الخبير والمحلل العسكري العميد م/ إبراهيم عقيل مادبو في حوار مع “العودة”:

حسم معركة الأبيض يبدأ من تطهير العمق الريفي
معركة الخدمات هي مفتاح الحسم
من يكسب السماء والخلاء.. يكسب طريق كردفان
ما يحدث في الأبيض انتقال من الهجوم المباشر إلى محاولة الخنق
المليشيا تريد إفراغ المدينة من سكانها وتتخذ المدنيين دروعاً بشرية
الجيش يطبق البروتوكولات العسكرية وقانون الاشتباك
استراتيجية الدعم السريع الجديدة هي الإخضاع عبر التجويع والتهجير
____
في ظل التطورات الميدانية المتسارعة التي تشهدها ولايات كردفان، وتحديداً مدينة الأبيض التي باتت تشكل محوراً استراتيجياً في مسرح العمليات العسكرية الحالي، تبرز تساؤلات ملحة حول طبيعة “حرب المسيّرات” والتحولات في استراتيجيات القوى المتصارعة. وسط هذا المشهد المعقد، تضع “العودة” الحقائق على طاولة التحليل مع الخبير والمحلل العسكري، العميد ركن (م) إبراهيم عقيل مادبو.
في هذا الحوار الحصري، يبحر “مادبو” في قراءة فاحصة لمعضلة تأمين الطرق القومية، ويفكك أبعاد الاستراتيجية الجديدة التي تعتمدها قوات الدعم السريع في استهداف المرافق المدنية تحت مسمى “الإخضاع بالتجويع”. كما يسلط الضوء على الفرق الجوهري بين بروتوكولات الجيش وقوانين الاشتباك التي يلتزم بها، وبين ممارسات الطرف الآخر، مستشرفاً مآلات الصراع في ظل الربط الاستراتيجي بين جبهات دارفور وكردفان، ومقدماً رؤية عسكرية حول كيفية كسر حصار الخدمات وحماية العمق الاستراتيجي للمدن الكبرى.
—-
حوار – عماد النظيف
“في ظل سيطرة الجيش على مراكز المدن (الأبيض، أم روابة، الرهد)، ما هو تقييمكم لقدرة القوات المسلحة على تأمين الطريق القومي بشكل مستدام أمام الهجمات المتكررة؟”
أعتقد أن هذا السؤال يتطرق إلى لُب المعضلة العسكرية في كردفان؛ فبتقييم سريع سنجد أن الجيش مسيطر على نقاط ومواقع تُعد من الأهمية العسكرية، وتكتسب أهميتها من حاكميتها على الطرق الرئيسية وتسهم في الخطة العملياتية، لكن الطريق القومي الرابط بين هذه النقاط في بعض الظروف يكون غير مؤمن بشكل مستدام، وهذه هي المعضلة. فالجيش يسيطر على “النقاط الحاكمة” وينتشر على المدن الكبرى: الأبيض، أم روابة، الرهد. وهذا من الأولويات لتنفيذ خطة سحق المليشيا؛ فكل مدينة هي بمثابة مركز إسناد وقاعدة انطلاق، بالإضافة إلى ميزة تشغيل الرادارات والمدفعية المضادة للمسيّرات من داخل هذه المدن. وهناك ميزة رمزية لهذه المواقع الثلاث؛ فطالما علم السودان والجيش مرفوع فيها، فهذه رسالة تحمل معنى أن حصار المليشيا لم يكتمل، ولهذا تكتفي بالمسيرات. بالنسبة إلى أم روابة، فهي أحد أضلاع مثلث حماية الأبيض وهي مفتاح فك حصار الأبيض.
ولكي نصل إلى مرحلة التأمين الإستراتيجي الشامل لهذه النقاط، لابد أن نتجاوز مرحلة التأمين المؤقت أو التكتيكي؛ وذلك بالسيطرة على المحليات الريفية البعيدة مثل ريفي بارا وخاصة جهة الغرب، وكذلك مناطق سودري، وبعض القرى ومساحات خلوية متفرقة. إذن لابد أن نبحث عن تأمين العمق الريفي، وانتهاج حرب مضادة للمسيّرات في المناطق الريفية، وإنشاء درع حماية بوضع أنظمة تشويش، رادارات، ومدفعية قصيرة وبعيدة المدى، مع قوة “جوالة خفيفة الحركة كثيفة النيران” ليس لها معسكر ثابت أو تواجد داخل المدن، فكل احتياجاتها على ظهر العربات. الخلاصة: ما يحدث في الأبيض هو طبيعة الحرب في العام 2026م؛ من يكسب السماء والخلاء أو الريف يكسب الطريق، ونثق في قدرة الجيش والقوات المسلحة المساندة على بسط السيطرة على هذه المناطق وتأمين الطرق بما في ذلك الطريق القومي بشكل مستدام.
*”هل يمثل الاعتماد المكثف على المسيرات ضد المرافق الخدمية في الأبيض (الكهرباء، المياه، الوقود) تحولاً في استراتيجية الدعم السريع من ‘السيطرة الميدانية’ إلى ‘الإخضاع عبر التجويع والتهجير’؟”
نعم، بهذا القياس يمكن القول إن ما يحدث بالأبيض وأم روابة هو تحول استراتيجي واضح في معركة كردفان، ويمكن أن نسميه “الانتقال من الهجوم المباشر إلى محاولة الخنق”. وهذا الانتقال له أسباب؛ منها الضربات المتتالية والهزائم المتكررة التي أوقعها الجيش ضد المليشيا، وفقدانها للقوة الصلبة، وصعوبة توفير العنصر البشري عكس ما كان يحدث سابقاً، بالإضافة إلى الانشقاقات والاستسلام لقوات الجيش. فهذه الأسباب ونجاعة استخدام الجيش لها أنهت وأبطلت وغيرت من مفهوم “السيطرة الميدانية الكلاسيكية” التي كانت تمارسها المليشيا في الأعوام 2023م، 2024م، 2025م، وحتى سقوط الفاشر وبابنوسة. فقد كان الأسلوب الذي تنتهجه المليشيا هو الحصار، تليين الدفاعات، ثم الاقتحام المباشر، لكن وجد الجيش الترياق المضاد، ولذلك غيرت المليشيا أسلوبها القديم إلى استراتيجية يمكن تعريفها بسياسة “الإخضاع عبر التجويع والتهجير”، عبر اللجوء المكثف لاستخدام المسيّرات ضد محطات الكهرباء والوقود والمياه، والمستشفيات، وحتى مواقف ومحطات الشاحنات ومنازل المواطنين، والتحول إلى استهداف البنية المدنية بدل العسكرية.
فمن قبل كان التركيز على أهداف عسكرية مثل الهجانة، الفرقة 22 مشاة، ومتحرك الصياد، ولكن أصبح التركيز الآن على محطات الوقود، الشاحنات، والمرافق الخدمية، وهذه ليست أهدافاً عسكرية، بل أهداف معيشية القصد منها التأثير بشكل خطير على قدرة السكان على الوصول للخدمات الأساسية ودفع المدنيين إلى النزوح. وخطورة هذا الأمر هو ما دفع الأمم المتحدة نفسها للتحذير من هجمات مسيّرات المليشيا العشوائية. بالنسبة لنا كعسكريين نلاحظ أن هدف المليشيا قد تغير من “محاولات السيطرة” إلى استخدام “الإرهاق واستغلال الضعف البشري” عند انقطاع الكهرباء والماء والوقود، وانعدام الرعاية الطبية، و”إطالة أمد الحرب”؛ فالمليشيا تسعى لتهجير غير مباشر أو “تهجير ناعم” أرخص وأقل خسائر من الاقتحام. وهذا يعني أن العقل المخطط للمليشيا قد تعلم من الدروس المستفادة ويحاول تجنب سيناريو الخسائر الذي تعرض له في الفاشر وبابنوسة؛ فالجيش مسيطر على الأبيض وهذا يعني أن المليشيا تيقنت بأن الاقتحام المباشر يساوي خسائر، وأن كلفة الاقتحام عالية، ولهذا تلجأ المليشيا إلى المسيّرات كسلاح رخيص ذو تأثير نفسي ومعنوي كبير. وهذه بعض استراتيجيات “حرب الجيل الرابع” ونموذج لما يُعرف بعمليات “الإخضاع بالخدمات”، لكننا نعلم أن القوات المسلحة بخبراتها المتراكمة واحترافيتها ستنجح في استنباط “كتاب التكتيك” الجديد في كل المحاور.

*”إلى أي مدى نجحت البروتوكولات العسكرية الحالية في حماية المناطق السكنية من الانعكاسات المباشرة للاشتباكات، وهل هناك ‘قواعد اشتباك’ ميدانية يتم الالتزام بها لمنع استهداف الناقلات المدنية (مثل واقعة تنكر الصرف الصحي الأخيرة)؟”
هذا هو الفرق بين الجيش والمليشيا؛ فالجيش يطبق البروتوكولات العسكرية على الميدان ولديه قانون اشتباك (ROE) مبني على القانون الدولي الإنساني، والمليشيا يكفي النظر لانتهاكاتها الفظيعة لكي نعلم كيف تعمل بعيداً عن البروتوكولات والقانون؛ فهي تتجاهل مبدأ التمييز بالنسبة لضرب المدنيين والأعيان المدنية مثل: المستشفيات، والمدارس، والجوامع، وطلمبات الوقود، وتانكرات المياه والصرف الصحي. وتتجاهل مبدأ التناسب، كما حدث بالأمس في مثال صارخ في ضربها لعربة عسكرية واحدة كانت تعبر الطريق وسط حي مكتظ بالسكان، مما أدى لزيادة الضرر الجانبي، وأيضاً استخدامها لحرب المسيّرات في ضرب المدارس. وفي نفس الوقت تستخدم المليشيا الازدواجية وتستعمل العربات المدنية، المتاجر، والبيوت للتخفي، وتتخذ المدنيين كدروع بشرية. ولذلك نقول إن هناك قواعد اشتباك يلتزم بها الجيش، لكن الالتزام بالنسبة للمليشيا منتهك ومكسور؛ فمليشيا الدعم السريع لم تلتزم طوال فترة الحرب بقواعد اشتباك واضحة للرأي العام، فنحن نرى وكل العالم يشاهد هجمات المسيّرات المتكررة على المدارس، محطات الوقود، الأسواق، والعربات المدنية في الأبيض وأم روابة، وهذا يدل على أن “مبدأ التمييز” مفقود وغائب لدى المليشيا، وأن استهداف المدنيين أصبح جزءاً من خطة “الحصار والتجويع”.
*”كيف تقرأون تحركات الطرفين في المناطق المتاخمة للمدينة؟ وهل تشير العمليات الحالية إلى استقرار خطوط التماس أم أنها تمهيد لعمليات هجومية برية واسعة؟”
المعركة ليست بين طرفين بل بين جيش وطني يدافع عن البلد وقوة احتلال غاشمة مسنودة بقوى إقليمية. أما بالنسبة لتحركات “القوات المتاخمة” فهذه لغة الجيوش؛ فكل تحريك لقوة أو طوف أو دبابة أو مسيّرة أو متحرك هو رسالة يمكن قراءتها. فالجيش يمسك بزمام “المثلث” (الأبيض – أم روابة – الرهد)، وهذا يعني قوة في المراكز أو الأوتاد (دفاع + عمق)، وأي تحرك للجيش بين هذه المناطق أو خارجها يأتي في سياق العمليات لتوسيع “الحزام الآمن” حول الأبيض حتى يُبعد خطر المسيّرات. المليشيا تتجول في المحليات الريفية (بارا، سودري، والقرى حول الطريق القومي) وتريد الحصار والإخضاع الناعم بإطلاق المسيّرات كل يوم. والخلاصة أن الجيش ماضٍ في خطته بنجاح، ويُلاحظ ذلك في تمكنه من حفظ استقرار خطوط التماس البرية الثابتة، بينما تعمل المليشيا منذ أسبوعين على “تكثيف” المسيّرات على الأبيض، وهو أمر يجب الانتباه له؛ فهو عمل مقصود وليس عشوائياً، وبمثابة “تليين ناعم” (Softening) قبل الانتقال لخطتهم الرئيسية. ولذلك يعملون على ضرب الوقود، الخدمات، والأعيان المدنية لخفض الروح المعنوية. فالوقت ما زال بعيداً للمليشيا في التمهيد لهجوم بري كما تريد، ولذلك تحاول استهداف الجسور والطرق في أم روابة، وهذا يفضح خطتها في قطع أي إمداد يصل قبل المعركة، ونأمل في قيام الجيش بقلب الطاولة وانتهاج استراتيجية “التماس المتحرك”.
*”كيف يؤثر التباين في السيطرة بين الجيش (المدن الكبرى) والدعم السريع (المحليات الريفية مثل بارا وسودري) على تعقيد العمليات العسكرية في الأبيض؟”
كلمة السر هي “التباين” وهي مفتاح تفكيك “لغز” الأبيض، فكيف يمكن للتباين أن يؤثر ويقود لتعقيد المعركة؟ الجيش الآن مسيطر على المدن الكبرى: الأبيض، كادقلي، الدلنج، الرهد، أم روابة، ومدن ومناطق أخرى، وبرغم هذا تحاول الدعاية السوداء إظهاره على أنه محاصر. وهنا يأتي التباين؛ فالمليشيا تقبع بعيداً عن المدن المذكورة وما زالت تتجول في المحليات الريفية: بارا، سودري، الرهد، الطرق الجانبية، القرى، الغابات، ومسارات الرعي، وهنا يمكن القول بوجود مشكلة عسكرية؛ فالمليشيا مختبئة في العمق الريفي لكنها حاضرة بالمسيّرات. وهنا يبرز سؤال: هل بارا وسودري تُعدان عمقاً استراتيجياً للمليشيا يمنحها تفوقاً في حصار أو تهديد المدن المذكورة؟ والإجابة: نعم، فسودري وجبرة الشيخ وأم بادر وبارا وأم سيالة والمزروب وتِنه والقاعة والكوكيتي والنهود تمنح المليشيا عمقاً لوجستياً، صحراء ومسارات وطرقاً ووقوداً مهرباً، ومقاتلين وسلاحاً. وهذه المناطق تتيح أيضاً للمليشيا عمقاً للمناورة والاختفاء وتجميع القوات، ولذلك كما في الخلاصة العسكرية، فحسم معركة الأبيض يجب أن يبدأ من حسم “العمق الريفي”.
*”هل يعتقد المراقبون أن دقة الاستهداف (مثل ضرب المحطة التحويلية) تعتمد على إحداثيات يوفرها عملاء أو خلايا نشطة داخل المدينة، أم أنها تتم عبر الرصد الجوي فقط؟”
سؤال مهم جداً، وإجابته تجعلنا نفرق بالضبط بين “ضربة عشوائية” و”ضربة جراحية” على محطة تحويلية أو محطة وقود أو مدرسة. هناك 3 سيناريوهات وراء هذا النشاط التخريبي الهدام: “العيون من الجو”، “العملاء”، و”الخلايا”. ففي هذا الزمان أصبح من السهل إرسال إحداثيات (GPS) دقيقة لأي موقع؛ محطة تحويلية، خزانات الوقود، أو حتى مواعيد تشغيل المولدات. والآن أصبح بمقدور المليشيا اللجوء إلى سيناريو “العين من فوق” بمعنى الرصد الجوي، فهناك مسيّرات استطلاع + أقمار صناعية + تحليل صور بفضل الدعم الخارجي الذي تتلقاه المليشيا؛ فمسيّرات الاستطلاع يمكنها التقليل من استخدام الخلايا الأرضية. ولكن نسبة لتكلفة وعيوب هذا السيناريو، أرجح أن المليشيا تقوم بـ”دمج سيناريوهين” (رصد جوي وعميل على الأرض)، وهذا يحدث في أغلب الحروب الحديثة؛ رصد جوي يحدد، وعين بشرية تتأكد، ومسيّرة تنفذ. وبالتأكيد هناك خطوات وإجراءات مضادة فعالة طورها الجيش أثمرت عن إلقاء القبض على كثير من العملاء والمتعاونين، ونأمل من الجهات المختصة وضع خطة بالتنسيق مع الأجهزة المختلفة، وتعبئة حملة وطنية داخل الأبيض لرفع الحس الأمني.
*”ما هي طبيعة المخاطر العسكرية التي تواجه القوافل التجارية القادمة من وإلى الأبيض في قطاع ‘أم روابة-الأبيض’؟ وهل هناك تغير في وتيرة الهجمات على هذا الطريق؟”
قطاع “أم روابة-الأبيض” يضم طرقاً وممرات حيوية، لذلك شهدنا ازدياد وتيرة الاستهداف لأم روابة، ونستحضر ضرب قافلة برنامج الغذاء العالمي (WFP) التي وقعت قرب أم روابة. فتركيز المليشيا موجه لقطع الطريق وتدمير الجسور، وتكثيف الهجمات هدفه شل الحركة وتعطيل طرق شمال وجنوب كردفان لتبقى الأبيض تحت الحصار.
*حول التنسيق الميداني: “إلى أي مدى تؤثر الحالة العسكرية في الفاشر (إن حدثت مشابهة) على قرار التصعيد في الأبيض؟ هل هناك ‘ربط استراتيجي’ بين جبهات كردفان ودارفور؟”
يمكن القول إن هناك “ربطاً استراتيجياً” قوياً بين الفاشر والأبيض؛ فسقوط الفاشر أرسل رسالة مفادها “ليست هناك مدينة محصنة”، وهذا يكسر الروح المعنوية في الأبيض ويسهل خطة “الإخضاع بالتجويع” التي تعمل عليها المليشيا. الأمم المتحدة نفسها قالت: “لقد رأينا هذا السيناريو من قبل، ولا يمكننا السماح بتكرار الفظائع التي وثقناها في الفاشر”، وهذا يعني أن الخارج يعامل المدينتين كـ “سيناريو واحد”. لكن بالنسبة لنا كخيار عسكري، الأمر مختلف؛ فالطريق القومي (كوستي- أم روابة- الرهد- الأبيض- النهود- الفاشر) هو شريان واحد، ومن يسيطر على الأبيض وتخومها يفتح الباب لدارفور، فقوافل الإمداد والوقود يبدأ مسارها من هنا، وضرب جسور أم روابة يخنق الأبيض ويعزل كردفان الكبرى. لذلك يجب على الجنرال المفكر عندما يريد الدفاع عن الأبيض عليه أن يفتح الخريطة وينظر إلى موقع الفاشر ويعتبرها كمعركة واحدة، وألا يتعامل مع كل مدينة كقصة وحدها.
*”في حال استمر تدهور الأوضاع الخدمية، ما هي التوقعات العسكرية بشأن بقاء المدنيين في المدينة؟ وهل يخشى المراقبون من تحول الأبيض إلى منطقة خالية من السكان نتيجة الضغط العسكري؟”
المليشيا تريد بمهاجمتها للأبيض تحقيق هدفين: الأول إلهاء الجيش، والثاني إفراغ المدينة من سكانها، وهي النقطة الأخطر في عملية الحصار والاستهداف. بالنسبة للتوقعات العسكرية لبقاء المدنيين، فهذا يندرج ضمن “حرب الإخضاع بالتجويع والعطش”، والمليشيا تراهن على “هجرة الأضعف”: كبار السن، المرضى، الأمهات بأطفالهن، ثم الدخول إلى مرحلة التفريغ التدريجي لتتحول الأبيض إلى “مدينة الرجال المقاتلين وكبار السن” بعد خروج معظم السكان إلى كوستي، بورتسودان، كسلا، أو مصر. وهذه بالضبط خطة المليشيا حسب تقارير المراقبين. لكن برأيي هناك فرق كبير بين الأبيض والفاشر؛ فالأبيض مربوطة بطريق لكوستي وبورتسودان، بينما الفاشر كانت محاصرة من كل الجهات. فتأمين طريق “كوستي-الأبيض” والمناطق حوله حتى الأبيض، كفيل بإبطال خطة المليشيا؛ فالمعركة العسكرية في الأبيض سيتم حسمها إذا ما تم توصيل احتياجات المواطن، ومن يكسب معركة الخدمات، يكسب المدينة بدون حرب.



