حكومة “أم باقة”

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
ولعله من أكثر مظاهر السوء “المليشيوي” في هذه الحرب، وما أكثره، هي طريقة إدارة الحرب والمعارك بطريقة تشبه إلى حد كبير “المقاولة”، إذ توكل المهام لمجموعات عسكرية عرفت في ثقافة حرب أبريل بقوات “أم باقة”، وهي مجموعات شبه عسكرية مسلحة بأسلحة خفيفة أو متوسطة، عادة ما تستخدم الدراجات النارية، وتأتمر بأوامر شخصيات محددة، ولا ترتبط تنظيمياً بقيادة المليشيا إدارياً، و”الغنائم” هي رواتبها ودافعها للقتال.
والمقاربة هنا بالضرورة في الطريقة اللامؤسسية التي يصدر بها قرار الحرب وخوض المعارك، وطريقة صدور قرارات حكومة أطلق عليها في بيان التأسيس الأول حكومة الأمل.
بالنسبة للمليشيا، لم تستطع أن تخفي أنها كانت قد حققت مكاسب محدودة على يد تلك القوات “أم باقة” في مقابل تخفيف عبء الصرف المادي على الرواتب و”التشوين”، عوضاً عن تقليل الخسائر في “القوة الصلبة” في المقدمات القتالية.
بشكل شبه يومي ومستمر أصبحت قرارات السيد الدكتور كامل إدريس تتصدر المشهد العام، وتكتب في صدر ما تنشره الصحافة، وهي قرارات بطبيعتها قرارات “تنفيذية”، في ظاهرها بالتأكيد هي تخاطب مشكلات وجدها السيد رئيس الوزراء بين يدي زياراته الميدانية، وما أكثرها في الفترة الأخيرة.
السيد رئيس حكومة “الأمل” زار ميدانياً سوق بحري وسعد قشرة، وأثناء تجمع مواطنين أصدر التوجيهات بإعادة خدمات المياه والكهرباء للسوق والصرف الصحي بشكل فوري.
ونقلت الصورة أيضاً التفافاً حول السيد رئيس الوزراء عند زيارته لأسواق الخرطوم، ليوجه بإعادة إنارة شارع الحرية، وأجاب على تساؤلات التجار بخصوص شكواهم من الجبايات والضرائب التي سماها بغير القانونية، ووجه مباشرة بعدم دفعها والتعامل مع الموظفين، مضيفاً إليها “الزكاة”، وسط تهليل وتكبير من المواطنين.
تكرر ذات الأمر عندما سمعت حكومة الأمل بأن المواطنين السودانيين العائدين من مصر عبر معبر أرقين صاروا تحت رحمة “مزاج” موظف صغير في المحلية التي يتبع لها المعبر، ففرض عليهم وعلى سائقي البصات ضريبة، فقام بإلغائها بقرار ميداني عند زيارته بخصوص هذا الموضوع.
ولأن معارك هذه القرارات لا تنتهي، أصدر السيد رئيس حكومة الأمل قراراً بتشكيل “لجنة قومية” للتعليم عندما ارتفع صوت إضراب المعلمين في عدد من الولايات.
وعلى ما يبدو، فإن أي جهة صارت تبحث عن حلول مباشرة لمشكلاتها أصبحت تخاطب مكتب رئيس الوزراء لترتيب زيارة ميدانية، كما حدث في الميناء البري الخرطوم والسوق المركزي.
(*) باب للأسئلة..
والموضوعي هنا ليس مناقشة جدوى هذه القرارات من عدمه، بقدر ما أن تسمية “الأمل” لحكومة الحرب أعطت انطباعاً ببداية بناء دولة المؤسسات والعمل الحكومي المبني على “الخطط”، والذي يشرف عليه “تكنوقراط” يحفظون “لوح” التفويض الدستوري والوزاري، وقلمهم الأخضر يعرف ألف باء تسلسل القرارات وحدود الصلاحيات.
نحن هنا لنناقش تعارض طريقة صدور هذه القرارات مع فكرة دولة المؤسسات، وأن كل هذه القرارات التنفيذية هي بالأساس تقع ضمن نطاق وخارطة مسؤولين سمتهم الدولة نفسها، أما ولاة لولايات أو وزراء ومسؤولين اتحاديين كانوا أو ولائيين.
“غنائم” الوظائف ومحاصصات الوزارات التي تعفي والي مثل السيد أحمد عثمان حمزة، والي ولاية الخرطوم، من متابعة إعادة الخدمات في أسواق تتبع لواحدة من محليات ولايته، تجعلنا نسأل: ما هي جدوى إثقال كاهل الحكومة بهذه الوظائف المكلفة إذا كانت قضايا مثل الخدمات تحل بالزيارات الميدانية للسيد رئيس الوزراء؟ وهل هناك ما يمنع الوالي من القيام بذات الجولات وإصدار القرارات والتوجيهات للمسؤولين في المستويات الأدنى؟
ثم السؤال يأتي أيضاً: إن كان العائق فقط أمام عودة الخدمات هو صدور قرار وتوجيه مباشر كالذي صدر من رئيس الوزراء، فما الذي يقوم به السيد الوالي أهم من متابعة تفاصيل الحياة اليومية في ولايته؟
تنفيذ مثل القرارات أعلاه وعودة الخدمات بناء على التوجيه الصادر من رئيس الوزراء يعطي انطباعاً بضعف قرارات الوالي أو عدم قدرته على متابعة مسؤولياته، إن لم يكن ذلك نتاج عدم معرفة بالمشكلة من أساسها.
تناسل مثل هذه القرارات لا يجرنا فقط إلى خيط عدم المؤسسية في الأداء الحكومي، بل يدفع بالشكوك في صحة وسلامة الميزانيات المرصودة لمعالجة مثل مشكلات الخدمات، والطعن في مصداقيتها، لأن أي قرار يصدر بهذه الطريقة من الواضح أنه لم يكن مبنياً على خطة صرف مالي محددة، وأن هنالك أكثر من أزمة وقضية متعلقة باحتياج المواطن، ورصد لها نصيب من المال العام، لم تجد طريقها للمعالجة بسبب أنها لم تشملها جولات السيد رئيس الوزراء الميدانية.
“أم باقة” في ثقافة حرب أبريل يرمز بها إلى قوة التدخل المباشر في الميدان دون التقيد بأي تسلسل إداري يعقد القرار.
قد يرى البعض بأن هذه الطريقة هي المقابل الموضوعي لأمراض “بيروقراطية” الجهاز الحكومي، ودلالة على اهتمام رأس الدولة والحكومة بالتدخل السريع لحل الأزمات، وأنها طريقة فعالة تضع الجهاز الحكومي في خدمة المواطن، وإن اتفقنا جدلاً مع هذا المنطق، فإن هنالك ضرورة لإعفاء خزانة الدولة من عبء الصرف الكبير على الجيش الجرار من الولاة والموظفين الذين يجلسون على الكراسي دون أعباء، ولا يعلمون بأن هنالك خدمات يستحقها المواطن.
ولكن هذا منطق لا يقف على قدمين، ومنهج لا يتسق مع منهج دولة المؤسسات التي لطالما تحدث بها رئيس الوزراء نفسه، ولا يليق بحكومة يراد منها أن تعطي الأمل في بناء دولة تقوم على التخطيط والرقابة.
مثل قرارات “أم باقة” هذه لا تعطي المجال حتى لتقييم الأداء الحكومي للمسؤولين والموظفين التنفيذيين، فعندما تعود الخدمات على سبيل المثال في سوق بحري وسعد قشرة بعد قرار السيد رئيس الوزراء، هل يحسب هذا نجاحاً ضمن النجاحات “المزعومة” للسيد الوالي المعين، على الرغم من أنه كان يجلس على مقاعد المتفرجين ينتظر زيارة السيد رئيس الوزراء ليحل بقراراته مشكلات هي من صميم مسؤولياته، أم هي تعبير عن الفشل في أداء المهام؟
على صعيد الحرب لم تقدم “أم باقة” انتصارات استراتيجية للمليشيا، بل كانت سبباً في تعبئة سجلها بالمزيد من الانتهاكات والخسائر في كل المحاور، وكذا الحال في مثل هذه القرارات، فهي تعطي النموذج المشوه لحكومة ينتظر منها الأمل وبناء دولة المؤسسات.
هذه الطريقة في القرارات تقودنا إلى تضخيم دور الفرد على حساب دور الأجهزة والمؤسسات، وهي طريقة يحول فيها المسؤولون من أصحاب قرار إلى مجرد ناقلين له، وهي بالضرورة يحبذها المسؤولون الكسالى وقليلو الحيلة، وما أكثرهم الآن داخل الجهاز الحكومي.
وبالضرورة فإن المسؤول الحكومي أو الوالي الذي لا يملك أدوات وأجهزة متابعة تمكنه من اكتشاف مواضع الخلل والحاجة لإصدار القرارات، وينتظر زيارات رئيس الحكومة الميدانية لتكشف المستور، بالضرورة لا يملك أدوات المتابعة لتنفيذ القرارات الصادرة ومدى الالتزام بتنفيذها، وكم من قرار بهذه الشاكلة “انتهى العزاء فيه” بانتهاء مراسم زيارة رئيس الوزراء، وبعد أخذ “لقطة” الخطاب الشعبوي.
منطق “الحوكمة” في حكومة الأمل يحتاج إلى دولة المؤسسات والخطط وأدوات التقويم والتقييم والمسؤوليات، بعيداً عن الارتجال وخبط عشواء “أم باقة”، والذي لا يجلب إلا الضرر.



