المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: جذورنا التاريخية القديمة -الجزء 16/3 

​كرمة.. العبقرية الصناعية والجيوسياسية وسقوط العاصمة

*​نتابع في هذا الجزء الثالث من هذه السلسلة مملكة كرمة العريقة (2500 – 1500 ق.م)، لنسلط الضوء على الوجه الآخر لهذه الحضارة الممتدة؛ وجه الإبداع التقني، التميز الاقتصادي، والعلاقات الدولية. نتأمل في هذا السرد السر الإعجازي للفخار الكرمي الذي أبهر عوالم العصر القديم، ونتتبع ورش صهر البرونز وصناعة الجواهر والأثاث الملكي الفاخر التي عكست اقتصاد المعرفة الكوشي. وختاماً، نحلل العلاقات الجيوسياسية المتشابكة والمناورات العسكرية بين كرمة، الفراعنة، والهكسوس، والتي انتهت بمواجهة كبرى أدت لحرق العاصمة ونقل المركز الحضاري جنوباً نحو “نبتة”.

 

التميز الفني والتقني للفخار الكرمي المعجز

 

​تُعد المنتجات الفخارية لحضارة كرمة الأكثر لفتاً للانتباه والتميز الفني على مدار أكثر من ألف عام من التطور المستمر، حيث حافظ الكوشيون على تقنيات تصنيع فريدة برغم عدم استخدامهم لعجلة الفخار (المخرطة) إلا في حِقب تجريبية متأخرة جداً. تميزت كرمة المبكرة (نحو 2500 ق.م) بفخار مقشور ومصقول ذي قاع أحمر ونقش أسود عند الحافة ومزين بأشرطة محفورة تُصنع عن طريق تأرجح الآلة وهو ما عُرف بالتعليم المتأرجح، وشهدت كرمة الوسطى (نحو 2050 ق.م) إدخال أشكال جديدة من الجرار ذات الشفاه البارزة والزخارف المحزوزة.

​وبلغت هذه الصناعة ذروة تطورها الإبداعي والتقني في عصر كرمة الكلاسيكية (1750 – 1500 ق.م) بابتكار “الكؤوس الفخارية الرقيقة الرائعة” ذات الجدران النحيفة الهشة، والملونة بالأسود المصقول اللامع من الداخل وعند الحافة، والأحمر الفاخر من الخارج مع وجود شريط فضي رمادي يفصل بين اللونين نتيجة التحكم الدقيق في درجات حرارة الأفران وغازاتها، وكانت هذه الكؤوس توضع في مدافن الأطفال داخل أكياس شبكية رقيقة وتُغطى بأغطية مخروطية، مما جعل فخار كرمة علامة صناعية مميزة تفوقت على فخار عوالم العصر القديم المزامنة لها وعُثر عليها داخل القلاع المصرية الكبرى مثل بوهين وسمنة وتوماس وسرقسمة.

 

​*الإنتاج المادي والصناعات اليدوية واقتصاد المعرفة الكوشي*

​امتلكت كرمة قاعدة صناعية متطورة وورش عمل متخصصة كشفت عنها الحفريات في وسط المدينة؛ حيث عُثر على أفران لصهر البرونز والنحاس وصناعة أدوات زينة وجواهر متميزة تجاوزت في دقتها مراكز الإنتاج المصرية الكبرى، وشملت إنتاج القاشاني (الفيانص) الأزرق، والخرز الدائري المصنوع من الكوارتز وقشر بيض النعام، والأقراط والأساور المقصوصة من حجر الميكا (Mica) والذهب والفضة واللازورد. كما ازدهرت صناعة المعادن لإنتاج الخناجر البرونزية ذات المقابض المصنوعة من العاج والأبنوس، والسكاكين، والمرايا، والسهام، جنباً إلى جنب مع صناعة حجرية متطورة لإنتاج شظايا المناجل وتجهيز جلود الحيوانات التي طُرّزت بأشكال الطيور والحيوانات مثل الصقر والخرتيت عبر تطعيمها بالعظام والنحاس معبرة عن ذوق سوداني خالص لم يعرفه المصريون حتى القرن السادس عشر قبل الميلاد.

​ورافق ذلك صناعة خشبية فاخرة لتصنيع الأسرة الملكية وصناديق الحلي المدعومة بخشب الأبنوس والسنط الفيروزي المتوفر في سهول جنوب كرمة، بجانب صناعة المنسوجات من الكتان المحلي الفاخر، مما يؤكد تفرد اقتصادها الإنتاجي المستقل وامتلاكها آليات معقدة لإحصاء وختم البضائع وتداولها تجارياً.

 

​*العلاقات الجيوسياسية والتجارية والصراع العسكري وسقوط العاصمة*

​تُثبت المعطيات الأثرية أن علاقة مملكة كرمة بمصر كانت ذات طبيعة سياسية وعسكرية ودبلوماسية متبادلة؛ فخلال عصر الانتقال الأول بمصر (الأسرات 7-10، 2181 – 2040 ق.م) ضعف النفوذ المصري لتسترد كرمة سيادتها، لكن مع صعود الأسرة 12 (1991 – 1785 ق.م) وخاصة في عهد الملك “سنوسرت الثالث”، شُيدت سلسلة من الحصون والقلاع الدفاعية (مثل بوهين وسمنة) لحظر مرور السفن الكوشية شمالاً إلا بغرض التجارة الموجهة، واستمر هذا حتى أوائل الأسرة 13 (1785 – 1650 ق.م). ومع انهيار الدولة الوسطى ودخول الهكسوس إلى مصر (1674 – 1567 ق.م)، استغلت كرمة الفرصة واحتلت الحصون المصرية وصولاً إلى أسوان، وشهدت هذه الحقبة تحالفاً عسكرياً ودبلوماسياً فريداً وثقته “لوحة كامس الثانية” في القرن الـ16 قبل الميلاد، حيث اعترضت استخبارات الملك المصري رسالة من ملك الهكسوس “أبوفيس” (أوبيد) إلى ملك كوش يدعوه فيها للزحف المشترك ومحاصرة مصر واقتسام غنائمها.

​وجاءت نهاية كرمة السياسية نتيجة المواجهة العسكرية الشاملة مع ملوك الأسرة الثامنة عشرة (الدولة الحديثة 1570 – 1320 ق.م) الذين طردوا الهكسوس وتوجهوا جنوباً؛ حيث قاد الملوك أحمس الأول وأمنحتب الأول وتحتمس الأول حملات طاحنة، وتوج “تحتمس الأول” هذه الحملات عام 1518 ق.م (السنة الثانية من حكمه) بهزيمة جيش كرمة وتخريب أسوارها وإحراق الدفوفة بالكامل في عام 1515 قبل الميلاد بناءً على تحليلات الكربون المشع للبعثة السويسرية، مما اضطر الكوشيين لاحقاً إلى نقل مركزهم الحضاري والديني جنوباً نحو مدينة “نبتة” بجبل البركل، لتدخل كرمة تدريجياً في طور النسيان المعماري بحلول القرن الرابع قبل الميلاد، بعد أن دامت حضارتها العريقة لأكثر من ألف عام. .. نواصل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى