تقريرٌ أمميّ يطرق باب أبوظبي

هوامش السيادة
بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد
في الخرطوم حربٌ تُدار بالنار، وفي أبوظبي حربٌ أخرى تُدار بالشاشات.
الأولى تحصد الأرواح، والثانية تحاول غسل اليد التي تحمل المال والسلاح وتدفع بالمقاتلين إلى السودان.
لكن هذه المرّة، جاءت الورقة من المكان الذي يصعب على ماكينة العلاقات العامة أن تطفئ نوره.
الأمم المتحدة.
فريق خبراء تابع لمجلس الأمن، يعمل بموجب القرار 1591، أودع تقريره النهائي في يوليو، بينما بقيت تفاصيله محل تجاذب سياسي وإعلامي واسع.
ومجرد وصول الملف إلى هذه المرحلة جعل بعض العواصم تستشعر أن الحكاية خرجت من غرف الاتهام السودانية إلى طاولة دولية لا تُدار بمنشور دعائي ولا بمؤتمر صحفي.
واللافت أن أبوظبي نفسها سارعت إلى مخاطبة مجلس الأمن في أغسطس، محتجة على تسريب معلومات من التقرير.
وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجاً:
لماذا كل هذا القلق من تقريرٍ يفترض أنه لا يحمل شيئاً؟
التقرير، بحسب ما أُثير حوله من معلومات، يضع الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع ضمن العوامل التي أطالت أمد الحرب ورفعت قدرتها العسكرية.
والأخطر أنه يتحدث عن مرتزقة كولومبيين، وشبكات نقل، وممرات إمداد، وطائرات، وسلاح، ومعدات عسكرية.
هذه ليست حكاية مقاتل ظهر فجأة من وراء الكثبان.
إنها منظومة.
ومنظومة لها طريق يبدأ من خارج السودان، ويمر عبر مطارات وقواعد وموانئ، وينتهي بجندي أجنبي يحمل السلاح في وجه السودانيين.
وتزداد الصورة ثقلاً مع ما أُثير عن شركات إماراتية ارتبط اسمها بتجنيد مقاتلين كولومبيين، وعن مسارات نقل عبر أبوظبي وبوصاصو وليبيا وتشاد وصولاً إلى دارفور.
بل إن إفادات أمام الأمم المتحدة تحدثت عن تدريب هؤلاء المقاتلين داخل الإمارات قبل انتقالهم إلى مسرح العمليات في السودان.
فإذا ثبتت هذه التفاصيل كما وردت في التحقيقات الأممية، فنحن أمام شيء يتجاوز الدعم السياسي والإعلامي.
نحن أمام بنية إسناد عسكرية عابرة للحدود.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرق أبواب مجلس الأمن بقوة أكبر:
من الذي كان يموّل الطريق؟
ومن الذي كان يفتح المطارات؟
ومن الذي كان يسهّل العبور؟
ومن الذي كان يوفّر السلاح والمرتزقة؟
ومن الذي ظن أن السودان يمكن أن يُترك وحيداً في مواجهة حرب تُدار من خلف الحدود؟
أما قصة الأسلحة الكيميائية التي أُريد لها أن تصبح العنوان الأكبر، فهنا يجب أن تكون المعايير واحدة.
الدليل أولاً.
لا تُدار العدالة الدولية بالعناوين، ولا تُبنى الجرائم الكبرى على صور مجهولة المصدر أو روايات لم تكتمل عناصر إثباتها.
جثث أهل الفاشر، والدمار الذي تركته الحرب، والجرائم التي وثقتها الآليات الدولية، وقوافل السلاح والمرتزقة التي تبحث الجهات الأممية في مساراتها، كلها ملفات تحتاج تحقيقاً ومساءلة.
أما العقارب النافقة، فمهما كثرت صورها، تبقى عقارب.
ولا تتحول العقرب إلى ضحية سلاح كيميائي بمجرد أن تضعها ماكينة إعلامية أمام الكاميرا.
السودانيون هم الضحايا.
والسودان هو الميدان.
والسلاح هو السلاح.
والدم السوداني أثقل من كل المؤتمرات الصحفية.
لقد ظل السودان يقول للعالم إن هذه الحرب أكبر من بندقية مليشيا، وإن وراء الميدان شبكات إمداد وتمويل وتسليح.
واليوم تأتي التحقيقات الأممية لتضع بعض هذه الخيوط تحت المجهر.
فماذا بقي من مساحة الإنكار؟
قد تستطيع الأموال شراء قناة.
وقد تستطيع العلاقات شراء عنوان.
وقد تستطيع الدعاية صناعة ضجيج.
لكنها جميعاً تعجز أمام وثيقة تحمل اسم الأمم المتحدة.
وهنا تبدأ السيادة من جديد.
السودان لا يطلب من العالم مجاملة.
ولا يريد بياناً دبلوماسياً بارداً.
يريد أن يُقرأ الملف كما هو، وأن يُلاحق السلاح إلى مصدره، والمرتزق إلى مموله، والطائرة إلى مسارها، والمال إلى حسابه، والجريمة إلى من صنع ظروفها.
فالحرب التي وصلت إلى الفاشر لم تهبط من السماء.
ولم يولد مرتزقتها في دارفور.
ولم تصنع المليشيا كل ما تقاتل به داخل السودان.
ومن يمد النار بالوقود، شريك في إطالة الحريق.
أما أبوظبي، فالمشكلة اليوم أن الضجيج الإعلامي بدأ يصطدم بأوراق أممية.
وكلما ارتفع الصراخ حول رواية جانبية، عاد السؤال إلى مكانه:
من الذي أطال الحرب؟
ومن الذي فتح لها الطريق؟
ومن الذي دفع ثمنها من دم السودانيين؟
هذه أسئلة السيادة.
والسيادة لا تُشترى بالإعلانات.



