الخرطوم…. ماراثون الوقود..

أصحاب محطات لـ “العودة “: الأزمة تقترب من الانفراج
أم درمان وشرق النيل.. مدنٌ عالقة في محطات الانتظار
سائقون يفترشون الرصيف.. بحثاً عن قطرة بنزين
حكاية صمود في زمن الندرة.. المواطن بين جحيم الصفوف ونار التعرفة
أم درمان: عماد النظيف
شرق النيل: هيام المغربي
لا تبدو المدن السودانية اليوم كعادتها صاخبةً بالحياة، بل تفرض “طوابير الوقود” إيقاعها البطيء والمؤلم على شوارعها. فمن الحارة الأولى بالثورة في أم درمان إلى تخوم جامعة التقانة، ومن سوبا إلى العيلفون في شرق النيل، وصولاً إلى أحياء الكلاكلة جنوب العاصمة، تتشابه المشاهد في بؤسها؛ أرتال حديدية صامتة تقضي فيها المركبات والركشات ساعاتٍ طوال، وتتحول إلى “إقامة دائمة” بانتظار قطراتٍ من البنزين.

أرواحٌ عالقة في طوابير “العبثية”
على جانبي الطرقات، تلمح سائقين افترشوا الإسفلت بجوار مركباتهم هرباً من شمس الظهيرة، وسكوناً يقطعه أنين المحركات العالقة. وفي المواقف العامة التي بدت كأنها مدنٌ مهجورة، يرقب المواطنون أفق الطريق بلهفةٍ ممزوجة باليأس، في انتظار مركبةٍ نادرةٍ قد لا تأتي، أو قد تأتي لتفرض “قانونها الخاص” في التسعير. هنا، قفزت تعرفة المواصلات إلى مستوياتٍ ترهق كاهل المواطن، بزيادة بلغت 1,000 جنيه للخطوط الرابطة بين أجزاء العاصمة، و500 جنيه للخطوط القصيرة، مما حول التنقل البسيط إلى “معركة اقتصادية” يومية.
أصوات الميدان:
يختصر “عثمان”، سائق الركشة، حاله قائلاً: “أنا لا أبحث عن الربح، أنا أبحث عن البقاء. أقف لساعات للحصول على جالونين، وأضطر لرفع التعرفة لتغطية كلفة الوقت الضائع، مما يضعني في صدامٍ دائم مع الركاب”. وفي سياق موازٍ، تهمس “أم الخير” بأسى: “لم تعد مشاويري مرتبطة بحاجتي، بل بقدرة ميزانيتي؛ لقد أصبحنا أسرى لمسافات لا نستطيع قطعها”.
أما “ياسر”، الموظف الذي يصارع للوصول لعمله، فيقول: “كل يوم هو رحلة قلق؛ التعرفة تلتهم راتبي، والتأخير بات مهدداً لاستقراري المهني”.

الكلاكلة ومؤشرات الانفراج
في المقابل، شهدت شبكة المحطات في جنوب العاصمة، وتحديداً في منطقة “الكلاكلة”، وضعاً مغايراً نسبياً؛ حيث أظهرت جولة ميدانية تراجعاً ملحوظاً في حدة الصفوف. ويبدو أن تدفق الإمدادات هناك أدى إلى تقليل فترات الانتظار، مما منح السائقين في هذه المنطقة متنفساً لم يشهده نظراؤهم في أم درمان وشرق النيل، وهو ما يُعطي بارقة أمل ببدء تحسن الإمداد في بعض محاور العاصمة.
أصحاب المحطات: بين التفاؤل والواقع المرير
في محاولة لفهم المشهد من “خلف الطلمبة”، يقول “الطيب زروق”، صاحب محطة وقود: “الأزمة بدت تتجه للانفراج، وهناك توقعات باستقرار تدريجي للإمدادات خلال الأيام المقبلة، والصفوف في محطتنا بدأت تتقلص بشكل يومي”.
وعلى النقيض، يرى “سليمان حامد”، صاحب محطة في شرق النيل، أن الانفراج لا يزال بطيئاً: “نحن نستقبل ناقلات الوقود بكميات محدودة لا تغطي جزءاً يسيراً من الطلب الهائل. السائقون يأتون من مسافات بعيدة ويبيتون أمام المحطة، ونحن كأصحاب عمل نعاني من ضغوطات أمنية وتنظيمية كبيرة يومياً لتفادي وقوع صدامات بين المنتظرين”.
أما “عز الدين محمود”، صاحب محطة في منطقة وسط، فيقول: “مشكلتنا ليست في المحطات فقط، بل في انقطاع الإمداد من المصدر؛ فإذا توفرت الناقلة بانتظام، ستختفي الصفوف في أقل من 48 ساعة. نحن نتلقى يومياً مئات المناشدات من السائقين، والجميع يظن أننا نخفي الوقود، بينما الواقع أننا ننتظر الفرج مثلنا مثلهم”.

الوقود أو التوقف
فيما يرى “الزين أحمد”، سائق حافلة: “بقيت أوقف شغل يوم كامل لأتمكن من الحصول على وقود، وهذا يؤثر على دخلي اليومي”. أما “علي ميرغني” من سوبا، فيؤكد أن المعاناة شديدة لغياب الوقود في الطلمبات القريبة، مما يضطره للتنقل بين العيلفون وأم ضوابان وشارع الستين. ويصف “غازي صديق” الوضع بـ”الصعب عديل”، مؤكداً أن سعر الجالون في السوق السوداء وصل لـ 30 ألف جنيه، وهو ما يجعل العمل خاسراً بكل المقاييس.
مدينة عالقة في طوابير الانتظار
إن ما يحدث في أم درمان وشرق النيل وجنوب العاصمة يتجاوز كونه أزمة وقود عابرة؛ إنه انحسارٌ تدريجي لدورة الحياة اليومية. وبينما تقف السيارات صامتة في الصفوف، يظل المواطن هو “الوقود” الذي يحترق لتستمر عجلة الحياة بالدوران ببطءٍ مرير. إن المسؤولية تقع على عاتق الجهات المختصة ليس فقط بتوفير الوقود، بل بوضع استراتيجية تضمن وصول الإمدادات لكافة المحطات بعدالة، وإعادة الثقة للمواطن بأن حقه في التنقل والعمل ليس رفاهية، بل هو أبسط مقومات العيش الكريم في مدينةٍ لا تزال تقاوم من أجل التنفس. إن الانفراج الملموس في جنوب العاصمة يجب أن يكون نموذجاً يُعمم، لا استثناءً تفرضه الظروف.
محاولات للرد.. والمسؤول يلوذ بالصمت
في إطار التزامنا بمبدأ “الرأي والرأي الآخر”، سعينا للحصول على توضيح رسمي من وزارة الطاقة والنفط حول التدابير المتخذة لإنهاء أزمة الوقود الممتدة، وما هي خطط الوزارة لضمان استقرار الإمداد في محليات أم درمان وشرق النيل، خاصة في ظل التقارير التي تشير إلى تفاوت في توفر الوقود بين مناطق العاصمة. ورغم تواصلنا المباشر مع مدير الإعلام بالوزارة، أحمد الطيب”، عبر القنوات المتاحة، إلا أنه لم يرد على استفساراتنا حتى وقت إغلاق هذا التقرير. وتظل أبواب الصحيفة مفتوحة للوزارة في أي وقت لتقديم توضيح أو الرد على تساؤلات المواطنين حول هذه الأزمة التي باتت تمس أمنهم المعيشي.



