اليورانيوم أطاح بحكومة البشير ومعتز موسى

إخلاء دارفور لأجل اليورانيوم
تشريقة
(النسر الأصلع يشهر مخالبه لليورانيوم السوداني،
والدب الروسي صاحب الأولوية، والصين على القائمة، وفرنسا، رغم أسبقيتها، مستبعدة)
بقلم/ م. ابتهال تريتر
يشهد العالم تراجعًا كبيرًا في مستويات إنتاج اليورانيوم، وعجزًا هيكليًا، ومعادلة يصعب وزنها لأجل الطاقة النووية عقب تراجع الذهب. وبمقارنة بسيطة بين ما يحتاجه العالم، وهو حوالي ٨٢ ألف طن خلال سنوات قليلة، والإنتاج الحالي الذي يتراوح بين ٥٥ ألفًا و٦٥ ألف طن، فإن هذا يغطي ٧٥٪ فقط من الاحتياج الفعلي، حسب تقارير رسمية متنوعة.
يركز العالم على إمدادات اليورانيوم؛ لأنه العنصر الرئيسي للإمداد العسكري وإنتاج القنابل النووية والدروع المقاومة للقنابل والعبوات الناسفة، فضلًا عن توليد الكهرباء والاستخدامات الأخرى. والولايات المتحدة هي الأكثر طلبًا، والأولى في العالم لتشغيل أساطيلها النووية، ومن بعدها الاتحاد الأوروبي، ثم الصين والهند. لم تتحرك بريطانيا تجاه السودان في ملف اليورانيوم؛ لأن اليورانيوم لم يكن قد بلغ القيمة الاستراتيجية إلا بعد الحرب العالمية عام ١٩٤٥م.
يُقدَّر احتياطي السودان من اليورانيوم (عالي النقاء) بـ١٫٥ مليون طن، ما يجعله الثالث عالميًا حسب التقارير. ولا يُذكر السودان رسميًا ضمن قوائم احتياطي اليورانيوم العالمية المعتمدة لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) أو الرابطة النووية العالمية (WNA).
هذه الاحتياطيات تم إثباتها ورسم خرائطها الجيولوجية عبر تقنيات حديثة ومسوحات جوية وإشعاعية في العقود التي تلت استقلال السودان (خاصة منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي). ورغم وجود هذه الكمية المهولة (١٫٥ مليون طن) من اليورانيوم في السودان، فإنها غير معتمدة رسميًا؛ وذلك لغياب الدراسات والمسوحات الجيولوجية المعتمدة، فضلًا عن عدم دخولها دائرة الإنتاج، وانعدام الاستقرار الأمني والعسكري بالبلاد، والعزلة العالمية المفروضة عليها.
ووفق تقارير هيئة الأبحاث الجيولوجية، فإن مناطق اليورانيوم هي:
1. جبال النوبة (ولاية جنوب كردفان).
2. شمال كردفان.
3. غرب دارفور.
4. منطقة بيوضة (ولاية نهر النيل).
5. منطقة البطانة.
6. جبال البحر الأحمر.
وحسب دراسات مختبرية في أجزاء من شرق جبال النوبة، فإن عينات خام الفوسفات تحتوي على يورانيوم بمتوسط ٣١٠٫٣ ميكروغرام، وهي نسبة تعادل ٢٫٦٥ مرة المتوسط العالمي للفوسفات.
روسيا العملاق النووي يحطم أحلام أمريكا بيورانيوم السودان
جدير بالذكر أن فرنسا هي أول من قام بتخريط الأراضي السودانية عام ١٩٨٣م واستكشاف اليورانيوم بها، خاصة دارفور. وقد دفعت بتقاريرها الرسمية في المؤتمر الأخير لتجديد طلبها في التنقيب، لكنها لم تتلقَّ الرد، أو ربما هي مستبعدة. وبعد استضافة الخرطوم في العام ٢٠١٨م الملتقى العالمي الثاني للاستثمار، الذي شاركت فيه ٧٠ شركة عالمية و٣٠ شركة محلية، والذي ركز على الاستثمار في اليورانيوم، ثم ملتقى التعدين الدولي الرابع، الذي شاركت فيه ٣٧ دولة و٧٠٠ شركة عالمية، وحصول روسيا على الموافقات والأولوية لإنتاج اليورانيوم، تغيرت الرؤية تجاه السودان بشكل مخيف، وأُعيد توجيه البوصلة العالمية.
في تصريح لوكالة الأناضول، قال المدير العام لهيئة الأبحاث الجيولوجية، محمد أبو فاطمة، إن نتائج الأبحاث والكشوف العلمية التي قامت بها الهيئة على معدن اليورانيوم سيتم إعلان كمياتها تدريجيًا، باعتباره من المعادن الاستراتيجية ذات العلاقة بالأمن الوطني والدولي.
وأكد “أبو فاطمة”، في حديثه مع “الأناضول”، أن فتح الباب للاستثمار في المعدن المهم سيتم بحذر، ووفق ضوابط مشددة ومحاذير ستفرضها الحكومة السودانية على المستثمرين.
وأشار إلى أن فتح باب الاستثمار في هذا المعدن سيكون بكميات محددة، مع التدقيق في الشركات الراغبة في الاستثمار؛ لكون العمل في هذا المجال يندرج تحت بند الأسرار الوطنية.
وفي تصريح لوزير المعادن الأسبق يوسف السماني، قال: “إن الشركات الروسية لها الأولوية في إطار التعاون الاقتصادي والشراكات الاستثمارية بين البلدين، والاستفادة من خبراتها وتقنياتها المتطورة بالعمل على اكتشاف واستخراج معدن اليورانيوم، خاصة أن روسيا تعمل معنا على إنشاء خريطة جيولوجية والخريطة المعدنية للسودان”. لم يكن هذا التصريح أوليًا؛ فقد سبقته مباحثات أجراها الجانبان، استمرت لسنوات حتى ظهرت إلى السطح في العام ٢٠١٥م. واستمرت المباحثات مع الصين وروسيا للاستثمار في اليورانيوم بعد تولي معتز موسى وزارة الكهرباء والاستثمار عام ٢٠١٨م، وبدأت التحركات عمليًا لبناء مفاعلات نووية للأغراض السلمية، وهذا يثير حفيظة الولايات المتحدة. ولكن تعيين معتز موسى رئيسًا للوزراء أربك المشهد بشكل كلي؛ فأصبح السودان هدفًا مشروعًا وعاجلًا للولايات المتحدة، وحينها تم التوقيع على إسقاط حكومة البشير، رغم الشروط والمحاذير التي قدمها أبو فاطمة، مدير الأبحاث الجيولوجية، للمستثمرين. “ركب ألف عفريت” رأس أمريكا، وقامت بتحركات عاجلة لوأد هذا المسار قبل الشروع في توقيع بنوده وإتمامها مع روسيا. وسيسقط أي نظام من أي حزب لا يتماشى مع السياسة الأمريكية وتوجهاتها نحو الإقليم. ولن تسمح أمريكا (المستعمر الجديد)، اللاهث خلف النفط واليورانيوم والمعادن والممرات المائية كلها، بشراكة لا تكون طرفًا أصيلًا فيها. والتجربة الفنزويلية، ومضيق هرمز، وباب المندب، وصومالي لاند، كلها تجارب عملية للسياسة الأمريكية. وتغيير وجه الشرق الأوسط وأفريقيا ليس حديثًا للاستهلاك الإعلامي، بل هو من البنود التي تشتغل عليها الولايات المتحدة، صاحبة النفس الطويل في إرهاق الحكومات وتركيعها.
وليس خفيًا على المراقبين ما تفرضه الولايات المتحدة على السودان من عقوبات متجددة (ثنائية وأحادية)، وحصار لتكسيح حكوماته وزرع الفتنة داخله؛ فهي تضع عينها ويدها على الثروات الكبيرة المقدَّرة، حتى تأتي بحكومة توافق أمزجتها، لتبسط يدها قليلًا، وتُظهر تلك الحكومة أنموذجًا للحكم الراشد، وترسخها، وتضمن عبرها تمرير أجندتها لنهب السودان والسيطرة عليه بشكل كلي. والقوى السياسية متحركة نحو هذا الاتجاه بشكل واضح.
إخلاء دارفور من السكان لأجل السيطرة على اليورانيوم
سعت أمريكا وشرعت في فصل جنوب السودان أولًا، وقد أحدث ذلك تصدعات على الأصعدة كلها. وبذات الكيفية، تعمل على عزل مناطق دارفور وكردفان، باعتبارها مناطق كثافة لليورانيوم شديد النقاء، خاصة في جبال النوبة بجنوب كردفان. وخريطة السودان الجيولوجية أغرتهم كثيرًا؛ فمنذ الثمانينيات بدأت التحركات، ولكن تولي حكومة البشير شكَّل صدمة لهم، كونه ناصبهم العداء منذ بدايته، وهذا يهزم مخططهم ويعطله. ولم يكن هناك محل ثقتهم، فقرروا الاحتفاظ بالمخزون لسنوات مقبلة، عبر فصل دارفور وكردفان وعزلهما عن بقية السودان، بل إخلائهما من السكان، وافتعال الحروب الأهلية والقبلية بذريعة التنمية والعدالة الاجتماعية، على الرغم من أن السودان كله خارج التنمية، ويعاني انهيارًا اقتصاديًا متأزمًا. وفرضوا الحصار الاقتصادي الذي عطل القطاعات الحيوية كلها للدولة، وأحدث شللًا محليًا وإقليميًا. ولم تكن هذه القاصمة وحدها؛ فسياستهم في تمزيق الأنسجة المجتمعية عبر الطائفية أو التفرقة العنصرية أو غيرها لم تفشل في كثير من التجارب المتعددة الموثقة. وقد نجحوا في زرع فتيل الفتنة بين مكونات دارفور، ودعموا أبناءها خارجيًا، ومنحوهم منصاتهم لإكسابهم بُعدًا يمكِّنهم من التصعيد. وكانت استجابة بعض قيادتها مبهرة، فاقت توقعاتهم؛ فقاموا بتأسيس الحركات وتمويلها، وتدويل قضية دارفور وتسويقها عالميًا. وآلت دارفور إلى ما آلت إليه؛ لا حصدت تنمية، ولا وجدت أرضًا، فهام الدارفوريون على وجوههم، وغرقوا في دمهم. ورغم تكثيف منابر الحوار من قِبل حكومة البشير، التي بدأت بالداخل، وتوقيع الاتفاقات الإطارية، وانتقال الحوار برمته للدوحة، وإنجاز اتفاقية السلام الشامل، وتأسيس السلطة الانتقالية لإقليم دارفور برئاسة مني أركو مناوي عام ٢٠٠٦م، وبعدها تأسيس السلطة الإقليمية برئاسة التيجاني السيسي عام ٢٠١١م، فإن كل ذلك ضُرب به عرض الحائط؛ لأن الغرض الأساسي هو استمرار الحرب بدارفور. وحينها أُجبرت حكومة البشير على تأسيس قوات رشيقة لدحر التمرد، فوقعت في خطأٍ استراتيجي (الدعم السريع)، وتفاقمت الحركات وتجاوزت ١٠٠ حركة مسلحة، ستقول لهم أميركا: “كش ملك” عقب فصل دارفور وتفتيت البلاد.
لن تتنازل الولايات المتحدة عن فرض البند السابع، الذي في ظاهره فرض الأمن، وفي باطنه السيطرة على الثروات وبسط النفوذ الأمريكي على الموارد، والبدء الفوري في أخذ خام اليورانيوم لرفع الاحتياطي الأمريكي، وضمان تشغيل مفاعلاتها النووية، لإبعاد النفوذ الروسي والصيني عن السودان. وأي تحالف لحكومة سودانية مع الجانبين الروسي والصيني سيهدد الأحلام الأمريكية، وستقف ضده دبلوماسيًا ولوجستيًا. بل ترتفع المخاوف دائمًا من تمتين العلاقات السودانية الإيرانية لأجل اليورانيوم والتصنيع الحربي؛ لأن هذا سيرجح الكفة الإيرانية كثيرًا، ويعزز من إطالة أمد الحرب الأمريكية الإيرانية، خاصة في الملف النووي، ويقلب الطاولة. لذا ستظل هذه العلاقة محل شد وجذب وتهديد مستمر، على الرغم من عدم تكافئها واختلالها وما خفي منها.
يظل السودان محل صراع عالمي، ووجهة استعمارية نادرة للدول الكبرى، ومنجم ثروات لم يفرط فيه الاستعمار القديم، ولن يفرط فيه الجديد.



