من تونكين إلى هرمز: حين يعيد التاريخ إنتاج ذرائع الحروب الأمريكية

كيف تُصنع الذريعة؟ من خوف الشيوعية إلى فوبيا النووي

البعد الخامس

الجزء الأول 

بقلم. صباح المكي

bitalmakki@gmail.com

*مدخل: التشابه ليس في الجغرافيا، بل في صناعة الحرب*

ليست المقارنة بين خليج تونكين ومضيق هرمز مقارنة جغرافية مباشرة، ولا هي مجرد تشابه بين ممرين بحريين استراتيجيين استُخدما في لحظات تصعيد عسكري. فالأعمق من ذلك أن الحالتين تكشفان نمطًا متكررًا في التفكير الاستراتيجي الأمريكي: اختلاق الخطر أو تضخيمه، وتحويله إلى تهديد عالمي، وتعبئة الرأي العام حوله، ثم استخدامه كبوابة سياسية وأخلاقية وقانونية لتوسيع الحرب.

في فيتنام، شكّلت حادثة خليج تونكين اللحظة التي احتاجتها واشنطن كي تنقل الصراع من مستوى الدعم والتدخل غير المباشر إلى مستوى الانخراط العسكري الواسع. ففي 2 أغسطس 1964، قالت الولايات المتحدة إن زوارق تابعة لفيتنام الشمالية هاجمت المدمرة الأمريكية USS Maddox في خليج تونكين. وبعد يومين، في 4 أغسطس، أعلنت واشنطن وقوع هجوم ثانٍ ضد سفن أمريكية في الخليج نفسه.

وقد قُدّمت الواقعتان للرأي العام والكونغرس باعتبارهما اعتداءً مباشرًا يستدعي الرد، غير أن الرواية الثانية تحديدًا أصبحت لاحقًا موضع شك واسع، وتحولت إلى أحد أشهر الأمثلة على كيفية استخدام الوقائع الملتبسة لتوسيع الحروب.

لم يكن الحادث البحري، إذن، جوهر الحرب، بل كان الأداة التي جعلت الحرب قابلة للتسويق. فقد تحوّل سريعًا إلى مبرر لمنح الرئيس صلاحيات واسعة، ونقل الولايات المتحدة من موقع المتدخل غير المباشر إلى قلب الحرب في جنوب شرق آسيا.

وفي الحالة الإيرانية، لا يمكن النظر إلى مضيق هرمز بوصفه مجرد ممر مائي أو نقطة توتر عابرة. فالمضيق، بما يمثله من قيمة استراتيجية واقتصادية عالمية، يصلح لأن يتحول إلى مسرح مشابه لصناعة التصعيد، حيث يمكن لأي حادث بحري، أو تهديد للملاحة، أو تعطيل لحركة السفن، أن يُقدَّم باعتباره تهديدًا للاقتصاد العالمي، لا مجرد فصل من فصول المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران.

*خليج تونكين: حين احتاجت الحرب إلى ذريعة*

ما كان خلف خليج تونكين أعمق من حادث بحري. كان هناك خوف أيديولوجي كبير اسمه الشيوعية. صُوّرت فيتنام لا كبلد يخوض صراعًا وطنيًا وتاريخيًا معقدًا ضد الاستعمار والتدخل الخارجي، بل كحلقة في مشروع سوفيتي وصيني أوسع. وبذلك لم تعد الحرب تُقدَّم على أنها حرب فيتنامية داخل سياقها المحلي، بل كمعركة عالمية بين “العالم الحر” والشيوعية.

فالولايات المتحدة لم تكن تخشى فيتنام وحدها، بل ما كانت تمثله فيتنام داخل منطق الحرب الباردة. كانت تخشى أن يؤدي انتصارها إلى كسر هيبة واشنطن أمام الاتحاد السوفيتي والصين، وأن يتحول البلد الصغير إلى رمز سياسي أكبر من حجمه الجغرافي. ولهذا دخلت واشنطن الحرب لا بوصفها حربًا على فيتنام فقط، بل بوصفها معركة على صورة القوة الأمريكية نفسها.

بهذا المعنى، كان خليج تونكين أداة مثالية: حادث بحري، رواية عاجلة، تهديد مباشر، غضب داخلي، ثم تفويض واسع. هكذا تنتقل الدولة من التردد إلى الحرب، ومن النقاش إلى الاصطفاف، ومن التحفظ إلى منطق “لا خيار سوى الردٍ”.

*مضيق هرمز: حين تصبح الجغرافيا لغة للتصعيد*

وهنا يظهر التشابه مع إيران. فمضيق هرمز، مثل خليج تونكين، ليس جوهر الصراع وحده، بل يمكن أن يتحول إلى مسرح مثالي لصناعة التصعيد. فهو ليس مجرد ممر مائي، بل شريان عالمي للطاقة والتجارة، ولذلك يصبح أي توتر فيه قابلًا للتحويل إلى قضية عالمية: تهديد للملاحة، وتهديد لأسواق النفط، وتهديد للاقتصاد الدولي، وتهديد لما يسمى “حرية الملاحة”. وبهذا المعنى، لا يُقدَّم الخطر في هرمز للرأي العام بوصفه تفصيلًا عسكريًا محدودًا، بل بوصفه مدخلًا لإخراج المواجهة مع إيران من حدودها الإقليمية، وإدخالها في لغة أوسع: حماية الملاحة، حماية الاقتصاد العالمي، وحماية الاستقرار الدولي

.

بهذه الطريقة، تحاول واشنطن أن تنزع المواجهة مع إيران من سياقها السياسي والإقليمي المحدد، وأن تعيد تقديمها بوصفها دفاعًا عن النظام الدولي كله. وكما منح خليج تونكين واشنطن لحظة تعبئة في فيتنام، تسعى الإدارة الأمريكية اليوم إلى جعل مضيق هرمز يؤدي وظيفة مشابهة في مواجهة إيران. غير أن هذه المحاولة لم تنجح بعد في إنتاج “تونكين جديد”، إذ بقي المضيق، حتى الآن، مسرحًا قابلًا لتسويق التصعيد، لا تفويضًا سياسيًا ونفسيًا شاملًا للحرب.

ومن هنا يصبح المضيق أكثر من جغرافيا. يصبح لغة سياسية. فمن يسيطر على الرواية حول هرمز، يستطيع أن يحدد إن كان ما يجري “صراعًا مع إيران” أم “دفاعًا عن العالم”. وهذه بالضبط هي وظيفة الممرات البحرية في لحظات الحرب: إنها لا تنقل السفن فقط، بل تنقل الذرائع أيضًا.

*من الشيوعية إلى النووي: حين يتحول الاحتمال إلى ذريعة حرب*

ومثلما لم يكن خليج تونكين سوى السطح، فإن مضيق هرمز ليس سوى جزء من السطح أيضًا. أما العمق الحقيقي في الحالة الإيرانية فهو صناعة الخوف من النووي. ففي فيتنام، كان الخوف المركزي هو أن تنضم فيتنام إلى المعسكر السوفيتي وتفتح الباب أمام تمدد الشيوعية. .أما في إيران، فالخوف المركزي هو أن تصبح إيران قوة نووية، حتى حين لا توجد أدلة حاسمة على امتلاكها سلاحًا نوويًا فعليًا أو قرارًا نهائيًا بإنتاج قنبلة جاهزة.

وهنا تكمن الخطورة: تحويل الاحتمال إلى يقين. فوجود برنامج تخصيب، أو قدرات علمية وتكنولوجية، أو خلافات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لا يعني تلقائيًا وجود قنبلة نووية جاهزة أو قرار مؤكد باستخدامها. لكن في الخطاب السياسي والإعلامي، يُختصر كل ذلك في عبارة مخيفة واحدة: “إيران تقترب من السلاح النووي”. هذه العبارة تؤدي اليوم الدور نفسه الذي أدّته عبارة “التمدد الشيوعي” في فيتنام. إنها لا تشرح الواقع بقدر ما تعبّئ الخوف.

والأخطر أن هذه العبارة لا تبقى توصيفًا أمنيًا قابلًا للنقاش، بل تتحول إلى حكم سياسي نهائي. فما إن تُغرس في الوعي العام صورة “إيران النووية القادمة”، حتى يصبح التصعيد ضدها مبررًا قبل اكتمال الأدلة، وقبل إثبات التهديد المزعوم. عندها لا يعود السؤال: هل ثبت الخطر فعلًا؟ بل يُعاد تشكيل النقاش حول قلق أكثر منفعة سياسيًا: ماذا يجب أن نفعل قبل أن يصبح الوقت “متأخرًا”؟

هنا تعمل الآلة الفكرية للحرب الوقائية: الاحتمال يُعامل كحتمية، والاشتباه يُقدَّم كدليل، والأدلة الناقصة لا تصبح سببًا للحذر، بل ذريعة للاستعجال.

في كل حالة، يُنتزع خوف واحد من سياقه المحدد، ويُرفَع إلى مرتبة التبرير الكبير لحرب أوسع. في فيتنام، كان العنوان هو احتواء الشيوعية. وفي العراق، كان العنوان هو القضاء على أسلحة الدمار الشامل. أما في إيران، فالعنوان هو منع التهديد النووي. غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بوجود الخطر وحده، بل بكيفية توظيف خطر محدود أو محتمل لتبرير مشروع أوسع كان قائمًا قبل الذريعة.

ففي فيتنام، لم تكن واشنطن تخشى فيتنام وحدها، بل ما تمثله داخل الصراع مع الاتحاد السوفيتي والصين. وفي إيران، لا تخشى واشنطن وتل أبيب الملف النووي وحده، بل ما تمثله إيران كدولة إقليمية كبيرة ترفض الخضوع الكامل للترتيب الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة. لذلك يتحول الملف النووي إلى العنوان المعلن، بينما يبقى الهدف الأعمق هو كسر ميزان قوة لا واشنطن ولا تل أبيب مستعدتان لقبوله أو التعايش معه.

وهذا هو جوهر صناعة الخوف: ألا يُطلب من الجمهور أن يفهم التفاصيل، بل أن يخاف من العنوان. فالخطر لا يُقاس فقط بما هو قائم، بل بما يمكن تصوره وتضخيمه وتسويقه. وحين يُصاغ الخوف بلغة وجودية، تختصر السياسة المسافة بين الاحتمال والحرب؛ إذ يكفي أن تُبنى حول الخصم صورة “الخطر القادم” كي يصبح استهدافه أمرًا مقبولًا، بل مطلوبًا.

*هرمز والطاقة: حين يتسع الخوف من النووي إلى الاقتصاد العالمي*

يدخل مضيق هرمز هنا كعنصر إضافي في صناعة الخوف. فإذا كان النووي يخاطب خوف العالم من السلاح، فإن هرمز يخاطب خوف العالم من الطاقة والأسواق والتجارة. وهكذا تتسع دوائر الخوف حول إيران: تهديد نووي، وتهديد بحري، وتهديد اقتصادي، وتهديد للنظام الإقليمي.

فالنووي يمنح الحرب لغة أمنية، وهرمز يمنحها لغة اقتصادية، والتحالف مع إسرائيل يمنحها لغة استراتيجية. وبين هذه المستويات الثلاثة، تُعاد صياغة إيران بوصفها خطرًا شاملًا لا يمكن التعامل معه إلا بالقوة. وهذه هي الطريقة التي تُصنع بها الحروب الكبرى: لا عبر سبب واحد فقط، بل عبر تراكم أسباب تُرتَّب معًا حتى يبدو التصعيد وكأنه النتيجة الوحيدة الممكنة.

ومن هنا، يصبح السؤال الأهم: هل الخطر هو الذي يصنع الحرب، أم أن قرار الحرب هو الذي يبحث عن الخطر المناسب لتسويقه؟ في فيتنام، كان خليج تونكين هو الجسر بين الخوف من الشيوعية وتوسيع الحرب. وفي إيران، قد يصبح النووي وهرمز والطاقة الجسر ذاته بين الخوف من إيران ومشروع أوسع يستهدف كسرها.

*خاتمة الجزء الأول: صناعة الخوف ليست نهاية القصة*

ليست الحرب، في مثل هذه الحالات، حدثًا ينفجر فجأة من فراغ. إنها تُبنى على مراحل: أولًا تُصنع صورة الخطر، ثم تُضخّم، ثم تُمنح لغة أخلاقية، ثم تُربط بأمن العالم، ثم يصبح التصعيد كأنه ضرورة لا خيار. هكذا حدث في فيتنام، حين تحولت الشيوعية إلى شبح يبرر الحرب، وهكذا يتكرر المنطق مع إيران، حيث يتحول النووي وهرمز والطاقة إلى دوائر خوف متراكمة تبرر التصعيد.

لكن صناعة الخوف ليست سوى الفصل الأول في القصة. فالسؤال الأعمق لا يتعلق فقط بكيفية تبرير الحرب، بل بما يحدث بعد أن تبدأ. هنا يكشف التاريخ أن واشنطن لا تخطئ فقط في صناعة الذرائع، بل تخطئ أيضًا في تقدير الحروب التي تشعلها. ففي فيتنام، دخلت الحرب بوهم الحسم السريع، ثم غرقت في مستنقع طويل. وفي إيران، يتكرر الخطر نفسه: حرب تُقدَّم كعملية قصيرة، لكنها قد تتحول إلى كابوس استراتيجي لا يملك صانعوها مخرجًا واضحًا منه.

وهذا ما يقود إلى الجزء الثاني: من شهادة ويسلي كلارك عن الدول السبع، إلى خريطة التفكيك، ووهم الحرب القصيرة، والسؤال الأعمق: هل ما يحدث لإيران هو مواجهة مع خطر نووي، أم حلقة جديدة في مشروع أوسع لتفكيك الدول التي لا تنحني؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى