولا جسماً يبحث عن شهادة حسن سلوك من تحالفاتٍ فقدت كثيراً من رصيدها الشعبي.

إنها مؤسسة الدولة التي حملت السلاح في ساعةٍ انكشفت فيها الحقائق.

والذين يتحدثون اليوم عن «المدنية» و«الديمقراطية» عليهم أن يجيبوا عن سؤالٍ بسيط:

أي ديمقراطية تُبنى فوق وطنٍ بلا دولة؟

وأي سياسة تقوم في بلدٍ تحكمه المليشيات؟

ومن يريد الديمقراطية فليحفظ الدولة أولاً.

ومن يريد الحوار فليعترف بالوطن أولاً.

ومن يريد السلام فليقل بوضوح إن البندقية ليست سلّماً إلى السلطة.

أما أن تظل القوى السياسية معلقةً بين الرفض والانتظار، وبين الداخل والخارج، وبين الصمت والتلميح، ثم تريد من الشعب أن يمنحها ثقته، فتلك وصفةٌ لا تصلح إلا لتدوير الأزمة.

الميدان اليوم يقول كلمته.

القوات المسلحة التي توقعوا سقوطها ما زالت واقفة.

والدولة التي انتظروا تفككها ما زالت تقاتل.

والشعب الذي أرادوا أن يملأوه بالخوف، صار يعرف أكثر من أي وقتٍ مضى أن سقوط الجيش ليس تغييراً سياسياً، بل سقوطٌ للدولة كلها.

لن نقول إن القوات المسلحة بلا أخطاء.

ولا نقول إنها فوق النقد.

لكننا نقول بوضوح: من يساوي بين جيش الوطن ومليشيا التمرد، فقد أضاع البوصلة قبل أن يضيع الطريق.

ومن يجعل هزيمة القوات المسلحة مدخلاً إلى السلطة، فلن يجد في هذه الأرض شعباً يفتح له الباب.

ومن يظن أن صمت البنادق سيجعل السودانيين ينسون كل ما جرى، فهو لم يفهم شيئاً من هذه الحرب.

لقد انتهى زمن الأقنعة.

عرف الناس من كان في الخندق.

ومن كان خلف المنبر.

ومن حمل السلاح دفاعاً عن السودان.

ومن حمل أوراقه من عاصمةٍ إلى عاصمةٍ بحثاً عن طريقٍ مختصرٍ إلى كراسي الحكم.

الجيش في الميدان، وهم في المواعيد.

الجيش يحسب خطواته بالأرض التي يستعيدها، وبعض السياسيين يحسبون خطواتهم بعدد المؤتمرات التي يحضرونها.

الجيش يدفع من دم رجاله، وغيرهم يدفع من رصيد الوطن ثمناً لمغامراته السياسية.

وهذه، يا سادة، هي الحكاية كلها.

*هوامش السيادة*

أما الذين ظلوا ينتظرون سقوط الجيش ليجدوا لأنفسهم موضعاً في المشهد، فقد أخطأوا قراءة السودان.

انتظروا انهيار الدولة، فلم تنهَر.

وراهنوا على هزيمة الجيش، فعادوا يبتلعون رهاناتهم واحداً تلو الآخر.

والآن، بعد أن جفّ حبر بياناتهم، وبردت كراسي مؤتمراتهم، بدأوا يبحثون عن «وطنية» متأخرة يعلّقونها على صدورهم.

يا هؤلاء… لا تتعبوا أنفسكم.

فالسودان الذي صمد في وجه المليشيا لن يمنح عملاءه شهادة وطنية.

والجيش الذي خذلتموه في ساعة الخطر لن يحتاج إلى تصفيقكم بعد أن تنقشع الغبرة.

لقد عرف الناس من وقف في الخندق، ومن وقف خلف الحدود يراقب الخندق ويحسب كلفة الوطن بالدولار.

فلا تبحثوا عن مكانٍ بين الشرفاء.

لقد اختار كلٌّ منكم صفه، واختار السودان صفه.

والفرق بين الصفين… أن هذا الوطن يكتب أسماء رجاله بالنصر، وأسماء عملائه في مزبلة التاريخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى