حين تتحول الجغرافيا إلى امتحان للسيادة (٢/٢)

بقلم/ محمد فؤاد عيد
السودان تحت المجهر !*
في الجزء الأول من هذا المقال التحليلى تتبعنا كيف انقسم الموقف الخليجي بين السعودية والإمارات وكيف أصبح هذا الانقسام يُعاد إنتاجه داخل السودان نفسه لكن الصورة لا تكتمل دون توسيع دائرة التحليل لتشمل لاعبين آخرين لا يقلّان تأثيراً حيث نجد مصر جارة السودان التاريخية والولايات المتحدة القوة الأجنبية الأبرز في ملف السلام وهنا يتضح أن السودان لم يعد مجرد ساحة لخلاف بين دولتين خليجيتين بل أصبح تقاطعاً لمصالح قوى إقليمية ودولية متعددة وكل منها يقرأ مستقبل السودان من زاوية مختلفة تماماً.
وكما تناولنا المشاهد الثلاث الاولى فلابد من قراءة ما يليها من وقائع ومشاهدات فهنالك ايضآ موقف الولايات المتحدة ومصر وكيف يقود التنافس الخليجي إلى تعطيل مسارات الحل.
*المشهد الرابع :*
ويتمثل فى مصر وكيف يتحول الأمن القومي في مواجهة التداخل الخارجي .
تقف مصر في موقف لا يشبه موقف أي لاعب آخر فالسودان بالنسبة إليها ليس مجرد مصلحة استراتيجية بعيدة بل هو عمق استراتيجي وأمن قومي مباشر تتشابك فيه المياه والحدود والتركيبة السكانية والجوار التاريخي.
*ماذا تريد مصر؟ :*
نعم كل ما تريدة الحفاظ على دولة سودانية مركزية قوية وموحدة خشية أن ينهار السودان إلى كيانات تفتح أبواب الفوضى على حدودها الجنوبية كذلك لا ننسى حماية أمن النيل والمياه فالسودان المستقر هو ضمان استقرار المنابع اضف الى منع تمكين قوى قد تهدد حدودها ولذا تقف القاهرة بوضوح في خندق دعم القوات المسلحة السودانية بقيادة البرهان عبر تنسيق استخباراتي ولوجستي وسياسي وثيق.
ولكن موقف مصر ليس بلا تعقيدات حيث ترفض القاهرة بشدة أن يُفرض حل خارجي وتصر مراراً على أن أي عملية سياسية يجب أن تكون “بقيادة سودانية وملكاً سودانياً” موقف يتقاطع حيناً ويتناقض حيناً مع الرؤية الأمريكية التي تميل إلى إشراف دولي أوسع كما تجد مصر نفسها في مواجهة غير مباشرة مع الإمارات التي تدعم خصم الجيش السوداني مما يعمق الشعور في القاهرة بأن هناك مشروعاً إقليمياً يعمل على تقويض الاستقرار في السودان وتفتيت الدولة.
ورغم التنسيق مع واشنطن تظل القاهرة حذرة فالوساطات المتعددة والمبادرات المتناقضة قد لا تصبّ في مصلحة الاستقرار بقدر ما تطيل أمد الصراع باختصار مصر تنظر إلى السودان بعين الجار الذي لا يستطيع أن يغض الطرف عن النار في بيته المجاور لكنها في الوقت نفسه حريصة ألا يُستبدل قرار السودان بقرارات خارجية لا تأخذ مصالحها في الحسبان.
*المشهد الخامس:*
الولايات المتحدة بين دبلوماسية المبادرات وقيود الواقع :
تتحرك الولايات المتحدة في ملف السودان ضمن معادلة مركبة تحاول فيها الجمع بين دفع مسار سلام وإدارة علاقاتها مع أطراف إقليمية متناقضة وفي مقدمتها السعودية والإمارات.
*موقف واشنطن المعلن:*
الدعوة إلى وقف إطلاق نار شامل وضمان وصول المساعدات الإنسانية والانتقال إلى حكم مدني عبر عملية سياسية شاملة مع العمل ضمن إطار “الآلية الرباعية” (الولايات المتحدة + السعودية + الإمارات + مصر) كمنصة رسمية للتنسيق وهي الآلية التي وُضعت خارطة طريق مقترح عبرها لكن التوتر بين الرياض وأبو ظبي قوّض فاعليتها بشكل كبير فهى تنادي بالدعوة إلى حظر أسلحة شامل يغطي كامل السودان وفرض عقوبات على من يمول أو يسلّح أطراف الصراع وهي خطوات تُتخذ رمزياً وتنفيذياً بدرجات متفاوتة من الحزم ولكن الواقع يكشف عن فجوة بين الخطاب والتنفيذ وواشنطن تعلم وفق تقارير برلمانية وصحفية باستمرار تدفق الدعم العسكري للإمارات لقوات الدعم السريع وتعاقب شركات ومكاتب في أبو ظبي لكن العلاقة الاستراتيجية والاستثمارية الكبرى بين البلدين تمنع اتخاذ موقف حاسم وقطعي حيث لا توجد رؤية أمريكية موحدة ومتكاملة لما بعد الحرب ويبقى التركيز على “إدارة الأزمة” بدلاً من حلها جذرياً.
اضف الى الانشغال بملفات أخرى كالصراع في الشرق الأوسط يضعف الزخم الدبلوماسي المخصص للسودان وتصبح النتيجة دور أمريكي يبقى ضرورياً كضغط دولي لكنه عاجز عن فرض حل لأنه لا يستطيع أن يفرّق بين حلفائه في الخليج ولا يستطيع أن يُجبر طرفي الصراع الداخلي على القبول بشروط لا يرضيها داعموهم الخارجيون.
*المشهد السادس:*
كيف دمّر التنافس مسارات الحل :
وهنا نصل إلى جوهر الخطرحيث التناقض بين الرعاة الخارجيين لم يعطّل السلام فحسب بل أعاد إنتاج الحرب نفسها وهذة حقيقة ويتجلى ذلك في أربعة مستويات مترابطة من حيث تعدد المسارات وتشتت الوساطات فلا يوجد تفاوض واحد ولا مرجعية واحدة فبينما تقود السعودية مسار جدة لوقف إطلاق النار تفتح الإمارات قنوات أخرى موازية وتقترح مصر رؤية خاصة وتطرح واشنطن خارطة طريق كل طرف داخلي يجد “باباً خارجياً” يدعمه وكلما تعثر مسار لجأ إلى مسار آخر فلا يوجد ضغط موحد يدفع نحو التسوية اضف الى ذلك كل طرف داخلي يملك “ضماناً” خارجياً بالاستمرار وهذا أخطر ما في الأمر حيث ان الجيش السوداني يعلم أن مصر والسعودية تقفان خلفه فلا يضطر لتقديم تنازلات جوهرية كذلك الدعم السريع على ثقة بأن الإمارات تستمر في إمداده فيرفض أي اتفاق لا يضمن له حصة في السلطة أو النفوذ ونتيجة لذلك لا حافز حقيقي للجلوس إلى طاولة واحدة بجدية لأن كلا الطرفين لا يخشى نفاد المؤن أو انتهاء الغطاء السياسي كما أن انهيار الآلية الرباعية كنموذج للتنسيق وكان المفترض أن تجمع الآلية الرباعية الأطراف الخارجية الرئيسية تحت سقف واحد لكن الخلاف السعودي الإماراتي حول السودان وتداخله مع خلافات أخرى كالملف اليمني جعل التنسيق شبه مستحيل فكيف تُبنى خارطة طريق للسلام حين يختلف الراعيان الأساسيان على تعريف الطرف الشرعي والطرف الآخر ولا ننسى تغليب المصالح الخارجية على المصلحة الوطنية حيث أصبحت شروط أي سلام مرهونة بما يُرضي الخارج هل يرضي الاتفاق الرياض هل تقبله أبو ظبي هل تطمئن إليه القاهرة وهكذا يُنزع القرار من أهل السودان ويصبح السلام “صفقة خارجية” تُفرض عليهم وليس توافقاً ينبع من واقعهم.
*من يكتب مستقبل السودان ؟ :*
ونعود إلى السؤال الذي بدأنا به هل السودان سيد قراره أم ساحة لتصفية الحسابات ؟ حيث ان الصورة الكاملة الآن أكثر وضوحاً السعودية ترى السودان دولة يجب أن تبقى موحدة لحماية البحر الأحمر والاستقرار الإقليمي و الإمارات تتعامل مع السودان كشبكة مصالح استراتيجية تمتد من الموانئ إلى الذهب وتنسج علاقاتها مع أطراف متعددة بلا حصر لسلطة واحدة اما مصر تنظر من زاوية الأمن القومي والمياه والحدود وترى أن لا سلام ولا استقرار إلا بدولة مركزية قوية فى الجانب الاخر تجد الولايات المتحدة تسعى لدور الضامن الدولي لكنها أسيرة علاقاتها المتضاربة مع حلفائها في المنطقة لذلك كلما ازدادت هذه الرؤى تبايناً ازدادت السيادة السودانية تآكلاً فالحرب لا تستمر لأن السودانيين يريدونها بل تستمر لأن توازن المصالح الخارجية لا يسمح بانتهائها ولن يُكتب للسودان أن يخرج من هذا النفق إلا حين تتوافر شروط ثلاثة مجتمعة وهى :
أن يدرك الرعاة الخارجيون أن استمرار الحرب لا يخدم أحداً وأن تقاسم المصالح أفضل من المنافسة المدمرة وأن تستعيد عملية السلام مرجعيتها السودانية بحيث يُتفق على القضايا الوطنية لا وفقاً لمواقف العواصم الخارجية اضف لذلك بأن يُفكّك الارتباط بين الدعم الخارجي واستمرار القتال بحيث لا يبقى أي طرف قادراً على مواصلة الحرب بلا غطاء ولا سلاح من الخارج.
ولعل الجغرافيا لم تكن يوماً عدواً للسودان لكن حين تتحول إلى امتحان للسيادة تُصححه أيدٍ خارجية فإن الخريطة لا تُرسم بالدم فقط بل تُعاد رسمها وفقاً لما يتفق عليه من لا يدفع ثمنها.
والسيادة لا تُستعاد بالشعارات بل تُستعاد حين يملك السودانيون قرارهم وحين يدرك الخارج أن السودان ليس ساحة صراع أو تنافس أو غنائم تنتظر من يكسبها ويعتنى بها بل هو وطن.
*السودان ليس مضطرا إلى التبعية :*
إن السودان ليس مضطرا إلى أن يكون تابعا للسعودية ولا تابعا للإمارات ولا ساحة صراع بينهما هو مضطر فقط إلى أن يكون سودانا وهذه الجملة البسيطة هي أصعب ما في الأمر لأن تحقيقها يحتاج إلى دولة حقيقية ومؤسسات قوية ورؤية وطنية متماسكة ونخب تضع مصلحة البلاد فوق رهانات اللحظة
*حين تصبح المصلحة السودانية هي البوصلة:*
وفي المحصلة فإن موقع السودان بين السعودية والإمارات يجب ألا يحدده الخارج بل تحدده المصلحة السودانية أولا فإذا أحسن السودان تعريف نفسه سيتحول من ساحة تتجاذبها العواصف إلى لاعب يعرف كيف يتحرك بين المنعطفات أما إذا ظل ضعيفا وممزقا فسيبقى مجرد أرض مفتوحة للآخرين تتقاذفها الرياح من كل اتجاه وهو سؤال يبقى دون إجابة وسيظل قائما لا بوصفه سؤالا سياسيا عابرا بل بوصفه سؤالا مصيريا
هل ينجح السودان في أن يكون رقما صعبا في معادلة الإقليم أم يرضى بأن يكون مجرد موضع على خريطة الآخرين ذلك هو التحدي وذلك هو الامتحان الأكبر.




