“البحر الأحمر.. بين نقطة الإمداد ورهن السيادة”

بقلم/ د. عبدالعزيز الزبير باشا

مقدمة: البحر الأحمر شريان الاقتصاد العالمي

يمر عبر البحر الأحمر سنوياً أكثر من *21 ألف سفينة*، وما يقارب *10% من تجارة النفط العالمية*، وبضائع تقدر قيمتها بـ *350 مليار دولار*.

ويمتلك السودان ساحلاً يمتد لـ *853 كيلومتراً*.. وهو ثروة استراتيجية لم تستثمر بعد. وفي ظل الحديث عن إنشاء “نقطة دعم لوجستي روسي” على سواحلنا، يبرز السؤال الجوهري: *كيف نحول هذا الموقع إلى رافد للاقتصاد الوطني دون المساس بسيادتنا؟*

 

*أولاً: العوائد الاقتصادية المحتملة لنقطة الإمداد اللوجستي*

إن أحسنا إدارة هذا الملف، فإن المكاسب مباشرة وقابلة للقياس:

1. *تنشيط الاقتصاد الأزرق*: إن إنشاء مركز لوجستي حديث يمكن أن يدر على الخزينة العامة ما بين *300 إلى 500 مليون دولار سنوياً* من رسوم التموين والصيانة وخدمات السفن. علماً بأن ميناء بورتسودان يعمل حالياً بأقل من 15% من طاقته الاستيعابية.

2. *توفير فرص العمل*: يقدر الخبراء أن مثل هذا المشروع سيوفر ما بين *8 إلى 12 ألف فرصة عمل* مباشرة وغير مباشرة لأبناء ولاية البحر الأحمر في مجالات الملاحة والهندسة والخدمات والنقل.

3. *جذب الاستثمارات المقابلة*: تقتضي أعراف العلاقات الدولية أن يقابل أي وجود لوجستي استثمار حقيقي. ويمكن ربط الاتفاق بإنشاء *محطة طاقة كهربائية بقدرة 500 ميقاوات*، و*مصفاة لتكرير النفط*، وتوريد *2 مليون طن من القمح سنوياً*، وتدريب الكوادر السودانية.

4. *رفع التصنيف العالمي للميناء*: إن وجود شريك دولي دائم من شأنه أن يرفع تصنيف ميناء بورتسودان ويجذب خطوط ملاحة جديدة، مما يضاعف من إيراداته.

 

هذا هو التحول المنشود: من ميناء استهلاكي إلى مركز إنتاج وخدمات إقليمي.

 

*ثانياً: الثوابت الوطنية.. السيادة خط أحمر*

إن الأرقام وإن كانت مغرية، إلا أنها لا تشتري السيادة.

1. *السيادة الكاملة وغير المنقوصة*: يجب أن يكون أي اتفاق محدد المدة – 10 سنوات قابلة للتجديد – وخاضعاً للقانون السوداني، وتحت الإدارة السيادية الكاملة لميناء بورتسودان. ولا مجال لإنشاء مناطق خارج سيادة الدولة.

2. *المصالح العليا للأمن القومي*: يشكل البحر الأحمر عمقاً استراتيجياً لدول الجوار الشقيقة. وإن أي تواجد عسكري هجومي من شأنه أن يكلف السودان خسائر اقتصادية وسياسية فادحة، تفوق أي عائد محتمل.

3. *عدم رهن القرار الوطني*: إن مصالح السودان هي البوصلة الوحيدة. لا يجوز رهن قرارنا السيادي لأي طرف إقليمي أو دولي.

4. *الشفافية والتوافق المؤسسي*: إن قراراً بهذا الحجم الاستراتيجي يجب أن يصدر عن مؤسسات الدولة، وأن يتم إعلانه بشفافية للرأي العام، درءاً للشائعات والتكهنات.

 

*ثالثاً: التمييز بين “نقطة لوجستية” و “قاعدة عسكرية”*

إن الفرق بين الخيارين هو فرق بين التنمية والصراع.

*النقطة اللوجستية*: تعني عائداً اقتصادياً + استثماراً + وظائف + استقراراً إقليمياً.

*القاعدة العسكرية الكاملة*: تعني عقوبات + توتراً مع دول الجوار + احتمال تحول السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية.

 

لقد تغيرت معطيات العالم. ومصلحة السودان اليوم تقتضي اختيار الخيار التنموي الذي يعود بالنفع على المواطن.

 

*رابعاً: البحر الأحمر والبعد الإقليمي والدولي*

إن أمن البحر الأحمر جزء لا يتجزأ من الأمن العربي والإفريقي والإسلامي. وعليه، فإن أي اتفاقية يجب أن تكون منسقة ومعلنة، وأن تطمئن دول الجوار بأن السودان دولة محورية تسعى للربط والتعاون، لا للاستقطاب والمواجهة.

 

*الخلاصة: قرار سيادي محسوب*

*السيادة أولاً، والتنمية ثانياً.*

نحن نرحب بالاستثمار الذي يحقق عائداً يصل إلى *نصف مليار دولار سنوياً*، ويوفر فرص عمل لأبنائنا.

ونرفض رفضاً قاطعاً أي اتفاق ينتقص من سيادتنا أو يرهن قرارنا الوطني.

 

*إن مصالح السودان الاستراتيجية لا تدار من الخارج. السودان يحكم بإرادة شعبه وبقوة مؤسساته.*

فليكن شعارنا: *”خذ الكتاب بقوة”*.. أي خذ قرارك بقوة، وعقل، وسيادة.

 

*وطن ومؤسسات… السودان أولاً وأخيراً*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى