معركة الكرامة… الحسم قبل المساومة

بقلم/ د. محمد عوض محمد متولي
حين تتقدم القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لها في كل المحاور العملياتية بثبات وإرادة فولاذية، ويتراجع خصمها إلى مربع الخسائر المتتالية والانهيارات الميدانية والمعنوية، تخرج فجأة دعوات “الهُدنة الإنسانية” من ذات الدوائر الإقليمية والعالمية التي كانت بالأمس القريب تتجاهل معاناة الشعب السوداني وتتغاضى عن جرائم المليشيا المتمردة. هذه المفارقة وحدها كافية لفضح النوايا الحقيقية وراء هذا الخطاب المُعاد تدويره، ولتؤكد أن الحرب الدائرة اليوم ليست مجرد اشتباك عسكري، بل هي اختبار وجودي لمشروع الدولة السودانية نفسها.
إن المتابع الدقيق والمهتم بمسار معركة الكرامة الوطنية يعلم تمام العلم أن الحديث عن هُدنة في هذا التوقيت المفصلي لا علاقة له البتة بالبعد الإنساني. فالبعد الإنساني الحقي يبدأ بإخراج المليشيا المتمردة من منازل المواطنين والمستشفيات والمرافق الخدمية، ويبدأ بفك حصار المدن، ويبدأ بتسليم السلاح وإنهاء احتلال الأعيان المدنية. أما ما يُطرح الآن فهو محاولة مكشوفة لمنح المتمردين فرصة لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب الصفوف، وترميم خطوط الإمداد التي قطعتها ضربات القوات المسلحة المتواصلة، وحماية شبكات نهب الذهب والموارد والتهريب التي تمثل شريان حياتها المالي. إنها استراحة محارب تُمنح للمهزوم لا للمنتصر، ومكافأة للمعتدي لا للمعتدى عليه، ومحاولة يائسة لتجميد الميدان لصالح من خسر المعركة.
إن هذا السيناريو ليس جديداً على الوجدان السوداني. لقد جُرب من قبل في محطات كثيرة. ففي الوقت الذي كانت فيه القوات المسلحة تعاني من ضغط الإمداد أو من حرب إعلامية ونفسية شرسة وممنهجة، لم تتراجع قيد أنملة عن واجبها الدستوري في الدفاع عن الأرض والعرض. واليوم وقد تبدل الحال لصالح الدولة ومؤسساتها الشرعية، وأصبحت المبادرة الميدانية بيد الجيش والقوات النظامية الأخرى والمستنفرين، يعود ذات الخطاب وبذات الأدوات ولكن بغلاف جديد. الهدف واحد وثابت: فرض واقع سياسي للمليشيا المتمردة عبر البوابة الخلفية بعد أن استحال عليها ذلك عبر البوابة العسكرية. إنهم يريدون تحويل الهزيمة الميدانية إلى مكسب سياسي، وتحويل الإرهاب إلى شريك في الحكم.
هنا يبرز دور ما يمكن تسميته بدوائر التآمر الخارجي، وهي دوائر معلومة للكافة بالاسم والفعل والتمويل. هذه الدوائر التي وجدت في السودان ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية، والتي ترى في استمرار الدولة السودانية موحدة وقوية تهديداً لمشاريعها التوسعية واطماعها في الموانئ والموارد. ولتنفيذ هذا المشروع يتم الاستعانة بأدوات محلية من أحزاب وشخصيات باعت ضميرها الوطني، وتحولت إلى أبواق تردد رواية المليشيا وتسوق لها تحت لافتات زائفة من الديمقراطية وحقوق الإنسان. ويأتي في هذا السياق ظهور بعض الوسطاء الدوليين الذين لا يملكون تفويضاً أخلاقياً ولا تاريخاً ناصعاً في المنطقة، في محاولة بائسة للعب دور “مخلب القط” لإتمام صفقة سياسية قذرة تُبقي على أدوات الفوضى مقابل حفنة من الأموال التي تدفعها دويلة الشر المعروفة بعدائها للاستقرار في السودان ومحاولتها المستمرة لفرض أجنداتها عبر وكلاء محليين.
إن القراءة الاستراتيجية الرصينة للأحداث في السودان تقودنا إلى نتيجة واحدة لا تقبل المزايدة. السودان يخوض معركة وجود. معركة بين مشروع دولة مركزية ذات سيادة وجيش قومي واحد عقيدته حماية الوطن، وبين مشروع ميليشاوي فوضوي قائم على نهب الموارد وتفتيت النسيج الاجتماعي وتحويل البلاد إلى ساحة لعصابات عابرة للحدود وتجارة البشر والسلاح. وفي مثل هذه المعارك الوجودية لا يوجد حل وسط. فإما أن تنتصر الدولة أو ينهار الوطن. وأي هُدنة لا تؤدي إلى نزع سلاح المتمردين وخروجهم من الأعيان المدنية وتسليمهم أنفسهم للعدالة، هي هُدنة تهدف إلى إطالة أمد الحرب لا إنهائها، وإلى إعادة إنتاج الأزمة لا حلها.
ومن الناحية القانونية والدولية، فإن السودان كدولة ذات سيادة وعضو مؤس في الأمم المتحدة يمارس حقه الأصيل في الدفاع عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. هذا الحق لا يسقط ولا يقبل المساومة. أي محاولة لفرض وقف إطلاق نار أحادي الجانب أو لمعادلة بين الجيش الوطني ومليشيا متمردة هي تدخل سافر في الشأن الداخلي ومخالفة صريحة للقانون الدولي الذي يجرم دعم المليشيات المتمردة ويجرم احتلال منازل المدنيين. المجتمع الدولي مطالب اليوم بأن يختار بين دعم الشرعية ودعم الفوضى.
لقد أثبتت القوات المسلحة السودانية خلال هذه الحرب المفروضة عليها وعلى الشعب السوداني قدرة عالية على التخطيط والتكتيك والتنفيذ. لقد تحولت من مرحلة الصمود الاستراتيجي إلى مرحلة الهجوم الاستراتيجي واسترداد المبادرة. وهذا التحول لم يأت من فراغ، بل هو نتاج لالتفاف الشعب حول جيشه، ولعقيدة راسخة بأن الوطن لا يُسترد إلا بالبندقية والدم والتضحية. الشعب السوداني الذي قدم قوافل الشهداء ودفع ثمن الصمود من قوته ومن أمنه ومن مستقبل أبنائه، لن يقبل اليوم بمساومة على دماء أبنائه أو بفرض أمر واقع يكرس وجود المليشيا. ولذلك فإن أي محاولة لفرض حل سياسي يستبق الحسم العسكري هي محاولة لسرقة انتصارات القوات المسلحة السودانية والشعب السوداني وتضحيات الشهداء وخذلان للنازحين والمشردين.
إن الموقف المبدئي للشعب السوداني واضح وشفاف ومرن في إطار الثوابت. نحن مع السلام الذي يعيد الحقوق لأهلها. مع السلام الذي يبدأ بتفكيك المليشيا لا بترسيخها. مع السلام الذي يحفظ كرامة المواطن لا الذي يفرض عليه التعايش مع قاتله. أما ما دون ذلك فهو التفاف ومماطلة لن يقبل بها السودانيون ولن تمر. فالكرامة الوطنية لا تُجزأ، والسيادة لا تُقايض، والدماء لا تُساوم.
إن المجتمع الدولي مدعو اليوم لاختبار حقيقي في معاييره. فإما أن يقف مع إرادة شعب يقاتل من أجل دولته وسيادته، أو أن يفضح نفسه بأنه شريك في مشروع الفوضى وازدواجية المعايير. والسودان، بتاريخه وحضارته ووعي شعبه، قادر على تجاوز هذه المرحلة. قادر على أن يحول المحنة إلى منحة، وأن يبني من رماد الحرب دولة أقوى وأكثر تماسكاً وسيادة، دولة تحترمها الشعوب وتحترم مؤسساتها.
إن الرسالة الأخيرة التي يجب أن تصل للجميع هي أن السودانيين قرروا مصيرهم بأيديهم. لن يفرض عليهم أحد بقاء مليشيا، ولن تُقبل أي وصاية أو ابتزاز. المسار واحد لا ثاني له: حسم عسكري كامل يتبعه بناء سياسي وطني خالص يقوده السودانيون دون إملاءات خارجية.
ختاماً إن معركة السودان اليوم هي معركة كل الأحرار في العالم. معركة من أجل حق الشعوب في تقرير مصيرها وفي بناء مؤسساتها بعيداً عن التدخل وأدواته. والقوات المسلحة السودانية وهي تتقدم اليوم في كل المحاور، لا تقاتل فقط من أجل الخرطوم أو الجنينة أو الفاشر، بل تقاتل من أجل فكرة الدولة نفسها ومن أجل مستقبل الأجيال القادمة. ومن هنا كان الإصرار الشعبي على رفض أي هُدنة تُنقذ المتمردين، وعلى المضي قدماً حتى النهاية.
نصر من الله وفتح قريب، وعهد على أنفسنا أن لا نتراجع حتى ترفرف راية السودان خفاقة على كامل ترابه، عزيزة أبية، لا يُملى عليها ولا يُبتزها أحد.



