علم الدين عمر  يكتب : المطلوب والممكن في أمر الحوار و(الحنك المطقوق)!!

حاجب الدهشة 

..قرأت ذات مرة للكاتب الكبير محمد حسنين هيكل عبارة استوقفتني لسنوات استعصي علي فهمها.. أو التعامل معها علي وجه الدقة.. قال فيها إن السودان بشكله الحالي (محض جغرافيا).. لعله كان يقصد أن السودان رغم استقلاله المبكر وحدوده المعروفة ومؤسساته المتعاقبة.. لم يتشكل بعد بصورة مكتملة كدولة.. ولم يستقر تماماً على جادة التعريف النهائي للدولة بمفهومها السياسي والإداري والمجتمعي والقانوني والدستوري..

ربما كان الرجل محقاً في نظر البعض.. وربما يختلف معه آخرون.. ولكنها في كل الأحوال تبقي مقولة لطالما سندتها الوقائع.. وعبر عنها الحال السوداني على مدي عقود منذ الإستقلال.. فقد ظل السودان.. في جانب كبير من تاريخه.. دولة تبحث عن تعريفها.. وسلطة تبحث عن شرعيتها.. ومجتمعاً يتجادل حول عقده الإجتماعي.. وثروة وموارد لم تستقر معادلة توزيعها.. وهوية وطنية لم تُحسم أسئلتها الكبرى بعد..

بعد الحرب.. لن يعود السودان إلى ما قبل الخامس عشر من أبريل.. فذلك ببساطة لم يعد ممكناً.. البلاد دخلت تماماً في مرحلة جديدة ومتقدمة في مسارها السياسي والمجتمعي.. وربما في تاريخها الحديث كله كدولة مستقلة ذات سيادة..

وهذه هي نقطة أهمية الحراك الذي انتظم الساحة حول الحوار السوداني–السوداني.. المطلوب ليس حواراً آخر يضاف إلى أرشيف الحوارات السابقة.. ولا مناسبة سياسية جديدة تنتهي ببيان ختامي.. ثم تعود البلاد بعدها إلى الأسئلة ذاتها والأزمات ذاتها..

المطلوب هذه المرة أن يكون الحوار لحظة بداية حقيقية نمتلك فيها الشجاعة الكافية لتعريف ما تغافلت عنه الدولة منذ الاستقلال.. العقد المجتمعي.. ونظم الحكم..وتوزيع السلطة والثروة.. وإدارة الموارد.. وعلاقة المركز بالأقاليم.. والتباين المجتمعي.. والثقافة.. والهوية الوطنية وتعريفها.. وحدود التنوع وكيف يتحول من عامل صراع إلى مصدر قوة.. فضلاً عن القواعد القانونية والدستورية التي تضبط انتقال الدولة من حالة الأزمات المتكررة إلى حالة الإستقرار المستدام..

لهذا ينبغي ألا تكون دعوة الحوار الحالية مجرد نسخة محسنة من دعوات سابقة.. فاشلة.. حتى لا ينتهي الأمر إلى إنتاج الأزمة نفسها بأدوات جديدة.. ليس بلا دلالة أن يقول حاكم إقليم دارفورومني أركو مناوي.. إن الحوار يمكن أن يؤسس لانقسامات جديدة.. هذه المخاوف.. بصرف النظر عن الإتفاق أو الإختلاف معها..لابد أن تُقرأ كجرس إنذار مبكرا لا ينبغي تجاهله.. الحوار الحقيقي لا يخشى اتساع الأجندة.. ولا يخاف الإجابة علي الأسئلة الصعبة..ولا يبحث عن توافق سريع على حساب جذور الأزمة.. الحوار يحتاج إلى أقصى درجات المسؤولية.. وسعة الصدر.. وفتح الأجندة لاستيعاب كل المسكوت عنه.. لأن ما لا يُناقش اليوم بشجاعة.. سيعود غداً بصورة أكثر كلفة وخطورة..

في هذا السياق.. يصبح من الضروري كذلك توضيح طبيعة عمل اللجنة التمهيدية ودورها وحدود تفويضها.. فإذا كان دورها يقتصر على التمهيد والتنظيم والتنسيق.. وما يشبه أعمال السكرتاريا..عليها إذن أن تظل داخل هذا الإطار.. وألا تتحول أدوات التمهيد إلى سلطة بديلة عن إرادة الحوار نفسه.. أو إلى جهة تضع سقوفاً مسبقة لما ينبغي أن يناقشه السودانيون.. هذه المرة علي الحوار ألا يبحث عن مخرج مؤقت من الحرب.. بل إلى حوار يبحث عن مخرج دائم من أسبابها..

ربما تكون هذه هي الفرصة التي لا ينبغي إضاعتها.. أن ننتقل أخيراً من السودان بوصفه (محض جغرافيا).. إلى السودان كدولة مكتملة التعريف.. واضحة العقد.. مستقرة المؤسسات.. جامعة لمواطنيها.. وقادرة على إدارة اختلافهم دون أن يتحول الإختلاف إلى حرب..وتشاكس سياسي محدود حول الحكم وآلياته ونسبه وموروثاته..

علي اللجنة أن تبدأ في تعريف نفسها أولاً وحدود مسؤولياتها.. وأن تنأي بنفسها عن الصراعات والإستقطاب.. وأن تدع القوي السياسية والمجتمعية تحدد مسار الحوار ورؤيته وإستراتيجيته ومنهجيته.. فهذا حق أصيل من حقوقها لا ينازعها فيه أحد..

نواصل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى