حكومة جديدة في بحر أبيض على نار هادئة..!!
أبرزهم (الصندوق الاسود)

تقرير – صديق السيد البشير
(1)
في خطوةٍ جريئةٍ تعد الأولى من نوعها في مسيرته، أعلن والي النيل الأبيض، الفريق الركن قمر الدين محمد فضل المولى، عن إعادة تشكيل محدود في طاقمه الوزاري؛ بهدف ضخ دماءٍ جديدةٍ في جسد حكومة الولاية، وذلك بعد أن أنفق عاماً كاملاً في إدارة ملفاتها، معلناً بذلك عن تغييراتٍ محدودة في “كابينة القيادة”.
وفي مفاجأةٍ لافتةٍ للمراقبين، قضت التغييرات بخروج أسماء قديمة ودخول وجوه جديدة؛ ما يعكس رؤيةً مستقبليةً تتوخى الحفاظ على استقرار الولاية أمنياً، وسياسياً، واقتصادياً، بما قد يحدث الأثر المطلوب على مختلف الصعد.
(2)
يأتي هذا التغيير المحدود بعد تقييمٍ مستمرٍ لأداء حكومة الفريق قمر الدين عقب إكماله العام؛ وهي الحكومة التي وجدت الثناء والتقدير من قطاعاتٍ واسعة في الولاية، في حين سلقها آخرون بألسنةٍ حداد، تقييماً لأداء بعض الوزراء، وأملاً في التقويم والإصلاح، وإحداث نقلة نوعية في قطاعات الصحة، والتعليم، والإنتاج، والإعمار.
(3)
ومن خلال جولات ميدانية مستمرة للفريق قمر الدين شملت الوزارات، والمجالس المتخصصة، والمحليات، وامتدت إلى المدن القريبة والأرياف البعيدة، يحاول الوالي إجراء التقييم المطلوب لحاجات المواطن الماسة في التنمية المستدامة وتحسين الخدمات؛ تمهيداً لتحقيق المطلوبات وإحداث الأثر المنشود. لكن يبدو أن فضل المولى يطبخ قراراته على نار هادئة، بعيداً عن مؤثرات دائرته المغلقة _إن وجدت_ وبعيداً عن صرير الأقلام، وأثير الموجات، وسحر الشاشات، وتأثير المنصات.
(4)
ولأن الحرب تركت ندوباً غائرة على وجه وزارة التربية والتوجيه، وألقت بظلال سالبة على قطاع التعليم، فقد عصفت هي الأخرى بالمدير العام والوزير المكلف للتربية والتوجيه، الدكتور الطيب علي عيسى.
حزمة من البرامج كان الرجل يتطلع لتنفيذها في هذا القطاع المتأثر بالحرب؛ حيث تحولت مدارس إلى حطام أو كأنها أصبحت أثراً بعد عين، وحيث المعلم -الذي يمثل رأس الرمح في العملية التعليمية- يثابر ويكابد لنيل حقوقه المالية والتدريبية، وسط طلاب يتلقون دروسهم تحت هجير شمس حارقة، أو على جرس إنذار مطر. ورغم تصنيف الناس للوزير المغادر بغزارة العلم، ورجاحة العقل، والتواضع والهدوء البائن، إلا أن التحديات والمعوقات واجهته لتعصف به خارج التشكيلة الحكومية.
وقد دفع التشكيل الجديد بوافدٍ جديد، هو الأستاذ إسماعيل محمد علي، الموصوف من قبل المراقبين بـ “الصندوق الأسود” للوزارة؛ نظراً لسيرته الممتدة بخدمة طويلة وممتازة في حقل التربية والتعليم مديراً للمرحلة الابتدائية، بجانب تجربته في القطاع الرياضي بعاصمة الولاية، مدينة ربك.
فهل سينجح القادم الجديد من داخل أروقة الوزارة في وضع خطة للنهوض بالتعليم تتجاوز التحديات الماثلة، أم ستعجل التحديات برحيله مبكراً عن كرسي الوزارة الساخن؟
(5)
في ظل تغير مناخي، وإختلال أمني، وتراجع تمويلي، تعثرت الولاية في الوصول إلى موسم زراعي ناجح يحقق الوفرة ويزيد الصادرات، كما غابت الخطط المستقبلية التي تُحدث النهضة الزراعية المأمولة؛ وتبعاً لذلك، فشلت وزارة الإنتاج والموارد الاقتصادية في إحداث الأثر المرتجى تنميةً وازدهاراً، في ولاية تملك من الموارد الضخمة ما يمكنها من إحالة المساحات الجرداء إلى بساتين يانعة تُحدث نقلة نوعية للمواطن والحكومة على حد سواء.
وفقاً للمراقبين، لم تقدم المدير العام والوزير المكلف للوزارة، المهندس وصال الشيخ فرح، ما يشفع لها بقيادة قطاع الإنتاج في الحكومة الجديدة للفريق قمر الدين، مما عجل برحيلها.
(6)
يجمع بديلها بين العلم والمعرفة بخبايا التقانات الزراعية والسلالات الحديثة، وكواليس العون الإنساني وبرامج المنظمات الدولية، وعوالم الاستشارات العلمية، متسلحاً بدرجة الدكتوراه. ورغم تباين تقييم المختصين -قدحاً أو تقريظاً- حول مجمل تجربته كموظف في وزارة الزراعة والثروة الحيوانية والري (سابقاً)، الإنتاج والموارد الاقتصادية بالولاية (لاحقاً)، إلا أن الدكتور عبد السميع موسى قد نجح في تنفيذ مراحل مهمة من برنامج تسويق الثروة الحيوانية والقدرة على الصمود، الممول من الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد IFAD).
(7)
ويرى متابعون لسيرة الرجل، أنه لم يوفق كثيراً في عمله الأسبق مفوضاً للعون الإنساني في الولاية؛ حيث واجهته معوقات عديدة عجلت برحيله من المفوضية، ليعاد تعيينه بعد فترة أميناً عاماً للمجلس الأعلى للثروة الحيوانية بالولاية، حيث اجتهد لوضع بصمته هناك. غير أن التغيير المحدود عاد به مجدداً مديراً عاماً ووزيراً مكلفاً لوزارة الإنتاج والموارد الاقتصادية، في خطوة وصفها مختصون بأنها “إعادة تدوير لذات الأسماء في مواقع جديدة”.
بعد أن جمع حصيلة كبيرة من المعرفة الدقيقة بالوزارة لسنوات طويلة، هل سينجح عبد السميع في إحداث تحول إيجابي ونقلة نوعية في قطاعات إنتاجية بولاية يشقها النيل طولياً إلى نصفين، من “جودة” جنوباً إلى “جبل الأولياء” شمالاً؟ الأيام القادمة حبلى بالتقييم.
(8)
في المقابل، شهدت الولاية استقراراً نسبياً في استحقاقات العاملين، وتمويلاً لبعض المشروعات الحيوية في المياه، والصحة، والبنى التحتية، والتنمية العمرانية؛ الأمر الذي أسهم في احتفاظ وزراء الصحة، والمالية والاقتصاد والقوى العاملة، والبنى التحتية والتنمية العمرانية بمواقعهم، وهو ما يعد تحفيزاً لهم للمضي في إنفاذ برامج الولاية وخططها الرامية لإحداث التغيير المنشود في واقع الناس صحةً، وتنميةً، وإعماراً، وسط توقعات بأن يواصل الوالي تقييم أدائهم بناءً على ما سيحققونه من منجزات أو ما قد يواجههم من إخفاق.
