رحلة البحث عن جرعة ماء من النيل الأبيض
قبل الموت كمدا بسبب الظمأ

تحقيق – صديق السيد البشير
(1)
“يا أهل الخير محتاجين سقيا للأحياء الطرفية جنوب غرب 43 و 88 ، أمس “جركانة” الماء الواحدة ب (1000) جنيه، مع ندرتها، ويبلغ سغر سعر “التانكر” 130 ألف جنيه، السقيا أجرها كبير”.
صرخة استغاثة، يطلقها الأستاذ أحمد مضوي ، من خلال تدوينة على صفحته الشخصية بمنصة فيسبوك، مضوي الصحافي والأستاذ الجامعي والمتطوع المهموم بقضايا الصحة والمياه والتعليم، مع مربعات (39) ، (41) ، (42) ، (43) ، (62) ، (88) ، التي تقع جنوبي مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض، تعاني هي الأخرى منذ سنوات ماضية، في العثور على جرعة ماء، خاصة في فصل الصيف، رغم بعدها لبضع كيلومترات عن محطة (جايكا) التي أسستها في مدينة كوستي، وكالة التنمية اليايانية (جايكا) قبل سنوات خلت.
وفي زيارات ميدانية لصحيفة (العودة) وقفت خلالها_ على معاناة الناس مع المياه في الأحياء داخل المدن الكبرى بالولاية، ولاحظت الصحيفة الجهود المبذولة من قبل المنظمات الفاعلة في الحقل الإنساني، من خلال توفير خزانات متحركة ، توفر السقيا منذ شهر رمضان الماضي ، إلى جانب جهد كبير تبذله الإدارة العامة لمياه الشرب بولاية النيل الأبيض، عبر فريق متخصص، من أجل توصيل الإمداد المائي للمدن القريبة، من خلال شبكة خطوط ناقلة جديدة، تجتهد في سباق مع الزمن، من أجل الإنتهاء من تركيب أنابيب الماء، بما قد يسهم في توفير المياه الصالحة للشرب.

(2)
بإرهاق ومشقة يجتهد هؤلاء كل يوم تحت لهيب شمس الصيف، في رحلة تمتد لساعات لجلب الماء من النيل، لسقيا الإنسان والحيوان، هكذا كانت صحيفة (العودة) تقف ميدانيا على معاناة سكان منطقة روضة المختار الواقعة في محلية قلي بولاية النيل الأبيض السودانيةمن ندرة حادة في مياه صالحة للشرب، لمنطقة يكابد أهلها لسنوات، في سبيل الحصول على جرعة تروي الظمأ، مع مناشدات عبر الصحيفة ، بضرورة التدخل لإنقاذ الموقف.
فهنا ، بهمة ونشاط، هكذا كانت عدسة صحيفة (العودة) تلاحظ سعى أعيان المنطقة، لإيجاد حلول لأزمة المياه، لقرية على مرمى حجر من محطة المياه، المنشأة حديثا في منطقة عوض الله، الناس هنا أقصى مطالبهم خط ناقل بثلاثة كيلومترات، لإختصار مسافة فاصلة بين (نقمة) العطش و (نعمة) الإرتواء.
وبسعي جماعي، أكمل هؤلاء إعداد دراسة، وقفت الصحيفة على تفاصيلها، وتختص بإنشاء خط فرعي للمياه، حيث دعمت الدراسة بالبيانات، والمعلومات، والأرقام التفصيلية ، مع نداءات عبر صحيفة (العودة) لحكومة الولاية بضرورة التنفيذ، توفيرا للمياه وتحقيقا للإستقرار.
ولأن الخط الرئيسي يمر بالقرب من القرية، إلتزام السكان بإنشاء خزان أرضي للتوزيع وتوصيل الشبكة الداخلية للمنازل.
مع أزمة قائمة، يبقى المطلوب حلها بصورة عاجلة، لإنهاء معاناة هؤلاء لسنوات حسوما في الظفر بجرعة ماء، تروي الظمأ، وتعيد الحياة، وتحقق الاستقرار.

(3)
“السيد والي ولاية النيل الأبيض، (الراوات) تموت عطشاً. ثروة حيوانية تساوي نفطاً متجدداً تضيع أمام أعيننا”.
بهذه الكلمات التي تتفجر حزنا على واقعهم، هكذا كان وفد أهالي وحدة (الراوات) الإدارية، الكائنة في محلية السلام بولاية النيل الأبيض، يبعثون خطابا لوالي الولاية، بتاريخ 5 مايو 2026م، خطاب، حصلت صحيفة (العودة) على نسخة منه، ليشكل (عرضحالا) ، لواقع أكثر من
(200) ألف مواطن، يستغيثون بحكومة الولاية، مع أزمة مستمرة.
الأهالي هناك في إنتظار رد عملي، وعلمي، وعاجل، من السلطات المختصة، رد يحمل لهم إشارات الأمل بعد الألم.

(4)
صورة قاتمة للوضع في وحدة (الراوات) الإدارية، يرسمها خطاب أهالي (الراوات)، حيث أصيبت الحفائر والآبار بالجفاف، مع نفوق أكثر من 15% من الثروة الحيوانية، التي تتجاوز 1.6 مليون رأس بسبب العطش، فضلا عن قطع النساء والأطفال أكثر من 15 كيلومتراً بحثاً عن الماء.
خط مياه (الراوات) من محطة (النعيم)، متوقف منذ عامين، بسبب تعثر العطاءات، رغم جاهزية المحطة، لخط حيوي يخدم 143 قرية وفريق، وفق خطاب الوحدة لوالي الولاية.
وبحسب الخطاب، فإن إدارة مياه الشرب بولاية النيل الأبيض، كانت قد أعدت دراسة في العام 2025م، وتختص بإنشاء خط مياه من النيل حتى مدينة الراوات، بطول 58 كلم، كما قامت منظمات، من بينها وكالات الأمم المتحدة ، بزيارة المنطقة، بناء على النداءات والمناشدات التي أطلقها المواطنون في مايو 2025م، وذلك من أجل إنقاذ إنسان وحدة (الراوات) الإدارية من العطش والأمراض والفقر بسببهما.
ومع تعاقب السنوات العجاف، بدون تدخل حكومي وطوعي يذكر، قد يصبح المشروع المهم صار حبراً على ورق.

(5)
وعبر (العودة) يطلق أهالي الراوات مناشدات عاجلة للجهات المختصة، على المستويين الولائي والإتحادي، إلى جانب المنظمات الأممية والدولية والأجنبية والوطنية ، بضرورة التدخل لإنقاذ الموقف.
يأتي ذلك في ظل نداءات مستمرة من أجل للمساهمة في حفر آبار وتوفير تناكر مياه لكونه حلا إسعافيا، إلى جانب تفعيل بورصة مواشي الراوات، ودعم صغار الرعاة المتضررين من النفوق.
(6)

“للحصول على الحياة .. الحصول على ماء الشرب” بهذه المعاني، كان المهندس محمد ضوالبيت، قد أعد دراسة شاملة عن مياه (الراوات) ، التي تحصلت (العودة) على نسخة منها، حيث شملت الدراسة الموقع الجغرافي والثروات ومصادر المياه.
تقع منطقة وحدة (الراوات) الإدارية في محلية السلام بولاية النيل الأبيض، غرب مجرى النيل الأبيض بحوالى (60 كلم )، جنوب خط السكة حديد كوستي – تندلتي ، وشرق ولاية جنوب كردفان، وعلى الحدود مع دولة جنوب السودان.
منطقة (الراوات) يسكنها حوالى 50000 نسمة، يتوزعون على أكثر من 30 قرية ، يعتمدون في معيشتهم على الزراعة المطرية والرعي.
الحفائر والآبار المحفورة يدويا تصنف ، حسب منظمة الصحة العالمية، مصادر مياه غير آمنة وغير صالحة لشرب الإنسان.
(7)
توجد المياه الجوفية بالمنطقة ، في طبقات عميقة (350 م) تحت سطح الأرض، لمياه عالية تركيز الأملاح، تتجاوز المعدل المسموح به إلى 3000 جزيء في المليون من اللتر (ppm).
وتطرقت الدراسة إلى مصادر المياه بالمنطقة، التي تواجه مشاكل كثيرة منها :
– تتطلب الحفر السنوى بعد كل موسم أمطار
– توجد فى مواقع محدودة، لذلك يحتاج بعض المجتمعات أن تسير أكثر من 3 كلم لجلب الماء
، مع طريقة سحب للماء، منهكة هي الأخرى للأطفال، مع القابلة للتلوث.
وهناك أكثر من 25 (حفير) بالمنطقة، لكن مشاكل (الحفائر)، تكمن في كونها لا تمتليء، في موسم أمطار بمعدلات منخفضة، هذا مع تسرب المياه إلى باطن الأرض، وبسبب إرتفاع درجات الحرارة، تتبخر أكثر من 25 % من كمية الماء، هذا إلى جانب إفتقار (الحقير) لسور يحميه من هجمات الثروة الحيوانية المرتدة عليه، لذلك تصاب المياه بالتلوث، مع جفافها هي الأخرى، بنهاية شهر أبريل من كل عام.
وتشير معلومات (العودة) بأن الحفير هو عبارة عن بركة كبيرة، تتراوح سعتها 30000 م3 فى غالب الأحوال، الغرض منها حفظ مياه الأمطار لاستغلالها في الصيف. الحفائر.
تصنف الأمم المتحدة، (منظمة الصحة العالمية) نموذجا، بأن الحفائر والآبار المحفورة يدويا غير المحمية، هي مصادر مياه غير صالحة لشرب الإنسان، بل تنتج عنها الكثير من الأمراض، كالإسهالات عند الأطفال والكوليرا.
(8)
ظل إنسان منطقة (الراوات)، يعاني، مع رحلة بحث دائمة ومضنية عن المياه ، يضطر خلالها لقطع مسافات طويلة، هذا مع نزوح مئات الأسر، لقضاء فترة الصيف بالقرب من مصادر المياه، مع وصول سعر (جركانة) الماء سعة (20 لتر) أكثر من 1000 جنيه سودانى (0.3 دولار).
هذا هو واقع الحال في منطقة (الراوات)، التي تحتاج لتدخلات عاجلة من الجهات المختصة، توفيرا للمياه، وتحقيقا للحلم، الذي طال إنتظاره لسنوات عجاف.

(9)
مع أجواء روحية مضيئة علما ومعرفة ، في قرية اسميت (العليقة الشيخ ود مضوي) ، تتنفس القرية القرآن الكريم بكرة وعشية، في خلاوى تأسست منذ قرون خلت، لتخرج الآلاف من حفظة كتاب الله، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
العليقة الواقعة شمال غرب مدينة كوستي، وتتبع إداريا، لمحلية قلي، تعاني من مشاكل مستمرة في الحصول على جرعة ماء، خاصة مع دخول الصيف، و جفاف الآبار التقليدية المحفورة هناك، مع تذبذب مياه الأمطار ونقصان مياه خزان المياه الوحيد (الحفير)، الخزان الذي تحصد فيه مياه الأمطار في فصل الخريف، لكنه يفتقر لعمليات التوسعة والنظافة، والتي تحتاج لميزانية ضخمة، ما يشكل عبئا ماليا كبيرا ، يفوق طاقة الناس هناك.
وفي زيارة ميدانية للصحيفة، لتلك المنطقة، لاحظت توقف البئر الإرتوازية الوحيدة المسماة (بير الحكومة) التي أنشأتها السلطات هناك في ستينيات القرن الماضي، لكنها توقفت قبل أربعة عشر عاما، حيث كانت البئر تمثل سقيا بديلة، للحيوان وأعمال البناء والتشييد والمنزلية، لأكثر من (50) ألف نسمة، لأنها مياه مالحة، ولكونها تقع في حزام مالح بالطبع.
إجتهدت اللجان الشعبية ومنظمة/جمعية العليقة الشيخ محمد (ود) مضوي التنموية في البحث عن حلول بديلة لمصادر المياه من (حفير) و (بئر)، من خلال إعداد دراسة لتوصيل خط مياه بطول ثلاثة عشر كيلومترا من محطة عوض الله التي أنشأتها إدارة مياه الشرب بالولابة مؤخرا، والتي تكفي لحل مشاكل المياه في عدد من القرى بمحلية قلي.
مع تفاقم معاناة الناس في البحث عن جرعة ماء صالحة للإنسان والحيوان، وجهود حكومية مبذولة لإنهاء المعاناة، تبقى السنوات المقبلة حبلى بإحداث إختراقات عملية في الملف، بما يوفر الحياة الكريمة لآلاف السكان في المدن القريبة والأرياف البعيدة.
(10)
غربي ولاية النيل الأبيض، تحيط عشرات القرى تتبع لمحلية تندلتي، التي تعاني هي الأخرى أزمة حادة في مياه الشرب، رغم وجود سد (الأعوج) بحاضرة المحلية، مدينة تندلتي ، السد الذي أسسته وحدة تنفيذ السدود الإتحادية قبل أكثر من عشر سنوات.
وسجلت عدسة الصحيفة إجتهاد متواصل من حكومة الولاية، في سباق مع الزمن، لإفتتاح محطة (أم كتيرات)، بمحلية تندلتي، المحطة التي إكتملت فيها الأعمال المدنية الكهروميكانيكية كافة، قد تسهم في إنهاء أزمة العطش الحادة التي تعاني منها المنطقة، لا سيما القرى النائية الواقعة ضمن ما يُعرف ب(مثلث) العطش، في تلك المناطق.
وكان مدير عام مياه الشرب بالولاية، المهندس الطيب كباشي، قال في تصريحات صحفية سابقة، أن مشروع مياه (أم كتيرات) يمثل طفرة تنموية، حيث يضم خزاناً بسعة 400 متر مكعب، ونظام ضخ متطور بالإضافة إلى مشروع الخطوط الناقلة الممول من بنك التنمية الإفريقي بطول 18 كيلومتر بالإضافة إلى إضافة آبار جديدة في منطقة (أم كتيرات) ما يسهم بشكل كبير في زيادة السعة الإنتاجية وتوفير حل جذري لمشكلة المياه بالمدينة.
وكان مدير ادارة المشروعات والتنمية بوزارة المالية بالولاية، فتح الرحمن موسى مساعد، قال
تكلفة الخط الناقل للمحطة بلغت 800 مليون جنيه، سيعقبه تنفيذ شبكة مياه داخلية بتمويل من بنك التنمية الأفريقي ومنظمة الهجرة الدولية.

(11)
وتكمن الحلول الجذرية لأزمة المياه في أرياف ومدن ولاية النيل الأبيضر في ضخ دماء جديدة في شرايين وحدة تنفيذ السدود الإتحادية، لتعود للحياة من جديد، لتعمل على شق قنوات أمل حقيقية، مع جهود ولائية مستمرة ، تمضي هي الآخر في تأسيس محطات مياه جديدة، وتنشئ شبكات توزيع واعدة، وتتبنى تقنيات أكثر حداثة لحصاد مياه الأمطار ، بدلاً من تركها تتسرب هباءً، فجرعة الماء في أرياف النيل الأبيض يجب أن تظل ترفاً يُسعى إليه، وشرياناً للحياة يتدفق بكرامة، ليعيد للريف نضارته، ولأهله سكينتهم، ولأطفاله حقهم في التمتع بنعمة المياه الصالحة للشرب.



