الشهيد العقيد الركن عبدالله محمد عبدالله (مارثون)

بقلم/ عقيد ركن أنس محمد المنسوب
لا أدعي معرفة النفس البشرية ، لكن اقول بكل ثقة ، إن المواقف القاسية تكشف معادن الرجال ، وأن المنعطفات الحرجة تغير من صفاتهم وسلوكهم ، وقد قدمت لنا معركة الكرامة نماذج من الشهداء و الأبطال ، كل منهم يمثل حكاية ومواقف تستحق أن تروى للأجيال ، لنقف على عظمة هذا الشعب الذي أنجبهم .
عندما اندلعت معركة الكرامة ، كان الشهيد العقيد الركن عبدالله محمد عبدالله (مارثون)(الدفعة ٤٥) يناقش رسالة الدكتوراه في اللغة الانجليزية ، بالتزامن مع دراسته في أكاديمية الأمن العليا لنيل درجة الدكتوراه في الدراسات الاستراتيجيه ، وقد كان يكرس جل وقته للتأهيل الأكاديمي الذي أهله لإدارة ملفات حساسة بعيدا عن الواجبات الروتينية للضباط.

حولت حرب الكرامة الشهيد إلى وحش كاسر ، بعد أن كان يعرف بالهدؤ والحكمة ، وبحكم قربي منه ، فقد كنت اسمعه يتحدث كثيراً عن حوجة الشعب لتضحيات القوات المسلحة ، وأن لا مجال للتراجع و التقاعس ، وقد كان واضحاً أن الشهيد قد حسم أمره تماماً ، ولم تعد تشغله احاديث سوى احاديث الحرب والبطولات .
للأمانة والتاريخ ، لن انسي ذلك اليوم في الشهر الاول من الحرب ، عندما رأيت الشهيد وهو يحمل القرنوف ويركض نحو قوات التمرد المهاجمة لمنطقة الفتيحاب ، وخلفه مئات الجنود وهم يهتفون بشعارات النصر والحماس ، لقد كان الموقف مهيبا ونحن نرى ذلك الرجل النحيل الحكيم وقد تحول الي مقاتل شرس يلقي الرعب في قلوب الأعداء ، ولم تمض دقائق إلا وقد تمكن الشهيد مع قواته من تدمير عدد من العربات ، وإجبار البقية على الفرار .
لن انسى موقفه عندما تواصلت معه لاحدثه عن بعض الأسر المتعففة في منطقة الفتيحاب ، وحوجتهم لبعض المساعدات ، وانا اعلم حاله الميسور ، فما كان منه إلا وان تكفل بكل تلك الأسر من ماله الخاص ، وأصبح مصدر ثقة لسكان منطقة الفتيحاب ، ومازلنا نذكر الحزن الذي خيم على سكان المنطقة ، ولن ننسى الدموع التي ذرفت من الكبار والصغار حزنا على استشهاده .
ظل الشهيد يقاتل ويطارد العدو في ام درمان ، ولم تكن ترعبه مدفعية العدو ، أو قناصته ، بل كان يزداد إصرارا وثباتا وإيماناً بعدالة موقفه ، وأصبح المصدر الذي يستمد منه الجنود الثبات والقوة ، و قد أصبح قدوة للضباط في الشجاعة والإقدام والثبات .
لن تكفي هذه السطور لوصف شخصية الشهيد ، فقد كانت تضحياته ومواقفه دروس ، تعكس معدن رجل ضحى بماله ودمه من أجل كرامة شعب ومن أجل وطن انهكته المؤامرات . رجل تناسى أحلامه وأسرته ، و ووقف سدا منيعا أمام هجمات المليشيا ، وقاد جنوده من نصر إلى نصر إلى أن أسلم الروح شهيداً باذن الله في سبتمبر ٢٠٢٤م .
اللهم اغفر له و ارحمه واسكنه فسيح جناتك مع الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن اولئك رفيقا.



