حين تستسلم البنادق .. الجزء الثالث: لا سلام مستقر بلا آلية تحفظ حق الضحية

البعد الخامس
بقلم: صباح المكي
bitalmakki@gmail.com
من العدالة الانتقالية إلى جبر الضرر ومنع إعادة تدوير العنف
في الجزءين السابقين، كان السؤال الأول عن الاستيعاب: لماذا قد تلجأ الدولة إلى استيعاب بعض من حملوا السلاح ضدها؟ وكيف يمكن أن يكون ذلك أداة لتفكيك الميليشيا، وشق صفوفها، وسحب السلاح والخبرة والقدرة التنظيمية من يدها، لا دليلًا بالضرورة على التواطؤ أو التراخي؟
ثم جاء السؤال الأكثر حساسية: إذا كانت الدولة تقول إنها لم تعفُ عن الحق الخاص، فهل يكفي هذا القول؟ وهل يصبح حق الضحايا محفوظًا بمجرد إعلان عام، أم أن حفظه يحتاج إلى آلية واضحة، ونيابة حاضرة، ومسارات بلاغ معلنة، وحماية للشهود، وسجل للانتهاكات، وربط قانوني بين أسماء المستسلمين وملفات الجرائم؟
غير أن المسألة لا تقف عند حدود البلاغ والمحاكمة وحدهما. فالدولة الخارجة من الحرب لا تحتاج فقط إلى إسكات البنادق، بل إلى منع عودة العنف بأشكال جديدة. ولا تحتاج فقط إلى استيعاب بعض المقاتلين، بل إلى جبر ضرر الضحايا، وإغلاق اقتصاديات الحرب، ومراقبة شبكات التجنيد، وتحويل خبرة الحرب من خطر قابل للتدوير إلى مسار مدني ومؤسسي منضبط.
فلا سلام مستقر بلا عدالة مرئية. ولا مصالحة حقيقية إذا بقي الضحية وحده، يحمل ذاكرته وخوفه وملفه المفتوح، بينما تمضي الترتيبات السياسية أو العسكرية من دون أن تسمع صوته.
*أولًا: تجارب مقارنة: الحق الخاص لا يُترك بلا مؤسسة*
لا تُستدعى التجارب العالمية هنا لتكرار سؤال الإدماج الذي عالجه الجزء الأول، بل لإبراز جانب آخر لا يقل أهمية: كيف تُمنح الضحية طريقًا رسميًا إلى الحقيقة والإنصاف؟ فالدول الخارجة من العنف لا تكتفي، حين تكون جادة، بإعلان أن الحقوق محفوظة، بل تنشئ مسارات للتوثيق، والشهادة، والمراجعة، وجبر الضرر، ولو بقيت هذه المسارات ناقصة أو موضع نقد.
في جنوب أفريقيا، لم تكن لجنة الحقيقة والمصالحة مجرد عنوان سياسي للمصالحة، بل منصة علنية سُمعت فيها شهادات الضحايا ووُثقت فيها الانتهاكات، وربطت العفو بالاعتراف الكامل بما وقع. ورغم ما وُجّه إلى التجربة من انتقادات، فإن قيمتها أنها جعلت الضحية جزءًا من الذاكرة الرسمية، لا هامشًا خارج التسوية.
وفي نيبال، ورغم تعثر العدالة الانتقالية وطول أمدها، ظل ملف الضحايا حاضرًا عبر لجان، وآليات ومحاولات توثيق ومراجعة. لم تكن التجربة مكتملة، لكنها تكشف أن وجود مسار، ولو ناقصًا، يمنح الضحايا نقطة ارتكاز للمطالبة والتصحيح، بدل أن يبقى الحق الخاص معلّقًا بلا جهة أو سجل أو عنوان.
أما كولومبيا، فقد جعلت حقوق الضحايا جزءًا من بنية العدالة الانتقالية بعد اتفاق السلام مع حركة فارك المتمردة عام 2016. لم يكن الضحايا خارج العملية، بل شاركوا عبر التقارير والشهادات والمطالبات، وأصبح حضورهم مرتبطًا بالحقيقة، والاعتراف، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار.
هذه النماذج لا تقول إن العدالة بعد الحروب سهلة أو مكتملة، لكنها تؤكد أن حفظ حقوق الضحايا يحتاج إلى مؤسسات، لا إلى عبارات عامة. فالآلية قد تُنتقد وتُراجع وتُطوّر، لكنها تبقى شرطًا أوليًا حتى لا يتحول الحق الخاص إلى مسؤولية فردية ينهض بها الضحية وحده في مواجهة الخوف، والفقر، والنزوح، وفقدان الأدلة.
*ثانيًا: إرث اللجان المؤجلة في السودان*
في السودان، لا يمكن الحديث عن العدالة الانتقالية وكأنها وعد جديد أو صفحة بيضاء. فقد عرف التاريخ السياسي الحديث للبلاد نمطًا متكررًا: كلما سقطت حكومة، أو تبدّل نظام، أو أُعلنت مرحلة انتقالية، ظهرت لجان باسم التحقيق أو المحاسبة أو العدالة الانتقالية. غير أن كثيرًا من هذه اللجان انتهى إلى تقارير محدودة الأثر، أو توصيات لم تُنفذ، أو ملفات بقيت معلقة حتى طواها تبدل السلطة وتراكم الأزمات.
ومع الوقت، صار مفهوم تكوين اللجان، في الوعي العام، مرتبطًا لا بتحقق العدالة، بل بتبريد القضايا، وإطالة الزمن، وتفريغ الغضب، ثم ترك الملفات حتى تُنسى أو تُدفن تحت ضغط السياسة. وهنا تكمن خطورة أن تتحول العدالة الانتقالية من مسار لكشف الحقيقة والمحاسبة إلى أداة لإدارة الذاكرة وتغييبها.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس لجنة جديدة تُضاف إلى أرشيف الوعود، بل آلية عدلية تنفيذية واضحة: نيابات مختصة، صلاحيات معلنة، سجل وطني للضحايا، حماية للشهود، آجال زمنية، شفافية في المتابعة، وحق للضحايا في معرفة مصير ملفاتهم. فالعدالة الانتقالية لا تصبح عدالة بمجرد تسميتها كذلك؛ إن لم تكشف الحقيقة، وتفتح طريق المساءلة، وتجبر الضرر، وتضمن عدم التكرار، فإنها تتحول من أداة لحفظ الذاكرة إلى وسيلة لتغييبها.
*ثالثًا: كولومبيا وسوق العنف العابر للحدود*
تمنح كولومبيا درسًا إضافيًا بالغ الأهمية: فالحرب لا تنتهي دائمًا داخل حدودها. حين تُنتج الدولة أعدادًا كبيرة من الرجال المدرّبين على القتال، ثم تفشل في تحويل هذه الخبرة إلى مسارات مدنية ومؤسسية منتجة، تظهر سوق موازية تتعامل مع المهارة العسكرية كسلعة قابلة للبيع وإعادة التوظيف.
ومن هنا يمكن فهم ظاهرة العسكريين الكولومبيين السابقين الذين جرى تجنيد بعضهم للقتال في السودان إلى جانب ميليشيا الدعم السريع، وفق ما ورد في عقوبات وتقارير أمريكية عن شبكات تجنيد عابرة للحدود. هذه الظاهرة لا تعني أن العدالة الغائبة وحدها تصنع المرتزقة، ولا أن كل من قاتل في الخارج خرج من تجربة واحدة أو دافع واحد. لكنها تكشف أن الحرب، حين لا تُغلق مؤسسيًا واقتصاديًا وقانونيًا، تترك وراءها فائضًا من الخبرة القتالية القابلة للبيع، خصوصًا في بيئات يختلط فيها الفقر بضعف الرقابة، والفساد المؤسسي بغياب المحاسبة، والمحسوبية بانسداد البدائل المدنية، ويُترك فيها المقاتلون السابقون أو العسكريون المسرّحون بلا مسار وطني واضح.
وبذلك تصبح كولومبيا مثالًا مزدوجًا: فمن جهة حاولت ربط السلام بالعدالة الانتقالية وحقوق الضحايا، ومن جهة أخرى تكشف أن أي عملية سلام لا تكتمل إذا لم تُغلق اقتصاديات الحرب وشبكات التجنيد، ولم توفر للمقاتلين السابقين والعسكريين المسرّحين بدائل حقيقية تمنع إعادة توظيفهم في العنف.
وهذا درس مباشر لأي دولة خارجة من الحرب: الإدماج ليس مجرد قرار عسكري، بل مشروع طويل لمنع عودة العنف بأسماء وأسواق جديدة. فحين لا تُحوَّل خبرة الحرب إلى مسار وطني منضبط، قد تتحول إلى سلعة في سوق العنف العابر للحدود. وحين لا تُغلق شبكات الحرب، قد تعود الحرب نفسها في صورة مختلفة: شركة أمن، أو تجنيد خارجي، أو ميليشيا جديدة، أو اقتصاد ظل يتغذى على السلاح.
*رابعًا: كيف نوازن بين دعم الجيش والمطالبة بالعدالة؟*
هذا سؤال حساس، لكنه ضروري. فالوقوف مع الجيش في معركة استعادة الدولة لا يعني الصمت عن حقوق الضحايا، ولا تعطيل الأسئلة القانونية والأخلاقية التي تفرضها مرحلة ما بعد الحرب. بل على العكس، فإن أقوى دفاع عن الجيش والدولة هو المطالبة بأن تكون إجراءات الاستيعاب منضبطة بالقانون، لأن المؤسسة الوطنية لا تُحمى بالتبرير المطلق، بل بإبعادها عن أي شبهة إعادة تدوير للجناة.
ينبغي القول بوضوح إن الجيش قد يحتاج، في منطق الحرب، إلى استيعاب بعض المستسلمين لتفكيك الميليشيا وتسريع انهيارها. لكن هذا الاستيعاب يجب أن يكون مشروطًا، ومؤقتًا، وخاضعًا للفرز، وغير مانع للمساءلة. فالخطر ليس في الاستيعاب ذاته، بل في غياب المعايير. وليس الخطر في أن يعود مقاتل سابق إلى الدولة بعد أن يسلّم سلاحه، بل في أن يعود إليها من ارتكب جرائم ضد المدنيين من دون تحقيق، أو أن يشعر الضحايا بأن الدولة انتصرت عسكريًا لكنها تركتهم وحدهم أمام جراحهم.
الدولة التي تريد أن تستعيد احتكار السلاح يجب أن تستعيد أيضًا احتكار العدالة. فالسلاح بلا عدالة قد ينهي معركة، لكنه لا يبني سلامًا. والعدالة بلا قدرة أمنية قد تبقى حلمًا عاجزًا. لذلك لا بد من الجمع بين الاثنين: الحسم الذي ينهي الميليشيا، والآلية التي تحفظ حقوق الناس.
ومن هنا، فإن المطالبة بحقوق الضحايا ليست تشكيكًا في الجيش، ولا انتقاصًا من معركة استعادة الدولة، بل جزء من حماية شرعية الدولة نفسها. فالمؤسسة التي تنتصر باسم الشعب يجب أن تحرص على ألا يشعر الضحايا بأن انتصارها تركهم خلفه. وكلما كانت الدولة أكثر وضوحًا في حماية الحق الخاص، كانت أكثر قدرة على تثبيت الثقة بينها وبين المجتمع.
*خامسًا: الخطر الأكبر هو تحويل الضحية إلى صاحب عبء*
من أكثر صور الظلم بعد الحروب أن يقال للضحية: حقك محفوظ، ثم يُترك وحده. فهذا يضاعف الجرح. فالضحية لم تكن طرفًا متساويًا في الحرب، ولم تكن تملك السلاح أو الحماية، ولم تختر أن تفقد بيتها أو أهلها أو كرامتها. لذلك لا يجوز أن تتحول بعد الحرب إلى الطرف الأضعف مرة أخرى داخل مسار العدالة.
الحق الخاص لا ينبغي أن يكون عبئًا فرديًا فقط. نعم، صاحب الحق هو من يطالب، لكن الدولة هي التي تفتح له الطريق، وتحميه، وتوثق شهادته، وتوفر له الجهة التي يسمع فيها صوته، وتمنع أن يتحول خوفه أو فقره أو نزوحه إلى سبب لسقوط حقه عمليًا.
فإذا كان المواطن لا يستطيع الوصول إلى القضاء، أو لا يستطيع إثبات الجريمة، أو لا يعرف أين يقدم البلاغ، أو يخشى الانتقام، فإن القول بأن حقه محفوظ يصبح ناقصًا. فالحق لا يكون محفوظًا إلا إذا كان قابلًا للوصول، والحماية، والتنفيذ.
والأخطر أن ترك الضحايا وحدهم قد يخلق ذاكرة مريرة، لا ضد الجناة وحدهم، بل ضد الدولة التي قالت لهم إن حقهم محفوظ ثم لم تضع لهم طريقًا إليه. وفي المجتمعات الخارجة من الحروب، تتحول الذاكرة غير المنصفة إلى بذرة غضب، والغضب غير المعالج إلى أزمة ثقة، وأزمة الثقة إلى خطر سياسي واجتماعي طويل المدى.
*سادسًا: من جبر الضرر إلى ضمان عدم التكرار*
لا يمكن اختزال الحق الخاص في العقوبة وحدها. فالعدالة التي تحتاجها المجتمعات الخارجة من الحرب ليست مجرد محكمة تنطق بالحكم، بل مسار أوسع يعترف بما وقع، ويعيد للضحايا جزءًا من كرامتهم، ويعوضهم قدر الإمكان، ويمنع تكرار الانتهاكات.
جبر الضرر ليس ترفًا قانونيًا، بل جزء من إعادة بناء المجتمع. فالأسر التي فقدت أبناءها تحتاج إلى اعتراف ودعم، والمواطن الذي نُهب بيته يحتاج إلى تعويض أو استرداد، والمرأة التي تعرضت لانتهاك تحتاج إلى حماية وعلاج وسرية وعدالة، والطفل الذي شهد العنف يحتاج إلى تأهيل، والمناطق التي تعرضت للتهجير أو الحرق تحتاج إلى إعادة بناء، لا إلى خطابات سياسية فقط.
لذلك، فإن آلية الحق الخاص يجب ألا تكتفي بفتح البلاغات، بل يجب أن تربط بين التوثيق، والتحقيق، والتقاضي، والتعويض، والدعم النفسي والاجتماعي، وإعادة الممتلكات، وإعادة بناء الثقة. فالعدالة ليست انتقامًا، بل إعادة ترتيب للعلاقة بين الدولة والمواطن، على أساس أن ما وقع لن يُمحى بالتجاهل، ولن يُكافأ بالصمت، ولن يُدفن تحت عنوان الضرورة العسكرية.
ومن هنا، لا تكون المصالحة حقيقية إذا لم تقم على الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار. فقد توقف المصالحة الشكلية الغضب مؤقتًا، لكنها لا تعالج جذوره. وقد تُرضي السياسة، لكنها لا تُنصف الذاكرة.
وضمان عدم التكرار ليس عبارة نظرية في أدبيات العدالة الانتقالية، بل سؤال عملي: كيف نضمن ألا يعود السلاح خارج الدولة؟ كيف نمنع إعادة إنتاج الميليشيا بأسماء جديدة؟ كيف نغلق شبكات التمويل والتجنيد؟ كيف نراقب من جرى استيعابهم؟ كيف نحمي المجتمع من عودة الجناة إلى مواقع سلطة أو نفوذ؟ وكيف نمنع أن تصبح التسوية العسكرية بوابة لاستئناف العنف لاحقًا؟
فالدولة التي تنهي الحرب من دون أن تفكك أسبابها لا تبني سلامًا، بل تؤجل انفجارًا جديدًا. وإذا كان الاستيعاب قد يساعد على إنهاء التمرد، فإن العدالة وحدها تمنع أن يتحول المستوعبون غير المفروزين، أو الشبكات التي نجت من المحاسبة، إلى بذرة حرب قادمة.
*خاتمة: لا سلام مستقر بلا آلية تحفظ حق الضحية*
إن القول بأن الدولة لم تعفُ عن الحق الخاص خطوة مهمة، لكنها ليست نهاية السؤال، بل بدايته. فالحق الخاص لا يكفي أن يبقى محفوظًا في النصوص أو التصريحات، بل يجب أن يكون قابلًا للوصول، والحماية، والتنفيذ. وهذا لا يتحقق بترك المواطن وحده في مواجهة ذاكرته وخوفه وفقره ونزوحه، بل بوجود مؤسسات حاضرة، ومسارات بلاغ واضحة، وسجل للضحايا، وحماية للشهود، وربط قانوني بين الاستيعاب العسكري وملفات الانتهاكات.
الدولة القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على هزيمة الميليشيا، بل بقدرتها على أن تمنع انتصارها العسكري من أن يتحول إلى خيبة أخلاقية لدى الضحايا. والجيش، بوصفه مؤسسة الدولة، لا يُضعفه أن تُطالب الدولة بآلية عدالة، بل يقويه أن تكون عودته إلى كل شبر من البلاد مرتبطة بعودة القانون، وعودة الحق، وعودة الثقة بين المواطن والمؤسسة.
فالاستيعاب قد يكون أداة لإنهاء التمرد، أما العدالة فهي الأداة الوحيدة لمنع تكراره. ومن دون آلية واضحة تحفظ الحق الخاص، سيبقى السؤال معلقًا في ضمير المجتمع: هل عاد السلاح إلى الدولة، أم عاد بعض الجناة إلى مأمن جديد؟
ولذلك، فإن الطريق الصحيح ليس رفض الاستيعاب بالمطلق، ولا قبوله بالمطلق، بل ضبطه بالمعايير: نزع السلاح، الفرز، التحقيق، حماية الشهود، توثيق الانتهاكات، جبر الضرر، إغلاق اقتصاديات الحرب، ومنع إعادة توظيف الخبرة القتالية في العنف. عندها فقط يمكن للدولة أن تقول بثقة إن الحق الخاص محفوظ، لا في النصوص وحدها، بل في الواقع أيضًا.



