الزيادة في فاتورة الكهرباء .. “خفة اليد” الحكومية

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

ومما لا شك فيه أن الحكومة، ممثلة في كل أجهزتها، أعفت نفسها من عناء التفكير في تقديم الحلول للمشاكل التي يعانيها المواطن السوداني بسبب توفر “العذر الشرعي” المتمثل في الحرب، وأصبحت ترى المواطن في نظرها لا يتعدى حاله كونه عبارة عن ماكينة “صراف آلي”، وما عليها سوى أن تدخل بطاقة قراراتها القهرية لتسحب أي “مليم” في حساب المواطن، لتدعي بعد ذلك بأنها تجتهد في تقديم الخدمات في ظروف بالغة التعقيد صنعتها الحرب، بل وتمتن عليه في غالب الأحيان بأن عبقرية وزرائها وسياساتهم تعمل على الدوام على “دعم” فاتورة الكهرباء والوقود والدقيق، وأن مجلس وزرائها كان قد قرأ “مانشيت” صحيفة العودة الأسبوع المنصرم، والذي نقل خبر تصنيف السودان بأنه الأول من بين الدول في العالم من حيث قلة سعر الكهرباء، بشكل يؤكد القصور في التفكير الرسمي، بحيث يتساوى مع استيعاب “سابلة” التطبيقات التفاعلية ومواقع التواصل الاجتماعي الذين لا يمتلكون رفاهية فرق المستشارين و”حشو” الموظفين في مجلس الوزراء ووزارة المالية.

الحكومة قرأت الخبر باستبعاد مكون مهم وحاسم في معادلة تقييم أسعار الكهرباء بين شعوب العالم، وهو مستوى “دخل الفرد” في السودان ونصيبه من الدخل القومي، مقارنة بمواطني ذات الدول التي يشتري فيها الكهرباء ويدفع فاتورتها بأسعار لا يمكن مقارنتها بسعر “الكيلو واط” في السودان. وطبعًا لن نتحدث هنا عن مراعاة فروق “الجودة” في الخدمة واستمراريتها، لأن هذا الشرط ليس من ضمن شروط معادلة الخدمة في حكومة السودان التي يتحدث رئيس وزرائها عن “إعفاء” فواتير واجبة السداد على المواطن منذ العام ٢٠٢٣م وحتى العام ٢٠٢٥م، نظير خدمات لم تُقدم للمواطن بالأساس بسبب الحرب، إلا أن الحكومة لا تريد أن تفوت على نفسها فضيلة الامتنان على المواطن ودفعه إلى الشعور الدائم بأنه “مديون” للحكومة وعبقريتها الاقتصادية.

على نوافذ شراء خدمات الكهرباء وتطبيقات شراء الخدمة، يجد المواطن السوداني نفسه أمام “شفشفة” من النوع الرسمي، بزيادات تصل إلى ٧٢% على فاتورة الكهرباء، الغرض منها تغطية العجز التمويلي، وأن على المواطن أن يساهم بهذه النسبة في الفاتورة لإقالة عجز شركة الكهرباء في الصيانات الدورية، وتوفير قطع الغيار والوقود اللازم لتشغيل محطات التوليد الحراري، وكتبرير لهذه الزيادات تسميها الحكومة بأنها زيادات “اضطرارية” لمقابلة العجز في الإنتاج الذي يقدر بنسبة ٣٥% بسبب ما لحق بالبنية التحتية لقطاع الكهرباء من أضرار صنعتها الحرب.

(*) زيادات “صامتة” في فاتورة الكهرباء..

ولربما تعتقد الحكومة بأنها ليست مجبرة على تحمل عناء إخطار المواطن بأي زيادات تفرضها على فواتير الخدمات، طالما أنها تقوم بمهامها الرسالية في خدمة المواطنين، ومن المؤكد بأنه سيتفهم ذلك بمجرد تعامله مع نوافذ بيع خدمة الكهرباء واكتشافه للمقابل المتناقص بنسبة تصل إلى ٧٢% جراء رفع قيمة الفاتورة.

ولأن القاعدة القانونية تقول بأن “العقد شريعة المتعاقدين”، فإن عقد الإذعان الذي يربط المواطنين بالشركة الحكومية التي تحتكر تقديم خدمة الكهرباء وتوزيعها يُرغم أنف المواطن على القبول بهذه الزيادة والصبر على رداءة الخدمة المقدمة.

وقبل الحديث عن الطريقة التي تم تمرير الزيادات على فاتورة خدمات الكهرباء، فإننا نعيد ذهن القارئ إلى الخطوط العريضة التي كُتبت بها موازنة العام ٢٠٢٦م، وحُجبت فيها التفاصيل عن عين الشعب السوداني، صاحب الحق الأصيل في معرفة “دخله القومي” فيم أنفقته الحكومة. وقال وزير ماليتها: لا أعباء إضافية على المواطن، وأن تخفيف أعباء المعيشة على المواطن هو المنهج الذي رُسمت به وزارته خطة موازنتها، للحد الذي دفع رئيس الوزراء لوصفها بالمعجزة لحظة استعراضها، ليأتي الواقع ويكشف “عورة” الخطاب الحكومي وزيف لغة الموازنة، ولسان حال المواطن يقول للسيد الوزير: “أسمع كلامك أصدقك” و”أشوف فواتيرك أدخل في حيرة”، المعاش اليومي الذي لا يشغل بال الحكومة المشغول بقضايا “كونية” بعيدة جدًا عن اهتمامات المواطنين.

من الطبيعي أن الحكومة التي لا تضع ميزان الحرارة في فم المواطن أو تحت “إبطه” لتقيس درجات حرارة المعاش اليومي، ألا تكترث للآثار الكارثية لمثل هذا النوع من الزيادات على فاتورة خدمة لا يمكن تصنيفها ضمن قائمة “الكماليات” والرفاهية لأي بيت سوداني.

زيادات بنسبة ٧٢% على فاتورة الكهرباء ليست بالنسبة البسيطة حتى تتصور شركة الكهرباء بأنها يمكن تمريرها “خلسة” وبكل خفة يد القرار الحكومي على المواطن، لأنها ببساطة تمثل ضربة موجعة ومؤثرة جدًا في زمن الأعباء المتراكمة عليه بسبب التضخم وقلة “حيلة” الراتب أمام الأعباء اليومية.

وزير المالية الذي يتزيأ بالزي “الكاكي” ظن بأن “الموازنة” العامة “سر عسكري” ممنوع الاقتراب منه والتصوير، وأن “الشفافية” أمر غير مطلوب البتة في هذه المسألة، و”كتر خير” الحكومة في استعراض الملامح العامة للموازنة واللغة “الحالمة” التي تحدثت بها لحظة الإعلان.

وطالما أنه لا يوجد “منشور” أو جدول أو تفسير رسمي لهذه الزيادات في فاتورة الكهرباء بيد المواطن، فإنه من العادي أن تأتي الحكومة أو شركة الكهرباء وتنكر الزيادة من أصلها بكل براءة، وتغالط المواطن في ما يراه من أرقام على فواتير شراء الخدمة.

وبأي حال، لا يمكننا أن نحسن الظن في السلوك الحكومي، والذي لا يمت للشفافية بأي صلة، لنقول إن هذه الزيادات “الصامتة” سببها “الخجل”، وأن الحكومة وشركة الكهرباء صارت “تستحي” من المواطن الذي تثقل كاهله كل يوم بقرارات تهزم قدرته على حياة لا يتوفر من أسبابها إلا “الأكسجين” الذي لم تطله فواتير الحكومة حتى الآن.

لا يزال المقطع المصور للسيد رئيس الوزراء، وهو يدعو المواطنين للتصدي للجبايات غير القانونية بالامتناع، يتم تداوله باعتباره الخبر المهم، ليأتي سؤالنا الذي نبحث له عن إجابة لدى السيد الدكتور/ كامل إدريس: ما هو الفرق بين “الجبايات غير القانونية” و”الزيادات غير المعلنة” و”أتاوات” الطريق التي يتم تحصيلها بلا تشريع أو قانون؟

هذه هي النتيجة الطبيعية للتأخير في بناء مؤسسات الدولة الرقابية على الأداء الحكومي، والذي صار بحجة الحرب عبارة عن مناطق “عمياء” لا تراها عين الرقيب ولا يُحاسب عليها المسؤولون، وليتفرق دم السياسات المالية والاقتصادية بين قبائل المحليات التي تفرض الضرائب على كيف ومزاج موظفيها ومديريها التنفيذيين، وشركات تقديم الخدمات، وجزر معزولة لا ينقصها غير أن ترفع أي محلية علمها المستقل وتقول بأنها غير ملزمة بالأحلام التي تم استعراضها في الموازنة العامة للدولة، وليركب غضب المواطن أعلى بعير في القافلة.

بقراراتها تلك تريد الحكومة وشركة الكهرباء من المواطن أن يتحمل عبء العجز الحكومي وفاتورته بالكامل، دون أي نسبة تستطيع الحكومة أن تتعامل معها من خلال خطط “تقليل الهدر” وإدارة الموارد العامة للدولة وترشيدها، والوصول على الأقل إلى نقطة أن تتقاسم مع المواطن فاتورة العجز، ويشعر فيها المواطن بأن هنالك سببًا منطقيًا لوجود جهاز حكومي من أصله ووزراء ومديري شركات تُصرف رواتبهم ومستحقاتهم وحوافزهم ومنصرفات مكاتبهم ومراسمهم وجيوش موظفيهم الجرارة من المال العام.

الزيادات في فاتورة خدمة الكهرباء ظلت هي السمة الملازمة لقرارات شركة الكهرباء في حالة السلم قبل حجج الحرب، في مقابل التدني الواضح في “جودة” الخدمة نفسها، والتراجع المستمر في أفكار ومعالجات هذه القضية.

الجهة التي تصدر قرارات الزيادة هذه لا تنظر للأمر بأبعد من “أرنبة أنفها”، المشغول بالحلول السهلة وفي متناول التفكير المحدود، ولن تصيبنا الدهشة لو طالعنا في الصحف أو الوسائط غدًا قرارًا من رئيس وزراء الحكومة بإلغاء الزيادات على فاتورة الكهرباء وإعادة التكلفة السابقة، باعتبار أن ذلك سيدفع المواطن للتهليل والتكبير بمثل ما حدث في قضية ضريبة العائدين للبلاد عبر معبر أرقين، كتأكيد على غياب الأداء المؤسسي في الدولة، وأن من يصحو مبكرًا من المسؤولين يملك الحق في إصدار ما يراه مناسبًا من قرارات، ولمثل هذه الممارسات الحكومية تريد الدولة من المواطن أن يعود “طواعية” من جحيم اللجوء إلى جحيم الفواتير المتضخمة يومًا بعد يوم.

مع الحالة العامة التي نرى بها حال الجهاز الحكومي، نشك في أن شركة الكهرباء قد كلفت نفسها، عبر الوزير المختص، عبء إبلاغ رئيس حكومته بهذه الزيادات، وبالتالي يصبح توقعنا بإبلاغ المواطن بقرارات زيادة الفاتورة ضربًا من الخيال، وبالتالي ليس أمامه خيار سوى أن يسددها “صاغرًا” بأمر وقهر عقد الإذعان.

لا تقوم الحكومة ولا الشركة بأي إيحاء بأنها بصدد تنفيذ خطط إصلاحية لقطاع الكهرباء وتحسين الخدمات، بقدر ما أنها تسعى، وعبر قراراتها الصامتة هذه، إلى توزيع التكاليف على المواطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى