الأبيض .. كلاكيت العنف والانتهاكات المحتملة ..

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

“لقد رأينا هذا السيناريو من قبل. ولا يمكننا السماح بتكرار الفظائع التي كان من الممكن منعها، والتي وثقناها في الفاشر ومخيم زمزم للنازحين في شمال دارفور العام الماضي. فالمدنيون يواجهون خطرًا جسيمًا في ظل غياب إجراءات تحول دون وقوع هجوم وشيك أو مزيد من التصعيد العسكري” …

وهذا هو تلخيص ما جاء على لسان المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة السيد/ فولكر تورك، والذي يأخذنا إلى تحذيرات متطابقة كان قد أطلقها الأمين العام أنطونيو غوتيريش في ذات السياق، بأن هنالك احتمالات كبيرة بحدوث انتهاكات في الأبيض.

هذه التصريحات، مقروءة مع الواقع وعلى ضوء السيناريو المتطابق الذي ظلت تتبعه المليشيا في حربها على المواطنين والمدن، فإن ما يحدث هذه الأيام في مدينة الأبيض من قصف مكثف بالمسيرات، راح ضحيته عدد من المدنيين، هو قائم على فكرة إخلاء المدينة المستهدفة من المدنيين وتضييق الخناق عليها لفترات طويلة قبل الاجتياح البري الذي تصحبه موجة من الانتهاكات وعمليات السلب والنهب.

توازي هذه الممارسة العسكرية موجة من العمل الإعلامي وغرف صناعة الخوف التفاعلية لتهيئة الأجواء التي تخدم عملية الهجوم بسلاح “الإشاعة”.

هذا يُقرأ أيضاً مع البيان الصادر عن ائتلاف منع الفظائع وتحقيق العدالة في السودان، والذي خاطب مليشيا الدعم السريع داعياً إياها إلى عدم تكرار ما حدث من عنف في الفاشر وبابنوسة، والذي يقودنا إلى مجموعة أسئلة حول كيف يرى المجتمع الدولي كل ما يحدث في السودان، وهل صار من المجدي أن تتوقف قدرة المجتمع الدولي في حدود شجب وإدانة ما حدث والتحذيرات والرجاءات بألا يتكرر ما حدث؟

(*) الأبيض في دائرة الإنذار الدولي المبكر ..

وبضرورة الأحوال، لا يمكن على الإطلاق التعامل ببراءة مع هذه البيانات والتحذيرات، بل ويمكن النظر إليها بعين خدمتها لتهيئة أجواء التخويف وضرب الحالة النفسية التي تتطلبها الحرب النفسية في الأبيض.

ظل المجتمع الدولي بكافة مكوناته يتفرج لمدة عام كامل على ما يحدث في معسكر زمزم والفاشر من فظائع، دونما أن تحرك هذه التحذيرات ساكن أدوات وآليات المنظمات الدولية لتغيير واقع شهدته هذه المناطق، فما الذي يمكننا أن نتوقعه أن يتغير بتحذيرات المفوض السامي أو الأمين العام للأمم المتحدة، إضافة إلى 21 دولة أوروبية لا تريد شيئاً غير “تبييض” وجهها أمام الرأي العام وإخلاء مسؤوليتها من الانتهاكات التي حدثت؟

ها هو المجتمع الدولي في “كلاكيت” مدينة الأبيض يستخدم ذات “الوصفة” التي لا تجدي نفعاً مع الانتهاكات والفظائع التي ترتكبها المليشيا متى ما دخلت قواتها إلى مدينة من المدن، وكأنما هي تلعب دورها المحفوظ، وهي تعلم بأن هذه البيانات والتحذيرات صارت لا تهز شعرة في مفرق رأس المنتهكين، ولا تشكل الرادع لهم حتى يتراجعوا عما هم عازمون عليه في الأبيض.

تسمية ما حدث في الفاشر بجرائم حرب وانتهاكات، والتحذير المبكر من تكراره في الأبيض، لا يشكل الإدانة المطلوبة لهذه الممارسات، ولا يعني بأن المجتمع الدولي جاد في موقفه ضد مرتكبي هذه الانتهاكات، بل إن الوقوف في محطة “التحذيرات” يعني إعطاء الضوء الأخضر للمواصلة فيما بدأ في الخرطوم والجزيرة وانتقل إلى الفاشر وبابنوسة، ويجري التحضير لحدوثه في الأبيض.

التحذير الدولي المبكر لما هو متوقع حدوثه في الأبيض تعامل مع ذات المؤشرات، ابتداءً من الحشود العسكرية الكبيرة، بالإضافة إلى تكثيف قصف المدينة عن طريق المسيرات واستهداف البنية التحتية والأعيان المدنية، فما الذي يتوقعه المجتمع الدولي أن يتغير في كلاكيت الأبيض بهذا التحذير الدولي المبكر؟

بطبيعة الحال أيضاً، فإن التحذيرات المبكرة التي يطلقها المجتمع الدولي ليست عبارة عن “تنبؤات” يتخيلها المجتمع الدولي، بل هي استناد إلى معلومات وشواهد تقول بأن موجة العنف والانتهاك لن تتوقف في حدود الفاشر وبابنوسة.

الحقيقة المؤسفة تقول بأننا الآن أمام مجتمع دولي يقف موقف العاجز، وأن السقف الذي وقفت عنده قدراته هو التوثيق لهذه الانتهاكات دون أي إجراء عملي لإيقافها ومحاسبة مرتكبيها، والخطر المحدق الآن بنصف مليون مدني في المدينة وعدد كبير من الذين نزحوا من مناطق مختلفة بسبب نيران الانتهاك وفظاعة سلوك المليشيا.

أصبح “جدول” المجتمع الدولي محفوظاً للكل، والذي يبدأ من التحذيرات بوقوع انتهاكات وينتهي بالشجب والإدانة، بينما تغيب الآليات الحقيقية للحماية.

يعلم المجتمع الدولي، ببياناته تلك، أهمية مدينة الأبيض الاستراتيجية، وأنها تمثل مركزاً لوجستياً للدعم الإنساني بشكل كبير، وهي الجغرافيا التي تربط بين أكثر من مدينة، وبالتالي قد يكون ذلك سبباً لارتفاع نبرة التحذيرات الأممية، إلا أن المفوض السامي والأمين العام يحتاجان إلى تذكيرهما بأن التكاليف الإنسانية التي يدفعها المدنيون ارتفعت فاتورتها جداً، ولم يعد كافياً أبداً أن يكون كل مجهودهما في حدود الشجب والإدانة والتحذير.

ما نود أن نقوله هنا بأن المجتمع الدولي “بارد” جداً تجاه قضية لطالما وصفتها منظماته بأنها الأسوأ من بين كل الأزمات الإنسانية.

تظل الأسئلة قائمة: هل البيانات والتحذيرات هي كل ما يمتلكه المجتمع الدولي لحرب السودان؟ وما هي قيمتها إن لم تتبعها إجراءات عملية لوقف نزيف الدم وسلسلة العنف الشديد في مدن السودان؟

ما يحدث في الأبيض الآن هو بمثابة الاختبار الحقيقي لمصداقية المجتمع الدولي ومنظماته وموظفيه، حتى يعلم الكل بأن الكثير من القلق والتحذيرات مع القليل من الأفعال يعني المزيد من العنف والانتهاكات.

وإذا كانت التحذيرات الحالية صادقة في توصيف الخطر المحدق بالأبيض، فإن العالم سيكون شريكاً في الفشل الأخلاقي والسياسي إذا سمح بتحول هذه التحذيرات إلى مجرد فصل جديد في سجل طويل من الإنذارات التي لم تمنع حرباً، ولم تحمِ مدنياً، ولم توقف انتهاكاً في حرب السودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى