المقاومة الموازية: مخططات المضاربين تتهاوى أمام استراتيجية الدولة

تجار السوق الموازي يقاومون قرارات البنك المركزي
د. الناير: الإجراءات الحالية خطوة مهمة لكنها غير كافية
محلل اقتصادي: “المقاومة” المرصودة محاولة يائسة للاحتفاظ بريع غير مستحق
خبير استراتيجي: استمرار التدخل المصرفي سيكبد المضاربين خسائر فادحة
عمليات شراء وهمية لرفع الأسعار دون مبرر
وفرة النقد الأجنبي بالبنوك تحاصر تجار العملة
صغار المتعاملين يقعون في فخ إشاعات المضاربين
تقرير: رمضان محجوب
سجل السوق الموازي يوم الأحد حالة من الغليان والارتباك؛ ففي الوقت الذي يدفع فيه البنك المركزي بكل ثقله لضبط سعر الصرف عبر ضخ السيولة، تحاول جيوب “المقاومة” الاقتصادية إفساد هذه الجهود بضخ الشائعات وتحديد أسعار خيالية. يضع هذا التقرير النقاط على الحروف كاشفاً حقيقة هذه الألاعيب التي تقتات على تضليل المواطنين، ويوضح كيف تتحصن الدولة ضد هذه الضربات، مبيناً أن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي يبدأ بوعي الناس قبل قرارات المسؤولين.
▪️ تجار الأزمات.. مخططات خاسرة للمضاربين
تتمسك القوى التي تضررت من تنظيم السوق بورقة “الحرب النفسية”، حيث يفتعلون عمليات شراء ضخمة للذهب أو العملة بأسعار لا تمت للسوق بصلة. لا يبحث هؤلاء عن ربح تجاري بقدر ما يبحثون عن ترويع المواطنين وزرع الخوف من انفجار وشيك للأسعار؛ هذا التكتيك الرخيص يدفع البسطاء وبعض المستوردين المبتدئين للركض وراء العملة بأسعار خرافية. إنها حيلة مكشوفة تهدف لبيع الوهم بأن النظام المصرفي عاجز عن سد حاجة السوق، بينما الحقيقة أن البنوك بدأت فعلياً بفرض واقع جديد يتيح النقد بأسعار عادلة ومتاحة.
▪️ المركزي.. ضخ السيولة لكسر شوكة المخطط
أتاح المركزي للمستوردين نافذة حقيقية، وضخ دفعات من العملة كسر بها حدة الطلب المفتعل الذي كان يقتات على ندرة الموارد. هذا ليس مجرد إجراء إداري، بل هو إعلان عن نهاية حقبة التسيب؛ فعندما يجد التاجر وجهته المصرفية ميسرة، يغادر السوق الأسود غير مأسوف عليه. سيجد كل من خزن العملة أو الذهب بأسعار باهظة نفسه أمام خسائر طاحنة حين تصطدم أسعارهم الوهمية بتوفر العملة في القنوات الرسمية.

▪️ الناير: تدخلات المركزي وفعالية السيولة
يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير في حديثه للعودة أن بنك السودان المركزي انتقل من مقعد المتفرج إلى التدخل الفعلي لتغطية احتياجات المصارف الجوهرية. يهدف هذا التحرك -حسبما أوضح للعودة- إلى كبح جماح التقلبات العنيفة التي تضرب سعر الصرف. يرى الناير أن هذه الخطوات تأتي في وقتها لترتيب البيت من الداخل وتوفير التمويل للعمليات الحيوية، شريطة أن تظل السلطات النقدية متيقظة وذكية في قراءة حركة السوق المتقلبة.
▪️ تحدي الشائعات وفجوة المضاربين القاتلة
يشير الدكتور الناير إلى أن المعركة الحقيقية هي “معركة إشاعة”؛ فسرعة تأثر الجنيه بالشائعات تسبب انزلاقات حادة في قيمته. المشكلة أن السوق لا يصحح نفسه تلقائياً حتى بعد زوال أسباب الأزمة، مما يضع عبئاً ثقيلاً على السلطات الرقابية. يوضح الناير للعودة أن الفجوة بين القيمة الحقيقية للجنيه وما يفرضه المضاربون باتت تشكل تهديداً لقدرة الناس الشرائية، وهو ما يفرض على الدولة اتخاذ مواقف حازمة وعاجلة قبل أن تستفحل الأزمة.
▪️ حصر الذهب وتفعيل المنظومة الرسمية
يعتقد الناير أن الإجراءات الحالية، كإلزام شركات البترول بتوريد احتياطي من الذهب، خطوة في الطريق الصحيح لكنها وحدها لن تكفي. يشدد في حديثه للعودة على ضرورة تحويل الذهب بالكامل إلى شريان في المنظومة الرسمية لوقف نزيف التهريب. استمرار القنوات غير الرسمية يعني استنزاف مواردنا، بينما يعني توجيه الذهب نحو القنوات الرسمية دعماً مباشراً لقوة الجنيه ومنح البنك المركزي قدرة أكبر على المناورة والاستقرار.
▪️ استراتيجية الإنتاج وترشيد الإنفاق العام
يؤكد الناير أن الاستقرار المستدام لا يأتي عبر المسكنات، بل عبر استراتيجية تضع الإنتاج، زيادة الصادرات، وإحلال الواردات كأولوية قصوى. لفت في سياق حديثه للعودة إلى أهمية ترشيد الإنفاق الحكومي وزيادة الإيرادات بعيداً عن جيوب المواطنين. الاعتماد المفرط على الاستيراد يضغط على احتياطياتنا ويخلق عجزاً مزمناً في الميزان التجاري، مما يحتم إعادة ترتيب أولوياتنا لتحفيز الإنتاج كخيار وحيد للتعافي الشامل.
▪️ ضوابط البنوك والتنسيق لسد الثغرات
يطالب الناير في ختام حديثه للعودة بتشديد الرقابة على البنوك لضمان ذهاب النقد الأجنبي لعمليات الاستيراد الحقيقية والسلع الضرورية. يؤكد للعودة أن يقظة السلطات النقدية هي الحصن المنيع ضد المضاربين، والتنسيق الوثيق مع المصارف بات أمراً محتوماً للسيطرة على تدفق العملة. هذا التناغم كفيل بضبط الأسعار وإغلاق أبواب السوق الموازي التي تعرقل استقرار الدولة وتضع الاقتصاد تحت رحمة الانهيار.
▪️ تفكيك المنظومة الموازية وأدوات الشفافية
يرى محلل اقتصادي في حديثه للعودة أن “المقاومة” التي نراها اليوم هي رقصة المذبوح لمجموعات عاشت سنوات على ريع غير مشروع وتشوهات هيكلية. يقول المحلل في حديثه للعودة إن تآكل مصالحهم جعلهم يلجأون لأساليب التضليل، لكن هذه الفقاعة ستنفجر أمام سياسات التحرير المنضبط. يقترح المحلل للعودة بناء منصة رقمية شفافة تظهر أسعار التعاملات المصرفية لحظة بلحظة؛ هذا سيجعل سعر السوق الموازي مجرد رقم باهت لا يعتد به، ويجرد المضاربين من سلاح “الغموض” الذي يتلاعبون به في الأسعار.
▪️ ميثاق الشراكة ومستقبل التعافي
يذهب خبير استراتيجي في حديثه مع العودة إلى أن استمرار تدخل المصرف المركزي سيجعل المضاربين يتجرعون خسائر فادحة، ويدعو لـ “ميثاق شراكة” يعيد الثقة بين الدولة والقطاع الخاص. تلتزم الدولة بالشفافية والوفرة، ويلتزم القطاع الخاص بالعمل المؤسسي. يشير الخبير في حديثه للعودة إلى أن خارطة الطريق واضحة: تحرير الصادرات، تعزيز الاحتياطيات للتدخل العكسي، ودعم الإنتاج المحلي. يختتم الخبير حديثه للعودة بأن نجاح هذه الخطوات يتطلب سياسات مالية حصيفة لا تعتمد على المسكنات، بل تعيد بناء الاقتصاد على أعمدة الإنتاج الحقيقي الذي يحمي السوق من عبث المضاربين.



