المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: أسرار هزيمة الغرب (5-5)

“العالم يعيد ترتيب أحجاره؛ والذكي من يجد لنفسه مكاناً فوق رقعة الشطرنج الجديدة.”
“نهاية القطب الواحد إنما هي فرصة تاريخية لاستعادة السيادة المفقودة منذ قرون.”
“المستقبل لمن يملك الغذاء والطاقة والقرار المستقل و ليس لمن يملك السلاح.”
في الحلقات الأربع الماضية، قمنا بعملية “تشريح استراتيجي” لواقع الهيمنة الغربية؛ بدءاً من اختطافها أيديولوجياً، ومروراً بتفككها سوسيولوجياً، وصولاً إلى ظهور البديل الآسيوي المتمكن. واليوم، في هذه الحلقة الختامية، نطرح السؤال الوجودي: أين نحن من هذا الزلزال الجيوسياسي؟ إن “هزيمة الغرب” التي بشر بها إيمانويل تود وعاينها لورانس ويلكرسون، تحاوزت كونها مجرد “فرجة” تاريخية الى حقيقة أنها لحظة فارقة تتطلب منا كدول عالم ثالث إعادة هندسة تموضعنا في عالم لن يحترم بعد اليوم إلا الأقوياء بإنتاجهم، والأوفياء لهويتهم.
إن الدرس الأول من انهيار المركزية الغربية هو “سقوط الصنمية الفكرية”. فما عاد الرهان المطلق على النموذج الغربي كقدر محتوم يدغدغ أحلام الباحثين عن السؤدد. إن العالم الذي يتكون متعدد الأقطاب ، يمنحنا “مساحة للمناورة” لم تكن موجودة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالتعددية القطبية تعني أننا لم نعد مضطرين للاختيار بين “التبعية الكاملة” أو “العزلة التامة”، إنما يمكننا من بناء شراكات متوازنة مع الشرق الصاعد (أوراسيا) دون التفريط في مصالحنا، مستفيدين من حاجة القوى الجديدة للموارد والمواقع الاستراتيجية التي نمتلكها.
المحور الثاني يتعلق بـ “الأمن القومي الإنتاجي”. لقد كشفت هزيمة الغرب أن التفوق المالي والافتراضي غير كافي لحماية الدول وقت الأزمات الكبرى، و لكن يحميها إنتاجها من الغذاء والدواء والسلاح المصنع محلياً. بالنسبة لنا في السودان ومحيطنا العربي، فإن هذا التحول يفرض علينا العودة إلى “الأرض”؛ فالسودان بسلته الغذائية الواعدة، وموقعنا الجغرافي الذي يربط إفريقيا بآسيا عبر البحر الأحمر، يمثلان “أصولاً استراتيجية” في عالم أوراسيا الجديد. إن بناء قاعدة إنتاجية حقيقية هو الضمان الوحيد لعدم التحول إلى مجرد “ساحة صراع” للقوى الكبرى.
أما في البعد الهوياتي والثقافي، فإن ما سماه تود “العدمية الغربية” يجب أن يكون درساً لنا في التمسك بجذورنا. إن سر صمود القوى الشرقية (روسيا والصين) يكمن في اعتزازها بنموذج “الدولة القومية” وقيمها التقليدية. إن الهزيمة الحقيقية تبدأ حين نفقد بوصلتنا الأخلاقية والاجتماعية. لذا، فإن مشروعنا النهضوي يجب أن ينبع من صميم ثقافتنا وقيمنا، بعيداً عن الاستلاب الذي حاول الغرب فرضه لقرون، مستفيدين من الفراغ القيمي الذي تركه الانحدار الغربي لنقدم نموذجنا الخاص القائم على التوازن بين الأصالة والتحديث.
ختاماً، فإننا حين نبشر بخراب الغرب ، نرصد تحولاً في “سنن التدافع” الحضاري. لقد انتهى زمن “الأستاذ والتلميذ” في العلاقات الدولية، وبدأ زمن “الشركاء والندّية”. إن السودان، برغم جراحه النازفة وآلامه الراهنة، يمتلك المقومات ليكون رقماً صعباً في المعادلة الجديدة إذا ما توفرت الإرادة الوطنية التي تقرأ التحولات العالمية بعين فاحصة. لقد جاء دور العمل بعد دحر التمرد و ارساء قيم السلام و الاستقرار، لنبني وطناً لا ينتظر “صكوك الغفران” من الغرب، وطن يصنع مستقبله بسواعد أبنائه في عالم جديد يولد من رحم المعاناة.
////////////////



