من البندقية إلى الخزينة.. هل وجد جبريل إبراهيم ضالته في وزارة المالية؟

بقلم/ محمد فؤاد عيد 

الحركات المسلحة بين شعارات العدالة وإغراء السلطة واختبار الدولة

 

في السياسة السودانية لا تكاد وزارة تثير التساؤلات وتشعل الجدل خلف الجدران وفي المجالس العامة بقدر ما تثيره وزارة المالية فهي ليست مجرد مؤسسة تتولى إعداد الموازنة أو الإشراف على الإنفاق بل تمثل قلب الدولة النابض اقتصادياً والعصب الذي تتصل به ملفات الثروة والاستثمار والتجارة والديون والعلاقات المالية داخلياً وخارجياً.

ومن هنا يظل السؤال مطروحاً بقوة لماذا يتمسك الدكتور جبريل إبراهيم بوزارة المالية؟ ولماذا يبدو هذا المنصب في نظر البعض وكأنه خط أحمر يصعب تجاوزه؟

وما سر الأهمية البالغة لهذه الوزارة بالنسبة إلى زعيم حركة حملت السلاح يوماً ضد سياسات الدولة احتجاجاً على ما اعتبرته اختلالاً تاريخياً في توزيع السلطة والثروة؟

السؤال لا ينبع من فراغ. فجبريل إبراهيم لم يأتِ من رحم البيروقراطية الحكومية التقليدية بل من قيادة حركة العدل والمساواة التي رفعت شعارات محاربة التهميش وتحقيق العدالة في توزيع الثروة والسلطة.

ومن هنا تبرز المفارقة السياسية الكبرى هل أصبحت وزارة المالية التي تمثل أحد أهم مراكز الدولة المركزية أداة لتحقيق المشروع الذي حملت الحركة السلاح من أجله؟ أم أن المنصب تحول بمرور الوقت إلى مركز نفوذ يصعب التفريط فيه؟

*من التمرد على المركز إلى إدارة خزائنه :*

عندما خرجت الحركات المسلحة إلى الميدان كانت إحدى أبرز حججها أن القرار السياسي والاقتصادي ظل محتجزاً في الخرطوم وأن مناطق واسعة من السودان وعلى رأسها إقليم دارفور لم تحصل على نصيب عادل من السلطة والثروة والتنمية.

كان الخطاب واضحاً هناك مركز يحتكر القرار وهامش يدفع الثمن.

لكن اتفاقات السلام ثم المشاركة في الحكم نقلت عدداً من قادة تلك الحركات من مواقع المعارضة المسلحة إلى مواقع صناعة القرار.

وأصبح بعض الذين حاربوا الدولة بالأمس جزءاً من مؤسساتها اليوم بل أصبحت منازلهم ومكاتبهم ومواقعهم السياسية قريبة ممن كانوا يختلفون معهم وربما يقاتلونهم في الماضي.

وهنا يظهر الاختبار الحقيقي

هل يستطيع من حمل السلاح ضد سياسات الدولة أن يغير تلك السياسات عندما يصبح جزءاً منها؟

أم أن مؤسسات السلطة قادرة بمرور الزمن على تغيير الداخلين إليها أكثر مما يستطيعون هم تغييرها؟

*لماذا وزارة المالية تحديداً؟ :*

وزارة المالية ليست حقيبة وزارية عادية.

من خلالها تُعد الموازنة وتحدد أولويات الإنفاق وتدار الإيرادات العامة والديون والاستثمارات وتُبنى العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية.

المال في السياسة ليس مجرد أرقام في دفاتر الحسابات المال قوة ونفوذ وقدرة على تحديد الأولويات.

فالوزارات السيادية قد تمنح صاحبها حضوراً سياسياً لكن وزارة المالية تضعه في قلب حركة الدولة الاقتصادية.

ومن هذا المنطلق يرى أنصار جبريل إبراهيم أن تمسكه بالوزارة لا يمثل تناقضاً مع مشروع حركة العدل والمساواة بل قد يكون الطريق العملي لترجمة شعاراتها إلى سياسات.

فإذا كانت الحركة قد قامت احتجاجاً على سوء توزيع الثروة فأين يمكن معالجة ذلك بصورة أكثر مباشرة من وزارة تدير المال العام؟

ذلك هو منطق أنصاره.

لكن المواطن من حقه أيضاً أن يطرح السؤال المقابل ماذا تحقق فعلياً؟

*هل وجد جبريل ضالته؟ :*

بعد سنوات من العمل السياسي والمسلح يبرز سؤال ربما يكون أكثر أهمية من سؤال التمسك بالوزارة نفسها هل وجد جبريل إبراهيم في وزارة المالية ما كان يبحث عنه طوال سنوات الصراع؟

إذا كانت حركة العدل والمساواة قد حملت السلاح تحت شعار العدالة في توزيع السلطة والثروة فإن وزارة المالية تمثل عملياً الموقع الأكثر اتصالاً بإدارة الثروة القومية وتوجيه الموارد العامة فهل أصبحت الوزارة وسيلة لتنفيذ المشروع الذي نادت به الحركة منذ تأسيسها؟

أم أن تعقيدات السلطة والحكم فرضت واقعاً مختلفاً عن الأحلام والشعارات الأولى؟ وهل استطاع جبريل تغيير قواعد إدارة المال العام؟ أم أن قواعد السلطة القديمة فرضت عليه شروطها؟

إنها أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالشعارات أو الخطب السياسية بل بالنتائج أين ذهبت شعارات العدالة؟

ظل شعار العدالة الاقتصادية أحد أبرز مرتكزات خطاب حركة العدل والمساواة لكن بعد سنوات من المشاركة في الحكم يحق للمواطن أن يسأل ماذا تحقق من تلك الشعارات؟ هل انعكست السياسات الاقتصادية على حياة المواطنين؟ وهل تراجعت الفوارق التنموية بين المركز والأقاليم؟ بل هل أصبحت الموارد أكثر خضوعاً للرقابة والشفافية؟

هل شعر المواطن في المناطق التي قيل إنها حملت السلاح بسبب التهميش بأن نصيبه من الدولة قد تغير؟

أم أن الواقع يعيد إنتاج الأسئلة القديمة نفسها ولكن بأسماء ووجوه جديدة؟

في النظم السياسية الحديثة من حق المواطن أن يسأل وينتقد ويطالب بالمحاسبة وهناك فرق واضح بين التساؤل السياسي المشروع وبين اتهام النوايا دون دليل.

لذلك فإن السؤال عن أداء جبريل إبراهيم لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة شخصية وإنما إلى مراجعة سياسية واقتصادية ماذا فعل؟ وماذا حقق؟ وما حجم الإنجازات مقارنة بالوعود؟

السلطة.. الامتحان الذي لا ترحمه الشعارات :

التاريخ السياسي مليء بقادة حملوا رايات التغيير ثم واجهوا اختبار السلطة فمنهم من استطاع تحويل شعاراته إلى سياسات ومنهم من غيرته السلطة أكثر مما غير هو مؤسساتها.

وهنا لا يكون الحكم على المسؤول بطول بقائه في المنصب أو بتاريخ نضاله بل بمستوى الشفافية والنتائج الاقتصادية ومدى التزامه بالمشروع الذي جاء منه ومن اجلة وقدرته على قبول المساءلة والنقد.

وفي السودان يظل السؤال حاضراً هل ما زالت الحركات المسلحة تحمل مشاريع تغيير سياسي حقيقية؟ أم أنها أصبحت جزءاً من معادلة السلطة التقليدية التي خرجت يوماً لمحاربتها؟

*المال سلطة.. والذهب مفتاح الخزينة:*

إذا كانت وزارة المالية تمثل خزينة الدولة فإن الذهب أصبح أحد أهم مفاتيح تلك الخزينة.

السودان يمتلك إنتاجاً مهماً من الذهب وأصبح المعدن الأصفر خلال السنوات الأخيرة واحداً من أهم مصادر النقد الأجنبي للبلاد لكن المفارقة أن هذه الثروة ظلت محاطة بكم هائل من الأسئلة.

كم يبلغ الإنتاج الحقيقي؟ وكم يبلغ حجم الصادرات الفعلية؟ وكم يدخل بالفعل إلى الخزينة العامة؟ وكم يفقد عبر التهريب أو ضعف الرقابة أو اختلال منظومة الحوكمة؟ بل من يملك المعلومات الكاملة عن حركة الذهب منذ خروجه من مواقع التعدين وحتى وصول عائداته إلى الدولة؟

إن إدارة المال العام لا تقتصر على وزارة المالية وحدها فهناك وزارات ومؤسسات وهيئات تتعامل مع قطاعات استراتيجية ضخمة مثل التعدين والطاقة والاستثمار. وكلما زادت قيمة الموارد التي تمر عبر هذه القطاعات أصبحت الحاجة إلى الرقابة والمراجعة والإفصاح أكثر إلحاحاً.

والثقة العامة لا تُبنى بالتصريحات وإنما بالأرقام والبيانات والمؤسسات القادرة على تقديم المعلومات للرأي العام والخضوع للمحاسبة.

وهنا يبرز سؤال مباشر أمام الدكتور جبريل إبراهيم وأركان وزارته ماذا فعلتم لحماية هذه الثروة؟ وما نتائج السياسات التي اتبعتموها؟

السؤال ليس اتهاماً ولكنه حق أصيل للمواطن الذي يملك هذه الموارد.

*السيولة خارج الأطر.. من يراقب حركة المال؟:*

المشكلة السودانية لا تتعلق فقط بمن يشغل منصب وزير المالية بل بطبيعة النظام المالي نفسه فلسنوات طويلة عانى السودان من تعدد مراكز القرار الاقتصادي ومن وجود موارد ضخمة تتحرك أحياناً بعيداً عن الرقابة المؤسسية الكاملة عبر شركات أو مؤسسات أو أنشطة اقتصادية مرتبطة بقطاعات استراتيجية وفي مثل هذه البيئة يصبح سؤال الشفافية أكثر أهمية من سؤال الأشخاص.

فالدولة الحديثة لا تُقاس بحجم ثرواتها فقط وإنما بقدرتها على معرفة أين تذهب تلك الثروات وكيف يتم إنفاق عائداتها ومن يراقب القائمين عليها.

*أزمة الثقة.. ماذا يحدث خلف الجدران؟:*

أحد أخطر التحديات التي تواجه السودان اليوم ليس الحرب والأزمة الاقتصادية وحدهما بل أزمة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

فالمواطن الذي يعيش النزوح وغلاء المعيشة وانهيار الخدمات يتساءل بصورة طبيعية عن مصير موارد بلاده كيف يمكن لدولة تمتلك الذهب والأرض والمياه والثروة الحيوانية أن يعيش مواطنها كل هذه الأزمات؟

وعندما تغيب المعلومات الدقيقة أو تتضارب الروايات الرسمية تتسع مساحة الشك.

ومن هنا فإن وزارة المالية مطالبة بأكثر من إدارة الحسابات إنها مطالبة ببناء الثقة والشفافية ليست بياناً صحفياً يصدر عند الضرورة بل ممارسة دائمة تجعل المواطن يعرف حجم الإيرادات وأوجه الإنفاق ومصير الموارد السيادية.

غياب هذه الصورة الواضحة هو ما يخلق حالة التوجس وما يجعل الكثيرين يتساءلون عما يجري خلف جدران الوزارة.

*هل غيّرت السلطة أولويات الحركات؟:*

ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحإ هو هل غيرت المشاركة في السلطة أولويات بعض الحركات المسلحة؟

ففي الماضي كانت الشعارات تتحدث عن مقاومة التهميش وإعادة هيكلة الدولة وتحقيق العدالة

أما اليوم فيرى منتقدون أن بعض القوى السياسية أصبحت أكثر حرصاً على مواقعها داخل مؤسسات الحكم.

وهنا تكمن المعضلة.

فالحركة التي تستمد شرعيتها من شعارات الإصلاح والتغيير مطالبة دائماً بإثبات أنها لم تتحول إلى جزء من النظام الذي كانت تنتقده.

ولا يوجد معيار أفضل لذلك من الشفافية والكفاءة والنتائج التي يلمسها المواطن.

*اتفاق جوبا نهاية البندقية أم استراحة المقاتل؟:*

نشأت معظم الحركات المسلحة على خلفية مظالم سياسية واجتماعية واقتصادية دفعتها إلى حمل السلاح في مواجهة الدولة لكن الانتقال من التمرد إلى الحكم يفترض تحولاً جذرياً في التفكير فمن يدخل مؤسسات الدولة يصبح مطالباً بحمايتها لا مقاتلتها وبالمحافظة عليها لا تهديدها.

وهنا يبرز السؤال هل اقتنع قادة الحركات المسلحة بأن الوطن بمفهومه الشامل أكبر من التنظيم والحركة والأيديولوجيا؟

وهل تحول اتفاق جوبا للسلام من مجرد تسوية سياسية وتقاسم للمواقع إلى قناعة راسخة بأن التغيير يجب أن يتم عبر المؤسسات والدستور والعمل السياسي السلمي؟

الإجابة لا تُقاس بالخطب بل بالممارسة.

*ما ضمانة ألا تعود البنادق؟:*

ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر حساسية في مستقبل السودان ما الضمانات التي تمنع أي حركة مسلحة من العودة إلى السلاح عندما تختلف مع الحكومة أو تفقد موقعاً سياسياً؟

لقد شهد السودان اتفاقات سلام عديدة انتهى بعضها إلى انهيار أو ظهور صراعات جديدة.

ولهذا فإن التوقيع على الورق وحده لا يكفي

الضمان الحقيقي يتمثل في بناء مصالح وطنية مشتركة تجعل العودة إلى الحرب خياراً مكلفاً سياسياً وأخلاقياً وشعبياً.

كما أن دمج القوات وإعادة التأهيل وتوسيع المشاركة السياسية وتحقيق العدالة التنموية وبناء مؤسسات دستورية مستقرة تمثل ضمانات أكثر قوة من أي توقيع.

*من يحمل البندقية.. هل يستطيع حمل معول البناء؟:*

التاريخ لا يحكم على الحركات المسلحة بعدد المعارك التي خاضتها بل بما فعلته عندما توقفت المدافع فالبندقية قد تفرض واقعاً عسكرياً لفترة لكنها لا تبني مدرسة ولا تشق طريقاً ولا تؤسس مصنعاً ولا تزرع حقلاً ولا تعالج مريضاً.

واليوم لا يحتاج السودان إلى المزيد من البنادق بقدر حاجته إلى العقول والأيدي العاملة.

البلاد التي دمرتها الحرب تحتاج إلى إعادة بناء المدن والقرى وإصلاح الطرق وتشغيل المشاريع الزراعية والمصانع وإعادة المدارس والمستشفيات إلى الحياة.

وهنا يصبح السؤال موجهاً إلى جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي وبقية قادة الحركات الموقعة على اتفاق جوبا:

هل نجحتم في إقناع جنودكم بأن مرحلة البندقية يجب أن تنتهي لتبدأ مرحلة البناء؟

هل يستطيع المقاتل الذي حمل السلاح سنوات طويلة أن يتحول إلى مزارع أو عامل أو مهندس أو صاحب مشروع أو جندي داخل مؤسسة وطنية موحدة؟

وهل تستطيع قيادات الحركات أن تقنع جنودها بأن مستقبلهم الحقيقي في بناء السودان لا في انتظار حرب جديدة؟

*والسؤال الأصعب أمام جبريل ربما يختصر كل هذا الجدل:*

هل يستطيع الدكتور جبريل إبراهيم أن يقنع جنوده بأن الوطن أهم من وزارة المالية؟

هل يستطيع أن يقول لهم إن مشروع العدل والمساواة لا ينبغي أن يرتبط بكرسي أو وزارة أو موقع في السلطة؟

وهل يمكن للحركة أن تظل متمسكة بالدولة حتى إذا فقدت وزارة المالية يوماً؟

ذلك هو الامتحان الحقيقي.

فنجاح الحركات المسلحة في السودان لن يُقاس بوصول قادتها إلى الوزارات والقصور بل بقدرتهم على تحويل المقاتلين إلى مواطنين منتجين والحركات إلى أحزاب سياسية والبنادق إلى أدوات بناء.

وعندما يستطيع السودان الانتقال من ثقافة «المطالبة بالحقوق عبر القوة» إلى ثقافة «الحصول على الحقوق عبر المؤسسات والقانون»، عندها فقط يمكن القول إن السلام لم يكن استراحة بين حربين.

بل كان بداية دولة.

نقطة نظام :

ربما لم يعد السؤال لماذا يتمسك جبريل إبراهيم بوزارة المالية؟

السؤال الأكبر هو:

ماذا سيحدث إذا تركها؟

هل يبقى مشروع العدل والمساواة مشروعاً سياسياً داخل الدولة؟

أم أن قوة المشروع ما زالت مرتبطة بالموقع والنفوذ؟

بين الخنادق والخزائن مسافة طويلة.

لكن المسافة الأطول والأصعب هي تلك التي تفصل بين حمل البندقية وحمل مسؤولية الوطن.

وهنا تحديداً سيكتب التاريخ حكمه.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى