نحو فجرٍ سوداني جديد: من رماد الحرب إلى أفق الاستقرار المستدام!؟

بقلم/ السفير.د. معاوية التوم
لم تكن السنوات الماضية مجرد اختبار عابر للشعب السوداني، بل كانت امتحاناً وجودياً أعاد تعريف العلاقة بين الإنسان وأرضه، بين الدولة ومواطنيها، وبين الألم والأمل. ومع دخول الحرب عامها الرابع، تتبدّى حقيقة راسخة: أن هذا الشعب، رغم ما تكبّده من جراح و خسائر، لم يفقد بوصلته، ولم تنكسر إرادته. بل لعلّ ما جرى قد أفرز وعياً جديداً، أكثر نضجاً وصلابة، يمهّد لمرحلة مختلفة عنوانها الاستقرار المستدام.
لقد بيّن السودانيون، عبر موجات اللجوء والنزوح والعودة، وعبر صبرهم بالتجارب المتطاولة في مختلف الحقب، تعودوا على شحّ الموارد وانهيار الخدمات، أنهم يملكون طاقة كامنة لا تُقاس فقط بقدرتهم على التحمّل، بل بقدرتهم على إعادة البناء من الصفر. في القرى التي عاد إليها أهلها، وفي الأحياء التي استعادت بعضاً من نبضها، وبالمدن التي تنهض من بين النيران ، تتشكّل ملامح سودان جديد، لا ينتظر المعجزات بقدر ما يصنعها بجهده الجماعي وقدراته الذاتية.
غير أن الانتقال من الصمود إلى الاستقرار يتطلب أكثر من الإرادة؛ إنه يحتاج إلى مشروع وطني جامع، يُعيد ترتيب الأولويات ويؤسس لقاعدة صلبة من الثقة بين الدولة والمجتمع. وأول ما ينبغي البناء عليه هو إعادة تعريف مفهوم الأمن، بحيث لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد ليشمل الأمن الإنساني: الغذاء، الصحة، التعليم، الخدمات وكرامة العيش. فالشعب الذي يشعر بالأمان في يومه ومعاشه، يكون أكثر استعداداً للدفاع عن دولته والمساهمة في بنائها.
وفي هذا السياق، يبرز إصلاح القطاع الأمني والعدلي كضرورة لا تقبل التأجيل. فالدولة التي تتعدد فيها مراكز القوة، أو تتداخل فيها الصلاحيات، تظل عرضة للهشاشة مهما بلغت مواردها. المطلوب هو بناء مؤسسات أمنية مهنية حصينة ومجيرة لاجل شعبها ، خاضعة للرقابة المدنية، وقادرة على فرض سيادة القانون بعدالة وحياد. كما أن إحياء منظومة العدالة، عبر قضاء مستقل ونيابة فاعلة ودولة مؤسسات ، يشكّل حجر الزاوية في أي عملية استقرار، إذ لا سلام دائماً دون عدالة تُنصف الضحايا وتردع الانتهاكات وتعاقب الجاني.
لكن الاستقرار لا يُبنى فقط من أعلى، بل يتشكل أيضاً من القاعدة الاجتماعية. وهنا تتجلّى أهمية تعزيز النسيج المجتمعي واعادة بنائه ، عبر مبادرات المصالحة المحلية، وإعادة الثقة بين المكونات التي مزّقتها الحرب. لقد أثبتت التجارب السودانية، من الإدارة الأهلية إلى لجان المقاومة، وتجارب الماضي أن المجتمع يمتلك أدواته الخاصة لحل النزاعات إذا ما أُتيحت له المساحة والدعم ويملك القيادات المتعلمة. ومن شأن توظيف هذه الخبرات أن يخلق بيئة أكثر تماسكاً، تقف سداً أمام عودة الاحتراب.
اقتصادياً، لا يمكن الحديث عن استقرار دون إعادة تشغيل عجلة الإنتاج وحماية المؤسسات الاقتصادية واعادة بناء منظومتها، خاصة في القطاعات التي يتمتع فيها السودان بميزات نسبية، كالزراعة والثروة الحيوانية. إن دعم صغار المنتجين، وتوفير التمويل والخدمات، وإعادة تأهيل البنية التحتية، يمكن أن يخلق دورة اقتصادية تعيد الحياة إلى الأسواق وتوفر فرص العمل. كما أن تشجيع الاستثمار الوطني، قبل الأجنبي، يعزز من استقلالية القرار الاقتصادي ويضاعف الإنتاج ويعالج خلل الاداء، ويقلل من الارتهان للخارج.
وفي قلب كل ذلك، تبقى الثقة هي العملة الأثمن. الثقة بين المواطن والدولة، بين القوى السياسية وخياراتها الوطنية وبمبادراتها الداخلية ، وبين السودان ومحيطه الإقليمي والدولي. هذه الثقة لا تُبنى بالخطابات، بل بالأفعال: بالشفافية في إدارة الموارد، وبالصدق في التعاطي مع التحديات، وبالقدرة على تحويل الوعود إلى واقع ملموس. وكل خطوة صغيرة في هذا الاتجاه، مهما بدت متواضعة، تُراكم رصيداً معنوياً يفتح الطريق أمام خطوات أكبر.
وربما أهم ما يمكن أن يستند إليه السودان في هذه المرحلة هو ذاكرته التاريخية. فهذا بلدٌ بانسانه وموارده، عرف كيف ينهض من كبواته، وكيف يحوّل تنوعه إلى مصدر قوة لا ضعف. من ثورات شعبية أعادت رسم المشهد السياسي، إلى مبادرات مجتمعية حفظت تماسك النسيج الوطني، تتراكم الخبرات التي تؤكد أن هذا الشعب لا يُهزم بسهولة.
إن الفأل هنا في هذا التوقيت ليس ترفاً، ولا حفزا للعواطف، بل ضرورة. فالشعوب التي تفقد الأمل تفقد القدرة على الفعل. أما السودان اليوم، فرغم الفقد والمعاناة ، لا يزال يحتفظ بقدرته على الحلم، وعلى تحويل هذا الحلم إلى مشروع. قد يكون الطريق طويلاً، وقد تعترضه عقبات كثيرة، لكن الاتجاه واضح: نحو دولة مدنية عادلة، ومجتمع متماسك، واقتصاد منتج وإرادة جمعية قادرة .
في نهاية المطاف، الاستقرار ليس محطة نهائية، بل عملية مستمرة من التوازن بين التحديات والفرص. وإذا كان السودانيون قد نجحوا في عبور سنوات الحرب القاسية، فإنهم قادرون – بما راكموه من صبر وخبرة وصمود وانتصارات – على عبور مرحلة ما بعد الحرب بثقة أكبر. هناك، في الأفق، يلوح فجرٌ سوداني جديد، لا يُمحى فيه أثر الألم، لكنه يُعاد توظيفه كقوة دافعة نحو بناء وطنٍ يستحقه اهله وابناؤه.