(9)
ورغم ما واجهته من معوقات في ملف الأراضي الساخن، حققت مديرة الأراضي بولاية النيل الأبيض، الأستاذة نوال الحليو، العديد من المنجزات في ملف أراضي ربك، وحين ترفيعها لإدارة ملف أراضي الولاية كاملة، أدارته بزهد وهدوء وتواضع ودراية كاملة بخباياه وسخونته. غير أن الكرسي الجديد وضعها أمام تحديات معقدة في ملف تتشابك “دبابيسه” مع “دفاتر” جهات مختلفة، رسمية وشعبية، ففُتحت حوله ملفات شائكة من تخطيط، وتخصيص، واستثمار وبيع، حملت أسراراً لم تُكشف للآخرين، وربما عجلت برحيلها.
ورغم خلفيته القانونية والإدارية، هل ينجح المدير الجديد لأراضي الولاية، المستشار محمد إسماعيل إبراهيم، في كتابة “روشتة” ناجعة لداء الأراضي، ليعود هذا القطاع الحاد إلى عافيته سليماً من الأسقام؟
(10)
إن الشهور القليلة التي قضاها محمد الأمين أبو الحسن مديراً تنفيذياً لمحلية القطينة -التي تمثل أقصى حدود الولاية الشمالية المتاخمة لولاية الخرطوم- ربما لم تكن كافية لتقييم مجمل أدائه هناك، في محلية ظل مواطنها يشكو لسنوات خلت من إخفاقات قديمة في الخدمات والتنمية. ومع ذلك، طال التغيير الحكومي المحدود موقعه، وربما تكون ذات الأسباب هي التي عجلت برحيل رفقائه في محليات قلي، والسلام، والدويم، مع احتفاظ المديرين التنفيذيين الآخرين بمواقعهم.
(11)
وجاء التغيير المحدود في حكومة الفريق قمر الدين بالدكتور حسن علي خليفة لقيادة المجلس الأعلى للثروة الحيوانية بالولاية، وهو مستند إلى تجربة علمية وعملية تؤهله لإكمال ما بدأه سلفه من خطط مستقبلية في مشروعات قطاعات الثروة الحيوانية، والسمكية، والمراعي، من منشآت، وبرامج، ولقاحات، وسلالات، واستثمارات. والشهور المقبلة ستفصح عن الكثير، نجاحاً أو إخفاقاً.
(12)
ورغم التباين الواضح في وجهات نظر الكثيرين حوله -قدحاً أو مدحاً- نجح الصادق محمد عثمان في ملفات عديدة؛ بدءاً بفترته في محلية قلي، ثم مديراً تنفيذياً لمحلية ربك (حاضرة الولاية)، وانتهاءً بمحلية كوستي التي حقق فيها نجاحات ملموسة إبان فترة حكم الوالي السابق عمر الخليفة، وهي النجاحات التي أسهمت في نقله سابقاً أميناً عاماً لحكومة الولاية. وفي التشكيل الجديد، ينتقل مديراً تنفيذياً لمحلية الدويم، متبادلاً المنصب مع الأستاذ الجامعي الدكتور صلاح محمد إبراهيم، المدير التنفيذي لعدد من المحليات في حكومات سابقة، والذي كانت الدويم آخر محطاته؛ وهي محلية تعاني من مشكلات معقدة في قطاعات مختلفة، لينتقل إبراهيم بموجب هذا التشكيل ليتولى منصب الأمين العام لحكومة الولاية. والشهور القليلة القادمة كفيلة بكشف المزيد.
(13)
آمال عريضة وتحديات جسام تصاحب ميلاد هذه الحكومة محدودة التغيير في النيل الأبيض؛ حيث يترقب الشارع بآمال متجددة مصفوفةً من الإصلاحات الخدمية والتنموية. فالصحة المتاحة، والتعليم النوعي، واستقرار إمدادات المياه والكهرباء، لم تعد مجرد مطالب عابرة، بل هي حجر الزاوية الذي يمهد الطريق لتدفق الاستثمارات وتوطين التنمية المستدامة. إنها مرحلة صياغة المستقبل، وتتطلب عهداً جديداً من العمل التنفيذي الذي يترجم الطموحات إلى واقع ملموس في حياة المواطن.



