علم الدين عمر يكتب : الإعلام الجامح والدولة المرهقة.. هام وعاجل ونصف خطير !!

حاجب الدهشة..

..يفترض الناس- في هذه البلاد- العجيب أمرها.. الباتع سرها.. أنهم قادرين علي تغيير مجريات الأحداث بمجرد التداخل علي خط السلطة (سلبطة).. فبينما تقوم الدولة بعملها في (مباصرة) الأحداث.. تصر دوائر الناشطين علي إستعداء الناس عليها وأستدعاء كل ما من شأنه تعقيد الأمور وجعلها أكثر صعوبة.. والزمان مقتلة.. وحرب.. ونزوح ولجؤ.. بالمقابل تعاني الدولة نفسها من فراغ عريض في آليات الدفاع والتبشير والتمهيد لقراراتها وتقديراتها بما يجعلها عُرضة للإنتياش المباشر حتي من داخل الصندوق..

مثلما للناشطين أجندتهم وأهدافهم فللإعلام الوطني الداعم كذلك ثوابته التي لا يمكنه التنازل عنها ليتمكن من البقاء كمصدر موثوق للمعلومة والخبر والتحليل..فلماذا تريد الدولة (تلجين) إعلامها الوطني بوضعه في خانة الإتهام بالغرض حيناً وبالضعف أحياناً؟؟!!..

ما الذي تجنيه دولة تخوض حرباً وجودية متعددة الأبعاد ..شاملة المسارات من إضعاف إعلامها وتشتيت جهود إعلامييها في معارك إنصرافية بينما ينتظرهم ميدان المعركة الرئيس؟؟!!..

لماذا هذا الكم من البلاغات والشكاوي والدعاوي في مواجهة الصحفيين الذين تمترسوا خلف جيشهم ودولتهم ومؤسساتها..وقاتلوا في هذه المعركة بكل الممكن وبعض المستحيل..وهم مشردون في قبل الدنيا الأربعة..بلا عمل ولا مصدر رزق ثابت..

..ثم إن السؤال الأعمق-والأكثر إلحاحاً-لا يتعلق فقط بعلاقة الدولة بإعلامها..وإنما بطبيعة الجبهة الداخلية نفسها..هل نحن أمام جبهة متماسكة تعرف أولوياتها وتحدد عدوها بدقة.. أم أمام حالة سيولة سياسية وإعلامية تسمح بتشظي الخطاب وتعدد مراكزه وتناقض رسائله؟..فالحروب من هذا النوع تُحسم في مساحات الوعي قبل ميدان القتال.. وفي قدرة المجتمع علي إنتاج خطاب متماسك يعضد المعركة ولا يربكها..

وفي هذا السياق لابد من إستصحاب الإعلام كشريك يتم تبصيره بما هو مطلوب قبل الإعلان.. خاصة في القضايا الحساسة المرتبطة بالحوار والتفاوض أو حتي إدارة حالات الإستسلام والإختراقات الإستخباراتية..فمثل هذه الملفات-كما في حالات إنضمام مجموعات كانت في صفوف العدو.. أو تسليم عناصرها وما تحمله من معلومات وخبرات-لا يمكن إدارتها إعلامياً بردود أفعال متأخرة و بخطاب مرتبك..الأمر يحتاج لترتيب محكم.. يحدد الرسائل..ويضبط التوقعات.. ويهيئ الرأي العام لتقبل التحولات التي يفرضها الميدان ومتطلبات المرحلة..

إن التعامل الذكي مع هذه التطورات يقتضي توظيف الإعلام لتفسيرها ضمن سياقها الإستراتيجي وليس تركها عرضة للتأويلات أو الإستفزازات التي قد تنتج عن سلوكيات فردية غير منضبطة..كتلك المشاهد التي ظهر فيها بعض الأفراد بزي المليشيا في قلب العاصمة التي طُردوا منها بإرادة الشعب ..ظهروا كمن يقدمون أنفسهم بصورة مشوشة توحي بإنتصارات زائفة أو إعادة إنتاج لواقع تم تجاوزه ميدانياً..وهو ما يربك المتلقي ويضرب مصداقية الرواية الوطنية في مقتل..

الإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث..بل هو القلب النابض للمعركة..هو الذي يمنحها معناها الوطني.. ويحدد إتجاهها..ويصوغ صورتها في الداخل والخارج..وعندما يُستنزف في معارك جانبية..أو يُدفع دفعاً لخانة الدفاع عن نفسه بدلاً من الدفاع عن قضايا الوطن.. فإن النتيجة الطبيعية هي إضعاف كامل الجسد..وهذا ما لا تحتمله دولة تقاتل علي أكثر من جبهة.. وفي أكثر من مستوى..في مواجهة خصوم يجيدون إستخدام الإعلام كسلاح لا يقل فتكاً عن السلاح التقليدي..

الإنصراف الكامل نحو المعركة الأساسية يقتضي وقف نزيف الصراعات الداخلية..وخلق بيئة تسمح للإعلام الوطني بأن يؤدي دوره بكفاءة وثقة..بيئة تعترف بتضحياته.. وتستوعب أخطاءه في سياقها الطبيعي.. وتوفر له الحد الأدني من الحماية والدعم..ولا تحاصره بالإتهامات وتثقل كاهله بالإجراءات التي تستهلك وقته وجهده وتُبعده عن ميدانه الحقيقي..

لابد للدولة أن تُدرك أن معركة الوعي لا تقل خطورة عن معركة السلاح.. هي وحدها القادرة علي تحويل الصمود إلي نصر.. والضغط إلي فرصة.. والفوضى إلي مشروع إستقرار.. أما غير ذلك.. فليس إلا إعادة إنتاج للأزمة بأدوات مختلفة.. وفي توقيت لا يحتمل المزيد من الأخطاء..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى