الإرهاب بين المفهوم والبنية: في تفكيك البنية التمهيدية للإرهاب

الجزء الثاني

البعد الخامس..

*قبل الرصاصة: حين تُستباح اللغة قبل الإنسان*

*بقلم.: صباح المكي*

*مقدمة*

إذا كان الجزء الأول قد انشغل بتفكيك مفهوم الإرهاب وضبط حدوده، فإن الجزء الثاني ينطلق من سؤال أكثر تحديدًا: كيف يبدأ الإرهاب قبل أن يظهر في صورته المسلحة المباشرة؟ فالإرهاب لا يبدأ دائمًا بالقنبلة أو الرصاصة، بل كثيرًا ما يبدأ بالكلمة التي تنزع عن الآخر إنسانيته، وتوسّع دائرة العدو، وتمهّد أخلاقيًا ونفسيًا لاستباحته. وهذا المنطق لا يقتصر على حالة واحدة، ولا على فاعل واحد، بل يظهر في أمثلة دولية متعددة، حين تتحول اللغة إلى أداة لنزع الإنسانية، أو يصبح الحصار والقصف والخوف وسائل لإخضاع الشعوب وكسر الإرادات. غير أن ما يعنينا هنا، على نحو خاص، هو صورته السودانية: اللحظة التي لم تعد فيها الكراهية مجرد أثر جانبي للحرب، بل جزءًا من البنية التي تغذي الحرب نفسها وتمهّد للترويع داخلها. وهنا لا تعود المسألة استنتاجًا نظريًا مجردًا، بل مسارًا ملموسًا يمكن تتبعه في اللغة المتداولة، وفي الخطاب التعبوي، وفي الطريقة التي أُعيد بها تعريف جماعات واسعة من الناس بوصفها خطرًا أو فائضًا أو هدفًا مشروعًا للعقاب. هنا تحديدًا تظهر البنية التمهيدية للإرهاب: لا في الانفجار فقط، بل في المناخ الذي يسبقه ويجعله ممكنًا، بل مقبولًا أحيانًا.

*إرهاب الدولة خارج الحدود: من القصف إلى نزع الإنسانية*

وحين نتحدث عن إرهاب الدولة، فإن الصورة لا ينبغي أن تُحصر في الداخل وحده، حيث تستخدم السلطة الخوف لإخضاع المجتمع الذي تحكمه، بل تمتد أيضًا إلى الخارج، حين تُستخدم أدوات الرعب ضد شعوب أو دول أخرى لفرض الإرادة السياسية والعسكرية. فالدولة القوية لا تحتاج دائمًا إلى احتلال مباشر كي تُنتج الخوف؛ قد يكفي أن تستخدم القصف، أو الحصار، أو العمليات العابرة للحدود، أو الخطف السياسي-العسكري، لتحويل الرعب إلى أداة هيمنة وكسر. ومن هذه الزاوية، لا تبدو أمثلة مثل الهجوم الأمريكي على إيران خلال حرب 2026، وما رافقه من ضربات على منشآت وبنى حيوية داخل البلاد، ثم الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية بعد تعثر المسار التفاوضي، مجرد وقائع عسكرية منفصلة، بل نماذج تكشف كيف يمكن استخدام القوة لا فقط لتدمير هدف، بل لإنتاج الخوف، وشلّ المجال الحيوي للخصم، وفرض وقائع جديدة تحت وطأة عدم التكافؤ.

كما يندرج في السياق نفسه القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما إلى نيويورك بعد عملية عسكرية أمريكية داخل كاراكاس في يناير 2026، وهي واقعة وصفها دفاعه بأنها “اختطاف عسكري” وأثارت اعتراضات واسعة بوصفها انتهاكًا لسيادة فنزويلا. ويجد هذا المنطق صداه كذلك في الحصار الأمريكي الطويل على كوبا، والذي تعمّق في 2026 مع تشديد القيود على إمدادات النفط، بما ساهم في نقص حاد في الوقود والكهرباء والمياه والخدمات الأساسية. ومهما اختلفت الأوصاف القانونية المباشرة لهذه الوقائع، فإن ما يكشفه منطقها واحد: استخدام القصف، والحصار، والقبض العابر للحدود، لا باعتبارها وسائل صراع فحسب، بل باعتبارها أيضًا أدوات لإنتاج الخوف، وكسر الإرادة، وإعادة تشكيل المجال السياسي بالقسر.

ولا يقلّ خطورة عن ذلك أن اللغة نفسها قد تتحول إلى أداة من أدوات الترويع. ففي حرب غزة، لم تكن اللغة أقل فتكًا من الحصار نفسه، إذ اقترن إعلان “الحصار الكامل” في أكتوبر 2023، الذي أعلنه وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك يوآف غالانت، وسانده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بمفردات نزع الإنسانية التي أعادت تعريف السكان بوصفهم “حيوانات بشرية”. وهذه الصياغة لا تؤدي وظيفة خطابية عابرة، بل تمارس دورًا أخطر: تحويل جماعة بشرية كاملة إلى كتلة منزوعة الإنسانية، بما يسهّل تبرير استهدافها، وحصارها، وتجويعها، والتعامل مع آلامها بوصفها أمرًا مشروعًا أو مستحقًا. وهنا لا تعود اللغة مجرد مرافقة للعنف، بل تصبح جزءًا من بنيته التمهيدية: تهيئه، وتخفض كلفته الأخلاقية، وتفتح الطريق أمام الترويع بوصفه سياسة ممكنة.

*من التهميش إلى الترويع: كيف تتشكل الأرضية الاجتماعية واللغوية للإرهاب في السودان؟*

في السودان، لا يبدو خطاب الكراهية والعنصرية مجرد أثر جانبي للحرب، ولا مجرد انفعال اجتماعي انفجر تحت ضغط السلاح، بل بنية أعمق تشكّلت عبر تاريخ طويل من التهميش، وسوء إدارة التعدد، وتسيس الهوية، واستخدام الانتماءات القبلية والجهوية والإثنية بوصفها أدوات تعبئة وصراع. ولهذا فإن ما نشهده اليوم ليس قطيعة مع الماضي، بل تفجّرًا لمخزون قديم ظل يتراكم في البنية السياسية والاجتماعية إلى أن وجد في الحرب الراهنة لحظة انفلاته الكبرى. وفي أقاليم مثل دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وشرق السودان، تراكم الإحساس بأن الدولة المركزية لا تمثل الجميع بالتساوي، وأن الصراع على الأرض والموارد والسلطة لم يبقَ في حدوده المادية، بل جرى شحنه بخطاب مقيت يقوم على الهوية والعنصرية. وهكذا لم يعد النزاع على مورد أو تمثيل أو نفوذ محلي مجرد خلاف سياسي أو اقتصادي، بل صار قابلًا لأن يُقرأ بوصفه صراعًا وجوديًا بين “نحن” و”هم”، بين من يُقدَّمون كأصحاب حق أصيل، ومن يُوسَمون بالدخيل أو التهديد أو فائض الوجود.

والإرهاب لا ينشأ في فراغ، بل يحتاج إلى بيئة تتآكل فيها الثقة، ويُعاد فيها تعريف الناس وفق الخوف والهوية. وفي الحالة السودانية، تشكّلت هذه البيئة عبر اختلالات مزمنة في بنية الدولة نفسها: مركز يحتكر القرار والثروة والتمثيل، وأطراف تُدار من خارج أولوياتها ومصالحها، وفشل مزمن في تحويل التعدد إلى عقد وطني متساوٍ. بل إن حكومات عديدة لجأت إلى توظيف الانقسامات القبلية والجهوية والإثنية ضد بعضها بعضًا، واستخدمتها أداةً لإدارة الصراع وتثبيت السلطة بدل احتوائها داخل مشروع وطني جامع. وفي مثل هذا المناخ، لا يبقى الاختلاف مجرد تنوع، بل يصبح مادة للفرز، ثم مادة للاستبعاد، ثم لغة جاهزة للشيطنة حين تنفجر الأزمات. ومتى ما ارتبط التهميش بالهوية، وارتبط الحرمان بالانتماء، وارتبط الصراع على الأرض أو الموارد بخطاب يؤسس للتمييز بين “الأصيل” و”الدخيل”، فإن الطريق يصبح ممهّدًا أمام الكراهية كي تتحول من وصف منحرف إلى منطق كامل في تفسير الواقع. عند هذه النقطة، لا يعود الخصم خصمًا سياسيًا فقط، بل يُعاد تعريفه بوصفه تهديدًا جماعيًا، ويصبح المجتمع نفسه قابلًا للتقسيم إلى كتل متقابلة في الشرعية والحق والإنسانية. وهذه هي الأرضية التي تسبق الترويع: حين تتشقق فكرة المجتمع أولًا، قبل أن يُستباح فعليًا.

وقد دفعت الحرب هذا المسار إلى أقصى حد، فزجّت بالكراهية في قلب المجال العام ومنحتها وظيفة مباشرة داخل الصراع. فالكلمات لم تعد مجرد أوصاف أو شتائم، بل صارت جزءًا من آلة الحرب نفسها: للتجريم الجماعي، والفرز، والتخويف، والتحريض. وهذا ما بدا جليًا في خطاب الميليشيا، حين استُخدمت تسميات مثل “الكيزان” و”دولة 56″ لا بوصفها توصيفات سياسية محدودة، بل بوصفها أدوات لتوسيع دائرة الاتهام وتجريم قطاعات واسعة من السودانيين، إلى جانب أوصاف عرقية وسلالية من قبيل “بقايا الأرناؤوط”، وخطابات تحطّ من شأن القبائل ذات الأصول الإفريقية وتعيد إنتاج تراتبية عنصرية تزعم صفاءً سلاليًا أو “دمًا أزرق” حكرًا على الميليشيا ومن يدور في فلكها. وهكذا لم يعد المقصود توصيف خصم سياسي فحسب، بل نزع الشرعية عن جماعات واسعة من السودانيين وتصويرهم بوصفهم عناصر دخيلة أو بقايا سلطة، تمهيدًا لتحويلهم إلى أهداف مشروعة للعقاب والترويع. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل اقترن أيضًا بمنطق يرى في التغيير الديموغرافي ضرورة، بما يجعل إعادة تشكيل الواقع السكاني جزءًا من مشروع العنف نفسه، لا مجرد نتيجة جانبية له. وتزداد المفارقة حدّة إذا استُحضر واقع أن البنية الفعلية للميليشيا نفسها تضم أعدادًا كبيرة من المرتزقة القادمين من إقليم الساحل ومن بلدان أخرى. وهنا تتجلى الصلة العميقة بين اللغة والعنف: فحين يُعاد تعريف الناس على النحو الذي سبقت الإشارة إليه، لا يعود المقصود توصيفهم سياسيًا فحسب، بل إعداد الأرض الأخلاقية والنفسية لاستباحتهم. وهذا هو الفارق بين لغة الصراع السياسي المعتاد ولغة الكراهية حين تقترب من منطق الإرهاب: أنها لا تكتفي بوصف الخصم، بل تعيد تشكيله في المخيال العام بوصفه خطرًا يجب كسره أو التخلص منه.

*من الدعاية إلى الترويع: متى تقترب الكراهية من منطق الإرهاب؟*

ليس كل خطاب كراهية إرهابًا بالمعنى الدقيق، لكن الكراهية تقترب من منطق الإرهاب حين تتجاوز الإهانة والتحريض العام إلى نزع الإنسانية عن جماعات بعينها، وتبرير استهدافها، وبث الخوف في صفوفها، وتحويل وجودها نفسه إلى موضع اشتباه أو تهديد. في هذه اللحظة، لا تعود اللغة مجرد انفعال أو اصطفاف سياسي، بل تصبح جزءًا من البنية التمهيدية للإرهاب، لأنها تمهّد أخلاقيًا ونفسيًا للعنف وتجعل قبوله أكثر سهولة. وليس هذا الربط بين الكراهية والإرهاب مجرد استنتاج نظري، بل يجد ما يسانده في بعض المقاربات القضائية المقارنة. ففي أوروبا، عرفت المحاكم حالات عومل فيها الخطاب العنصري أو الديني المتطرف، حين اقترن بالتحريض المباشر على العنف أو تمجيد أعماله، بوصفه تشجيعًا للإرهاب أو جزءًا من بنيته التمهيدية. وفي بريطانيا، تُظهر تقارير تطبيق قوانين الإرهاب أن بعض القضايا المرتبطة بالخطاب لا تُلاحق باعتبارها “رأيًا متطرفًا” فحسب، بل باعتبارها ترويجًا للإرهاب أو تشجيعًا عليه حين تتجاوز حدود التعبير العدائي إلى الدعوة العملية للعنف أو تمجيده. أما في الولايات المتحدة، فالصورة أكثر تعقيدًا بسبب اتساع حماية حرية التعبير، إذ نادرًا ما يُعامل خطاب الكراهية وحده بوصفه إرهابًا، لكنه قد يدخل في دائرة التجريم حين يرتبط بتهديد مباشر، أو تخطيط عنيف، أو جرائم كراهية، أو دعم مادي وتنظيمي لعنف ذي طبيعة إرهابية. وفي السودان، تبدو هذه المسافة أقصر مما تبدو عليه نظريًا. فحين تُستخدم التسميات لردم الفروق بين الفاعل السياسي والمجتمع كله، وحين يُعاد تقديم جماعات واسعة من الناس بوصفهم امتدادًا لعدو يجب كسره أو طرده أو إخضاعه، فإن الخطاب يغادر حدود الدعاية إلى منطقة أكثر قتامة: منطقة الترويع الجماعي. وهنا لا يكون الخوف أثرًا جانبيًا للحرب، بل يصبح وظيفة من وظائفها. وتلك هي اللحظة التي يقترب فيها خطاب الكراهية من منطق الإرهاب: حين لا يكتفي بتوسيع العداء، بل يشارك في إنتاج الرعب نفسه.

*خاتمة*

بهذا المعنى، لا يكون خطاب الكراهية في السودان مجرد لغة حرب، بل جزءًا من آلتها الأعمق: الآلة التي تسبق الرصاصة بنزع الإنسانية، وتسبق الترويع بتوسيع دائرة العدو، وتسبق الاستباحة بجعلها قابلة للتسويق الأخلاقي والسياسي. فالكراهية لا تكتفي بتسميم المجال العام، بل تؤدي وظيفة أخطر: تُسقط تدريجيًا الحواجز التي تجعل المجتمع يرفض العنف، حتى يصبح الرعب نفسه أقل نفورًا، وأكثر قابلية لأن يُقدَّم بوصفه ضرورة أو ردًا طبيعيًا أو قدرًا لا مفر منه.

لكن هذا الانحدار لا يصنعه الخطاب وحده، ولا يتوقف أثره عند حدود التعبئة. فالسؤال التالي، وهو الأشد خطورة، يتعلق بمن يملك القدرة على كبح هذه البنية أو يشارك في إطلاقها: الدولة، حين تصمت أو تنتقي أو تتورط، والمجتمع، حين يدفع الثمن في ثقته ووحدته وجغرافيته البشرية. كيف تتحول الكراهية من خطاب إلى سياسة صمت، ثم إلى تفكك اجتماعي، ثم إلى نزوح يُعاد فيه فرز الناس بأسمائهم ولهجاتهم وانتماءاتهم، حتى يغدو الاسم والانتماء واللهجة، بل والكيفية التي تُقرأ بها الهوية نفسها، عبئًا وجوديًا لا يقل خطرًا عن العنف المباشر؟ هنا يبدأ الجزء الثالث: عند الدولة بين الحماية والتواطؤ، وعند المجتمع وهو يواجه الأثر المباشر للكراهية على نسيجه الاجتماعي، وعلى خرائط النزوح، وعلى بقايا الوطن نفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى