الأبيض.. مدينة الصامدين تحت وطأة الحرب والعطش والجوع

حين تصبح "الماسورة" ذكرى

“ما بتذكر آخر مرة فتحت الماسورة متين “.. إعلامية من الأبيض تروي ل (العودة) 

(الماء المالح يُمرّض أهل المدينة)

تقرير: نشوة أحمد الطيب 

 

“كبيت برميل الموية بي 18 الف.. انتو كبيتو بكم؟”

سؤال بسيط طُرح في إحدى مجموعات فيسبوك المحلية، لكنه اختصر بكلمات قليلة ما تعجز عن وصفه التقارير الرسمية. لم تتوقف الإجابات عند اختلاف الأسعار، بل فتحت باباً على معاناة أعمق فالماء في الأبيض لا يُشترى فحسب بل يكاد لا يُوجد، وما يُوجد منه كثيراً ما يكون مالحاً لا يصلح للشرب.

هكذا تعيش “عروس الرمال” يومها الراهن، محاصَرةً من الخارج بالحرب، ومن الداخل بأزمات متشعبة لا تتوقف.

مدينة تحت الحصار

تكتسب مدينة الأبيض أهمية استراتيجية نظراً لموقعها الجغرافي الذي يربط الخرطوم ووسط البلاد بغربها، وتُعدّ أكبر مركز حضري في إقليم كردفان وبوابة رئيسية نحو إقليم دارفور. كما صارت مأوى لمئات الآلاف من النازحين من ولاية غرب كردفان وجنوبها وإقليم دارفور، إلى جانب سكانها الذين يتجاوز عددهم 600 ألف نسمة.

تعيش مدينة الأبيض واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، مع تصاعد التحذيرات الدولية من هجوم محتمل لمليشيا الدعم السريع، وتزايد الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت حيوية وخدمية.

 العطش أولاً: حين يصبح الماء حلماً

لا تحتاج أزمة المياه في الأبيض إلى أرقام لتُفهم. تقول منى عِدل، الإعلامية بإذاعة الأبيض، في شهادتها لصحيفة العودة بصوت يحمل ثقل الأيام: “آخر مرة إنو أنا فتحت الماسورة بتاعت الموية متين، أو شفت الماسورة بتاعتنا في البيت شغالة متين، ما بتذكر.”

جملة واحدة تختصر ما آلت إليه الحياة في المدينة. فالصنبور الذي كان يفتح بلا تفكير، بات ذكرى من زمن آخر.

وتُضيف منى موضّحةً المشهد بتفاصيله اليومية: “في مضخات بتعمل بالطاقة الشمسية وفي مضخات بتعمل بالكهرباء، فالحصول على الموية بيجي أصعب أكثر، لأنه تم ضرب المحطة التحويلية بتاعت الكهرباء. فحتى المضخات اللي بتعمل بالطاقة الشمسية فيها اكتظاظ شديد جداً، إنت عشان تحصل على الجركانة بتاعت الموية ممكن تقيف ساعات.”

وتكشف بيانات ميدانية عن فجوة في الإمداد المائي تصل إلى نحو 40% من الاحتياجات الفعلية للمدينة، رغم توفر كميات كافية من المياه في خزانات خور بقرة وبربر والمفارقة المؤلمة أن الماء موجود خارج المدينة لكنه لا يصل إلى أفواه أهلها.

الماء المالح: حين يكون الدواء سُمّاً

الأشد إيلاماً في شهادة منى عادل ليس شُح الماء، بل طبيعته. تقول: “الموية الموجودة بتكون موية مالحة. والموية المالحة دي يمكن خلقت مشكلة كبيرة جداً، معظم الناس حالياً عانت من الموية المالحة في مشاكل المسالك البولية.”

وتؤكد أن الخيار لم يكن خياراً حقيقياً: “ما في خيار كان قدام الناس، أو معظم الناس ما في خيار قدامهم إنهم غير يشربوا الموية المالحة. فالموية الصحية أو الموية الحلوة موجودة، لكن هي ما في متناول الناس لأنه الجانب المادي في الفترة دي صعب جداً.”

وتُحذّر شبكة أطباء السودان من أن توقف محطات المياه أدى إلى تفاقم الأوضاع الصحية داخل المدينة، وأن أكثر من مليون مواطن ونازح باتوا يواجهون صعوبات متزايدة في الحصول على الخدمات الأساسية، محذّرةً من كارثة إنسانية واسعة النطاق.

 الليل والمسيّرات: نوم لا يأتي

لا يتوقف ثقل الحياة في الأبيض عند غروب الشمس. تروي منى ما يعنيه الليل هناك: “أنا مرات بكون دايرة إنه مثلاً الساعة 11 أكون تعبانة ومرهقة جداً دايرة أنوم، أسمع صوت مسيرة فثاني النوم بيطير من عيوني. فيعني نوم ممكن يجيني بعد ساعات، وممكن لحد الصباح، ده لو المسيرة ما ضربت مرة واحدة. لو ضربت كم مرة بكون مسهرة للصباح من صوتها، من القلق، من التوتر.”

وقد وثّق مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان استهداف مسيّرة لمحطة وقود في المدينة، ما أسفر عن انفجار ضخم هزّ أرجاءها وبثّ الرعب في نفوس المدنيين.

وتحذر منظمات محلية من أن استمرار هذه الهجمات الجوية التي تزامنت مع غلاء أسعار السلع وتدهور القوة الشرائية للعملة الوطنية وشُح المحروقات، سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية ودفع آلاف إضافية للنزوح.

 الغذاء: موجود لمن يستطيع

على صعيد الطعام، تُقرّ منى بأن الأسواق لم تخلُ تماماً من السلع، لكنها تضع هذه الحقيقة في سياقها الحقيقي: “مدينة الأبيض حالياً السلع متوفرة، لكن يمكن الأسعار هي كل يوم زايدة. معظم الأسر ما حتقدر في الفترة بتاعت الأزمة دي، أزمة الوقود وأزمة الموية، إنهم يوفروا سلع أكثر من الحاجة اليومية.”

وتواجه الأسواق أزمة سيولة نقدية حادة دفعت بعض التجار إلى إغلاق محالهم، فيما بات من يمتلك سيولة يبيعها بخصم يتراوح بين 15 و25% من قيمتها.

وفي السياق الأشمل، تستقبل الأبيض موجات نزوح قادمة من مناطق بارا وكازقيل والنهود والخوي، وسط نقص حاد في مياه الشرب والمواد الغذائية، وتدهور خدمات الصرف الصحي، إلى جانب انتشار تجمعات سكنية عشوائية في مناطق غير مهيأة.

 ما فُقد ولا يُعوَّض

تختم منى عادل شهادتها بكلمات تحمل ما هو أثقل من الجوع والعطش معاً، حين تُسمّي ما تفتقده فعلاً: “من الحاجات اللي أنا فاقداها جداً حالياً وكانت موجودة قبل الحرب، الأمان. مدينة الأبيض قبل الحرب كانت في نسبة بتاعت أمان عالية جداً جداً. وفاقدة للمة الأسرية، الأصحاب، الجيران. زمان بالليل إحنا ممكن نمشي أبعد مسافة في الأبيض أو تمشي زيارة الساعة واحدة، الساعة اتنين بتجي راجع وعادي. حالياً من بعد المغرب، جارك القريب ما بتمشيله.”

ثم تلخّص بجملة تقول ما لا تستطيع الأرقام قوله: “باختصار، فاقدة الحياة الطبيعية اللي كنا عايشينها قبل الحرب.”

 العالم يُحذّر.. والفجوة تتسع

تُقدّر الاحتياجات الإنسانية في الإقليم بأكثر من 441 مليون دولار، بينما لا يتجاوز التمويل الدولي المتاح 3% من هذا المبلغ.

ويقول يان إيغلاند، الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين، إن آلاف الأشخاص يفرون من كردفان في رحلات محفوفة بالجوع والسرقة والترهيب، ويضطرون لعبور خطوط المواجهة. وعند وصول العائلات تنام على الأرض مباشرة أو في ملاجئ مكتظة، فيما تعاني منظمات الإغاثة من نقص حاد في التمويل.

منى عِدل إعلامية تعمل في إذاعة الأبيض، تذهب كل يوم لتُوصل صوت مدينتها إلى العالم، ثم تعود إلى بيت لا ماء فيه ولا أمان، وتنتظر في الظلام أن يأتيها النوم قبل أن يسبقه صوت مسيّرة ، هذه ليست استعارة هذا هو يومها بالتحديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى