قسطٌ بلا مصرف: التمويل الاستهلاكي في السودان بين حذر المركزي وفراغ التنظيم
بقلم وليد دليل/ خبير مصرفي

حين تقف أسرة سودانية أمام حاجة ملحّة، كمنظومة طاقة شمسية تعوّض انقطاع الكهرباء، أو رسوم مدرسية تتضاعف كل عام، أو جهاز طبي لا يحتمل التأجيل، فإنها تطرق أبواب المصارف فلا تجد بابًا مفتوحًا لتمويل الاستهلاك. هذا الغياب ليس سهوًا، بل نتيجة سياسة تمويلية رسمتها موجهات بنك السودان المركزي لعام 2026، وتستحق قراءة هادئة بعيدًا عن الحماسة والرفض معًا.
فقد أصدر البنك المركزي في السادس من يناير 2026 موجهات جديدة سمحت بتمويل مشاريع إعادة الإعمار والسيارات والعقارات، وحظرت تمويل شراء الأسهم والأوراق المالية. غير أن النظر في التفاصيل يكشف أن الإذن مشروط بالإنتاج والخدمة العامة؛ فالسيارات المسموح بها هي الخدمية والإنتاجية كالحافلات والركشات والدراجات النارية ثلاثية العجلات، والتشييد العقاري مقصور على المرافق الصحية والتعليمية والسكن الشعبي والفئوي عبر المحافظ المتخصصة، بينما حُظر التمويل لسداد عمليات تمويل قائمة أو متعثرة، وللمتاجرة في أرصدة الاتصالات وفي العملات الأجنبية. وهذا امتداد لنهج سابق، إذ كانت موجهات 2025 قد منعت شراء السيارات إلا ما استُثني منها. النتيجة العملية أن الفرد الذي يريد تمويلًا شخصيًا لسلعة معمّرة أو خدمة لا يجد مسارًا مصرفيًا رسميًا يخاطبه.
ولهذا الحذر منطقه. فالسياسة النقدية للعام الجاري تستهدف نموًا في عرض النقود بنسبة 47.6% وفي القاعدة النقدية بنسبة 41.1%، مع خفض متوسط التضخم إلى نحو 65%، وهي أرقام تقول إن البنك المركزي يخوض معركة لجم السيولة لا توسيعها. وقد أشار المركزي نفسه إلى أن الحرب رفعت القروض المتعثرة فوق 6% وأدت إلى تراجع حاد في الودائع. وفي اقتصاد تتفاوت فيه قراءات التضخم بين الرقم الرسمي وتقديرات أعلى منه بكثير، يصبح ضخ ائتمان استهلاكي في سوق سلعه شحيحة وأسعارها متحركة وصفةً لزيادة الطلب على ما لا يُنتج، وضغطًا إضافيًا على سعر الصرف. من هذه الزاوية يبدو توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية والصادر والأدوية وإعادة الإعمار خيارًا مفهومًا.
لكن المشكلة أن المسار الإنتاجي نفسه يتآكل بفعل التضخم. فقد رفع المنشور (2026/6) في مارس الماضي سقف التمويل الصغير إلى ثلاثين مليون جنيه، وسقف التمويل الأصغر للقطاع الزراعي إلى ستة عشر مليونًا، وللقطاع المهني والحرفي إلى اثني عشر مليونًا، وللتجارة والصناعة إلى تسعة ملايين، وللقطاعات الخدمية إلى خمسة ملايين. أما في عام 2025 فكان سقف التمويل الصغير أربعة عشر مليونًا، وسقف الأصغر للقطاعات الأخرى مليونين. وإذا تذكّرنا أن الدولار كان يتداول في السوق الموازي قرب خمسة آلاف جنيه في منتصف العام، فإن سقف الثلاثين مليونًا يعادل نحو ستة آلاف دولار، وسقف الخدمات خمسة ملايين لا يتجاوز ألف دولار تقريبًا، في بلد يقارب نصيب الفرد من ناتجه المحلي نحو 780 دولارًا في السنة. فالزيادات الاسمية تلحق بالعملة المنهارة ولا تسبقها، وهي لا تعني توسعًا حقيقيًا في القدرة التمويلية.
وفي غياب أي مسار رسمي لا يختفي الطلب، بل يغيّر عنوانه. ولا تتوافر بيانات منشورة عن حجم هذا السوق، لكن الشواهد اليومية تشير إلى أن الأسر تلجأ إلى البيع بالأجل لدى التجار، وإلى الاستدانة من الأقارب والمغتربين، وإلى ترتيبات القسط غير الموثقة التي يُحمَّل فيها المشتري هامش ربح مرتفعًا بلا عقد واضح ولا جهة رقابية ولا حماية لمن يتعثر. ومن هنا تأتي المفارقة: منع الائتمان الاستهلاكي المنظَّم لا يلغيه، وإنما ينقله إلى حيث لا رقابة ولا شفافية ولا سقف لتكلفة التمويل.
وللمقارنة دلالتها. ففي مصر، التي أخضعت النشاط لقانون خاص منذ 2020، ارتفعت قيمة التمويل الاستهلاكي في النصف الأول من 2026 إلى نحو 71.84 مليار جنيه بزيادة 88.5%، وبلغ عدد العملاء نحو 8.47 مليون عميل، وهو نمو يُظهر حجم الطلب الكامن حين يجد قناة مرخصة، ويُظهر كذلك أن سرعة النمو تستدعي رقابة يقظة. وفي السعودية بلغت القروض الاستهلاكية 491.095 مليار ريال بنهاية الربع الثاني 2026، موزعة بين الأثاث والسلع المعمرة والسيارات والتعليم والرعاية الصحية وترميم العقارات، أي أن الاستهلاك الممول يمتد إلى بنود ذات طابع معيشي وتنموي لا إلى الكماليات وحدها. ولا أدعو إلى نقل هذه التجارب كما هي إلى بيئة حرب وتضخم، لكن فيها درسًا في البنية: ترخيص واضح، وتعريف قانوني للنشاط، وحدٌّ أدنى لمدد السداد، وإفصاح عن التكلفة.
والجديد في الحالة السودانية أن بعض شروط الائتمان الآمن بدأت تتوافر. فقد أعلن المركزي أن عدد العمليات المنفذة عبر الرقم المصرفي الأساسي (BBAN) بلغ نحو 141 مليون عملية في النصف الأول من 2026، وتجاوز مجموع ما نُفذ منذ 2025 مئتين وأربعة وثلاثين مليون عملية. هذه البصمة الرقمية، إلى جانب شبكة المدفوعات الوطنية، هي المادة الخام التي يمكن أن يُبنى عليها تقييم ائتماني للأفراد وربط الأقساط بالرواتب والتحويلات المنتظمة، وهو ما لم يكن ممكنًا قبل سنوات.
من هنا أرى أن الأجدى ليس الإبقاء على الحظر الشامل ولا فتح الباب على مصراعيه، بل نافذة ضيقة مرحلية تحت رقابة المركزي، تُقصر في بدايتها على الاحتياجات الأساسية: الطاقة الشمسية، والعلاج والمعدات الطبية، والرسوم الدراسية، وصيانة المأوى، وتُمنح بصيغ المرابحة المرتبطة بأصل حقيقي، فيُدفع الثمن للمورّد مباشرة ولا يُسلَّم نقدًا للمستفيد، وتُربط بحساب الراتب أو الدخل الموثق، مع سقف لنسبة القسط من الدخل (كثلثه مثلًا)، وإفصاح صريح عن هامش الربح، وإنشاء سجل ائتماني يمنع تراكم الديون على المقترض الواحد. وتبدأ التجربة بالمصارف التي تتوطن لديها الرواتب، فإن نجحت وانخفضت مؤشرات التعثر اتسعت تدريجيًا.
إن التمويل الاستهلاكي لا يُحاكَم بوصفه ترفًا ولا خطرًا مطلقًا، فهو أداة تُحسَن إدارتها أو يُترك أمرها للسوق غير المنظم. وما بين حذر المركزي المبرَّر ومعاناة الأسر الظاهرة تقع مساحة لسياسة مدروسة، تحمي الاستقرار النقدي دون أن تترك المواطن وحيدًا أمام تاجر يحدد الثمن والأجل والفائدة بمزاجه.



