تجربتي من الوظيفة إلى العمل الحر (1/3)

” دعوة تحرر من قيود الوظيفة الى فضاء العمل الحر”
بقلم/ مهندس رامي كمال
في يناير 2021 ، وبعد 15 عاما قضيتها في الوظيفة ، وجدت نفسي أمام مفترق طرق حقيقي, ولم يكن قرارا عابرا ولا خطوة معروفة بل كان قرارا ثقيلا، صعبا، ومشحونا بالمخاوف والعواطف والأسئلة ، ومع ذلك كان هو القرار الذي غير مسار حياتي المهنية بالكامل.
كنت أعمل في إحدى الشركات المرموقة والكبيرة بالسودان ، وامتدت رحلتي معها لأكثر من عشر سنوات ، خلال تلك السنوات قدّمت كل ما أستطيع دون تردد أو حساب ، بذلت وقتي، وجهدي، صحتي ، وعصارة خبرتي ، ووضعت العمل أحيانا في مرتبة أعلى من حياتي الشخصية وأسرتي، كان الولاء كبيرا، والانتماء حقيقيا.
لكن الحقيقة التي نغفل عنها كثيرا، أن لكل مرحلة نهاية، وأن “الأرزاق مقسومة” ، ومع تعقد الظروف المحيطة بالعمل ، بدأت تتشكل داخلي قناعة بأن الاستمرار لم يعد خيارا ، ودُفعت دفعا للمغادرة.
عندما اتخذت قرار الاستقالة مجبرا ، لم أكن أملك رؤية واضحة لما سيأتي بعد ذلك، لم تكن هناك خطة، ولا وظيفة جديدة، ولا ضمانات، ولا حتى إجابات مطمئنة، فقط كان هناك شعور داخلي قوي بأن البقاء لم يعد خيارا .
لحظة مغادرتي لمقر العمل لم تكن سهلة، استرجعت فيها سنوات من الذكريات، المواقف، النجاحات، وحتى التضحيات. كان الألم حاضرا، لكنني أخفيته خلف ابتسامة، وأظهرت للآخرين قوة لم تكن تعكس ما بداخلي تماما.
في تلك اللحظة تحديدا، أدركت حقيقة ظللت أتجاهلها طويلا، أن الوظيفة رغم ما توفره من استقرار قد تتحول إلى قيود غير مرئية، قد تصبح مساحة آمنة، ولكنها في الوقت ذاته قد تكون سجنا للقدرات، وكبحا للطموح، وتجميدا للأفكار.
لم تكن المشكلة في الوظيفة نفسها، بل في بقائي فيها رغم أنني تجاوزتها، ومن هنا جاء القرار الأهم ، أن أخوض تجربة العمل الحر ، أن أخرج من دائرة “الراتب المضمون” إلى فضاء “الفرص المفتوحة” ،وأن أتحمل مسؤولية مستقبلي بالكامل، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر وتحديات.
لم يكن الطريق سهلا، ولن يكون، لكن الفرق هذه المرة أن أسير في طريق اخترته بنفسي، لا طريق فرض علي.
هذه التجربة لم تكن مجرد انتقال من وظيفة إلى عمل خاص، بل كانت رحلة تحرر ، تحرر من الخوف، من التردد، ومن الاعتماد الكامل على الآخرين في تحديد مصيري المهني ، وربما أهم ما تعلمته هو أن أصعب القرارات، ليست دائمًا أسوأها،
بل قد تكون هي البوابة الحقيقية لحياة تستحق أن تُعاش .
” السـوق قدح النبي ” مثل سودانـي
للحديث بقية ….



