ما بين قبة ومشار والسافنا.. نقاط الالتقاء والخلاف

بقلم/ محمد فؤاد عيد ..

تضج الأسافير بأنواعها، سواء المكتوبة أو المسموعة، هذه الأيام بأخبار الانسلاخات والانشقاقات التي أخذت تتوالى من داخل جسم وكيانات مليشيات الدعم السريع، والتي أصبح نشاطها العسكري محصوراً في مناطق محدودة من أجزاء السودان الغربية. فالأسابيع الماضية حملت الكثير من المفاجآت المثيرة، حيث لم تعد الحرب السودانية مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين طرفين يتبادلان السيطرة على المدن والمواقع، بل تحولت تدريجياً إلى صراع معقد تتداخل فيه العوامل العسكرية والسياسية والاجتماعية والنفسية، الأمر الذي جعل أي تحرك داخل كيان الأطراف المتحاربة يحمل دلالات تتجاوز الحجم الميداني المعروف.

 

*انشقاق أم استسلام؟*

 

وفي هذا السياق، وفي خضم المشهد العسكري المتقلب، تصاعدت خلال الآونة الأخيرة الأحاديث بشأن عودة عدد من القيادات والمقاتلين إلى صفوف القوات المسلحة السودانية، بالتزامن مع تزايد التقارير التي تتحدث عن انسلاخات وتصدعات داخل بنية قوات الدعم السريع، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول طبيعة هذه التحولات، وما إذا كانت تندرج ضمن مناورات تكتيكية مؤقتة فرضتها تطورات الميدان، أم أنها تعكس إرهاصات مرحلة جديدة قد تحمل تغيرات جوهرية في مسار الحرب السودانية.

 

وربطت بعض التحليلات هذه الانشقاقات بالأحداث الدامية التي شهدها معقل دار المحاميد مؤخراً، عقب الهجوم الذي نفذته قوات الدعم السريع، والذي وُصف بأنه جريمة مكتملة الأركان، بعد أن استهدف رئيس مجلس الصحوة وزعيم كيان المحاميد داخل معقله، مخلفاً ضحايا من أفراد أسرته والمقربين منه. واعتبر مراقبون أن تلك التطورات ربما شكلت أحد الأسباب المباشرة لحالة التمل والتصدع داخل صفوف المليشيا، بوصفها إفرازات طبيعية لتصاعد حدة الصراع الداخلي وتنامي حالة الغضب وسط بعض المكونات القبلية والحاضنة الاجتماعية.

 

وفي هذا الإطار، برزت عودة الجنرال النور قبة إلى جانب القوات المسلحة السودانية.

 

*حال المليشيا بين الأمس واليوم*

 

في خطوة حملت دلالات سياسية وعسكرية لافتة، خاصة مع تبنيه الخطاب ذاته الذي ترفعه حكومة عبد الفتاح البرهان، والقائم على رفض أي تسوية أو حوار مع ما تصفه بميليشيا آل دقلو، والتأكيد على خيار “الاستسلام دون شروط” باعتباره المخرج الوحيد للأزمة. كما أثارت التصريحات والاعترافات التي أدلى بها النور قبة اهتماماً واسعاً، لا سيما حديثه حول الجهة التي بدأت الحرب وأطلقت الرصاصة الأولى، فضلاً عن توصيفه للتحولات التي طرأت على واقع المليشيا، والفارق الكبير بين صورتها بالأمس وما آلت إليه اليوم في ظل الخسائر والانقسامات المتلاحقة.

 

*عودة السافنا*

 

ولم يمضِ وقت طويل إلا وحملت الأخبار معالم انشقاق جديد آخر من قلب الفاشر، التي عانت فيها المليشيا ما عانت حتى تمكنت منها بعد طول حصار. حيث أعلن علي رزق الله المعروف بـ”سافنا” انسلاخه وانشقاقه الرسمي هو الآخر من صفوف المليشيا، والارتماء في حضن الجيش هو وجنوده وعتاده. وكلاهما قائدان تشهد الميادين القتالية بجرأتهما وكفاءتهما. وبالفعل طبقت المقولة التي تؤكد بأن حضن الوطن مفتوح بلا سقف.

 

وأكدت العديد من التسريبات والأخبار القادمة من فضاء وسهول الفاشر ونيالا أن الانشقاقات لن تقف عند هؤلاء، وستنساب رياحها العاتية لتشمل العديد من القيادات من داخل تلك المليشيا، وستكون هنالك انسحابات عديدة بالجند والعتاد تماماً كما حدث مع القائد السافنا. وهو أمر فتح الباب للتساؤل حول ما إذا كانت هذه التطورات مجرد تحركات تكتيكية عابرة من بعض القيادات داخل المليشيا لها مراميها وأهدافها، أم هي مؤشرات على بداية مرحلة جديدة في مسار الحرب السودانية.

 

ولعل أهل الاختصاص في العلوم العسكرية يدركون تماماً معاني أن ينسلخ جندي أو قيادي من جسم كان جزءاً منه، تلطخت يده واتسخت بما كانت تنادي به المليشيا وتفعله. فهو بالأمس كان يدين لها بالولاء، وله التأثير المشهود في جسمها العسكري وكذلك في ميدان المعركة.

 

*حالة التآكل داخل المليشيا*

 

والمعلوم أن أخطر ما يواجه أي قوة مسلحة غير نظامية ليس فقط الخسائر العسكرية، بل حالة التآكل الداخلي وفقدان الثقة بإمكانية تحقيق الحسم أو الاحتفاظ بالتماسك التنظيمي والعسكري لفترة طويلة. لذلك فإن أي انسلاخات داخل الدعم السريع، إن صحت واتسعت، قد تحمل تأثيراً نفسياً ومعنوياً يفوق أحياناً أثر المعارك المباشرة.

 

وتتعدد هذه التأثيرات، فهنالك إضافة للتأثير العسكري لا ننسى البعد النفسي والأمني والسياسي لهذا الانشقاق. وبالرغم من وضعه في خانة الخيانة في نظر الجانب الأصلي، إلا أنه يحمل جميع معاني الانتصار للجانب الآخر، وبطياته تزدحم تكاليف باهظة لها ميزانها الخاص عسكرياً واستراتيجياً. فالقيادات العسكرية تدرك كل الخطط والتحصينات العسكرية ونقاط القوة والضعف في كياناتها الأصلية، الأمر الذي سيؤدي بكل تأكيد لاختلال ميزان القوة في الميدان.

 

كما إنها قد تعمل على تشجيع انشقاقات أخرى وتغيير الولاءات، وذلك بدوره سيؤدي لانهيار الروح المعنوية، باعتبار أن الانشقاق دليل على فشل الشعارات التي من أجلها كانت سبباً في الاحتراب وعدم عدالة القضية وفشلها، الأمر الذي يولد اليأس. وهو كذلك دليل على فشل القيادة التي ينتمي لها الفرد، وبدوره يؤدي إلى التسليم بعدم الرغبة في الاقتال وتفشي حالة الفرار.

 

ولا يفوتنا أن نشير إلى أن القادة كثيراً ما يكونون مدركين لما يحدث في بواطن الأمور، ومعنى ذلك تسريب معلومات حساسة مما يمكن الخصم من توجيه ضربات قاصمة حاسمة. كما أن الانشقاق يزيد من حجم الاختراق داخل الغرف الحساسة للعدو.

 

*اختبار وتعامل باحترافية*

 

لا شك أن القوات المسلحة السودانية وجميع غرفها الاستخباراتية والعملياتية تقف أمام اختبار شديد الحساسية في كيفية التعامل مع هذا الكم الذي عاد مستسلماً ومنصاعاً لولائها وشعاراتها. وعليها أن تسعى في كيفية التكيف والتعامل باحترافية في إمكانية إعادة الدمج المدروس غير المتهور، وذلك سيمكنها بالطبع من اغتنام فرصة كيفية تفكيك البنية الداخلية والعسكرية لخصمها الدعم السريع.

 

وهذا بالطبع يتطلب عدم الاستيعاب العشوائي أو التصديق بكل ما أتى به هذا العائد من قصص وما يحمله من ملفات. ذلك لأن السودان اليوم لا يعيش فقط حرباً عسكرية، بل يعيش أيضاً حرب شرعية من أجل إعادة تشكيل الدولة نفسها وبقائها. لذلك ينبغي أن يكون الهدف هو كيفية الاستفادة من مثل تلك الانشقاقات لتكون لبنة من أجل تفكيك التركيبة العسكرية للعدو وخلتها، بما يضمن عدم إطالة أمد الحرب، لتكون مثل هذه الانسلاخات بداية النهاية لمرحلة عسكرية مريرة عاشتها البلاد.

 

وأنا مع الرأي الذي ينادي بالتروي وعدم الاستعجال في التعامل مع كل منشق أو منسلخ باعتباره فاتحة خير وعلامة انتصار، بالرغم مما تحمله من دلالات. لكن التريث والنظر بعين الريبة والحذر أيضاً مطلوبان، والتاريخ يؤكد ما ذهبنا إليه.

 

*تجارب قرن مضى*

 

ففي تسعينات القرن الماضي حدثت كذلك مثل تلك الانشقاقات عندما كانت الحرب في أوجها بين القوات المسلحة السودانية والحركة الشعبية بقيادة العقيد جون قرنق. حينها اختار الدكتور رياك مشار والأستاذ الهندسة بجامعة الخرطوم الدكتور لام أكول الدخول في تفاهمات مع حكومة الخرطوم آنذاك، وهو ما منح الدولة مكاسب سياسية وعسكرية مهمة في مواجهة الحركة الشعبية، عبر إضعاف وحدة خصمها وتشتيت جزء من قواه البشرية والميدانية.

 

لكن في المقابل، لم يؤد ذلك إلى إنهاء الحرب بصورة نهائية، بل ساهم أحياناً في إعادة إنتاج الصراع بأشكال أكثر تعقيداً، نتيجة هشاشة التفاهمات ومعرفة الغايات وتضارب المصالح. والتجربة التاريخية تؤكد مثل تلك التحذيرات، حيث إن تلك الانشقاقات التي كانت حينها كانت مؤقتة بطبيعتها، وتحكمها موازين القوة والظروف الميدانية أكثر من كونها تحولات فكرية أو سياسية مستقرة. لم تستفد منها الدولة، ولذلك فإن بعض القوى التي تحالفت معها آنذاك عادت لاحقاً إلى التمرد. وهي تجارب قد تؤكد أن الانقسامات الولائية أو الانشقاقات داخل أي جسم مسلح يحارب الدولة الشرعية قد تمنح الدولة تفوقاً مرحلياً، لكنها قد لا تسهم في حسم الحرب أو تحقيق الاستقرار.

 

*غنائم استراتيجية*

 

ولذلك السؤال الحقي الذي يتبادر للذهن: هل ستؤدي هذه الانشقاقات إلى إضعاف الدعم السريع؟ وهل ستتمكن القيادة العسكرية من توجيه تلك الانقسامات وتحويلها إلى غنائم استراتيجية تستطيع من خلالها حسم الصراع لمصلحتها؟

 

فالبلاد الآن ليست في حاجة إلى تحالفات مؤقتة تنتج أزمات أخرى من جديد بدلاً من إنهائها. نعم، الانشقاقات قد ترجح كفة ميزان الميدان وموازين الحرب، لكنها لا تصنع السلام. لذلك القوات المسلحة السودانية قد ترى في عودة بعض القيادات والمقاتلين فرصة استراتيجية لاستنزاف الدعم السريع وإضعاف تماسكه الداخلي، تماماً كما استفادت حكومة الخرطوم سابقاً من انقسامات الحركة الشعبية.

 

لكن لابد من صنع الآلية التي من خلالها يمكن أن توظف تلك الانشقاقات لمصلحة الميدان العسكري. ولعل الشك هنا مطلوب قبل اليقين والتسليم. وينبغي أن تكون هنالك لجان متخصصة تضم كل أهل الاختصاص للتقصي ودراسة كل حالة انقسام أو انشقاق على حدة من حيث الدوافع والغايات. فالبلاد أصبحت لا تحتمل تعدد الجيوش والقيادات التي تجر خلفها عشرات الجنود لغايات وأهداف بعيدة عن مصلحة البلاد وأهلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى