حكاية ضوء في آخر النفق… لماذا خفت الحديث عن مبادرة تبادل الأسرى

عندما وافقت الحكومة.. واشترطت المليشيا
لا حديث يشمل المتعاونين من المدنيين
(الواطين الجمر) أكثر حماسا لتنفيذ المبادرة
المدنيون المحتجزون قسرًا بسجن دقريس ارتفع إلى أكثر من 215
تقرير: العودة
(حكاية ضوء في آخر النفق).. مدخل عنوان مهم جدا (يدرجنا) إلى لحديث عن حجم الأزمة.. أزمة الأسرى الذين يقبعون في سجون المليشيا المتمردة.. وأبرزها سجن دقريس بمدينة نيالا حاضرة ولاية جنوب دارفور، الكثير من العسكريين والمدنيين يقبعون هناك، وكانت مبادرة مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان (هافيستو) تمثل لهم طوق نجاة يعيدهم إلى الحياة بعد فترة معاناة كبيرة، قصص وحكاوي تجلس خلف القضبان والنسيان، ضباط وأفراد تم أسرهم منذ اليوم الأول للحرب وتم ترحيلهم إلى نيالا مع بشارات تحرير العاصمة الخرطوم.. ولكن المؤلم أن حكاية (تبادل الأسرى) ماتت مثلها وكل البشارات الجميلة التي تموت تحت مقصلة اشتراطات الحرب.. خفت الحديث عن المبادرة ولم تعد الا في شتات الذكريات.
لا مفاجأة في موافقة الحكومة
لم يكن مفاجئا للمجتمع المحلي على الأقل أن توافق الحكومة السودانية على المبادرة، لأنها تعرف حجم الضرر الذي وقع على الأسرى من العسكريين والمدنيين الذين لا ينطبق عليهم الوصف باعتبارهم مختطفين لا اسرى حرب، أيامها أعلنت الحكومة السودانية ترحيبها بالمبادرة الأممية التي طرحها المبعوث الأممي للسودان “بيكا هافستو” للتعاون في ملف تبادل أسرى الحرب، حيث تشرف الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر على تأمين هذه العمليات. وتقتصر الصفقات الرسمية حسب المقترح من المبادرة على المقاتلين العسكريين.. في حين أكدت مليشيا “الدعم السريع” وحكومتها التي تسمى (تحالف تأسيس) استعدادها لتبادل الأسرى، لكنها شددت على ضرورة أن يكون ذلك جزءاً من عملية سياسية ووقف شامل لإطلاق النار.
عمليات سابقة محدودة
اقتصرت التبادلات السابقة على مبادرات ووساطات مجتمعية محدودة (مثل الإفراج عن ضباط وأفراد من الشرطة السودانية بوساطة أهلية من الشيخ ابو قرون كما تم تسليم الجيش لدفعة من صغار السن للصليب الأحمر.
المدنيون والمتعاونون
رغم وجود ما يسمي بالمتعاونين من المدنيين وهم في الغالب من الذين يقدمون خدماتهم للقوات المسلحة أو مليشيا الدعم السريع وهم لا يحملون نمرا عسكرية، ودائما خلال الحديث العالي أو الخافت عن تبادل الأسرى لا يوجد إعلان رسمي يشمل المدنيين أو المتعاونين مع أي من الطرفين في صفقات تبادل الأسرى العسكرية.
من هو أسير الحرب
تقول التقارير المبذولة أنه رغم شيوع استخدام مصطلح (الأسرى) إعلاميًا، فإن القانون الإنساني الدولي لا يمنح في النزاعات المسلحة غير الدولية، ومنها الحرب في السودان، صفة «أسير حرب» للمقاتلين المحتجزين، بخلاف النزاعات الدولية بين الدول. ومع ذلك، يتمتع المحتجزون بحماية قانونية بموجب المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الثاني، والتي تحظر التعذيب والقتل والمعاملة القاسية والإهانة، وتلزم بمعاملتهم معاملة إنسانية.. وتنص المادة (4) من اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 على فئات متنوعة من المقاتلين الذين يعتبرون أسرى حرب بمجرد وقوعهم في سلطة العدو، والذين يجب أن يحظوا بحماية قانونية واسعة من لحظة وقوعهم في الأسر وحتى الإفراج عنهم؛ ويشمل ذلك الحق في المعاملة الإنسانية، ومنع التعذيب أو الإكراه لاستخلاص المعلومات، وتوفير الرعاية الطبية والغذاء المناسب.
ويقول المحامي المتخصص في القانون الدولي، عبد الباسط الحاج، لـ«بيم ريبورتس» إن عمليات تبادل الأسرى هي عمليات معتادة في حالات الحروب الداخلية والحروب بين الدولة، مشيرًا إلى أنها تستند على اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسري الحرب.
وأضاف الحاج أنه في العادة تقوم دول وسيطة أو منظمات دولية محايدة مثل الصليب الأحمر وغيرها من مؤسسات الأمم المتحدة بالتوسط بين الأطراف المتقاتلة وأخذ التزاماتهم الرسمية بتبادل الأسرة ويدخل ضمن ذلك حماية حقوق الأسرى، بما أنهم محميون من لحظة الوقوع في الأسر أو تركهم للقتال أو بسبب الإصابة أو غيرها من الأسباب المذكورة.. وشدد الحاج على أن «القانون الدولي الإنساني يلزم معاملة الأسرى معاملة إنسانية وأخلاقية وعدم حرمانهم من حقوقهم الأساسية أو تعريضهم لظروف قاسية تؤدي إلى موتهم أو المرض الشديد».
كما رأى أن هذه المبادرة تعتبر خطوة جيدة نحو حفظ حقوق الأسرى أولًا وتسهيل عودتهم إلى أسرهم، وهي مساع يجب دعمها.
آلاف الأسرى من العسكريين والمحتجزين المدنيين
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 وقع آلاف العسكريين في صفوف الجيش السوداني في أسر قوات الدعم السريع، كما وقع آلاف المقاتلين التابعين لمليشيا الدعم السريع في أسر الجيش السوداني. بالإضافة إلى ذلك، وجد آلاف المدنيين أنفسهم معتقلين لدى المليشيا تحت ذريعة الانتماء للجيش عسكريًا، و تحت ذرائع إثنية ومناطقية.
سجن دقريس نيالا
وفي 24 يونيو الماضي، قالت شبكة أطباء السودان إن عدد الوفيات وسط المدنيين المحتجزين قسرًا بسجن دقريس، غرب مدينة نيالا، ارتفع لأكثر من 215 شخصًا خلال الفترة من مايو إلى يونيو، فيما ينتظر مصير مجهول عدد 31 معتقلا تم تحويلهم لمستشفى نيالا. ويرجع ما يعيشه المحتجزون إلى الأوضاع السيئة في السجن، من تفشي الأمراض والأوبئة وتدهور الوضع الصحي، علاوةً على تعرض المعتقلين للتعذيب وسوء المعاملة.
محامو الطوارئ ترحب بالمبادرة
وكانت مجموعة (محامو الطوارئ)، وقتها قد رحبت بمبادرة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، بشأن تبادل الأسرى بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، قبل أن تدعو إلى إطلاق سراح المدنيين المحتجزين.. ووصفت المبادرة بأنها تعد تطورًا إيجابيًا يمكن أن يسهم في تخفيف المعاناة الإنسانية وبناء قدر من الثقة بين أطراف النزاع.
ودعت المجموعة قوات الدعم السريع إلى إعلان موافقتها على المبادرة والانخراط الجاد في تنفيذها، وحثت الطرفين على تبادل جميع الأسرى العسكريين المحتجزين لدى كل منهما، وفقًا لقواعد القانون الدولي الإنساني وبإشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وبما يضمن سلامتهم وكرامتهم.
وشددت على أن هذه المبادرة ينبغي ألا تقتصر على تبادل الأسرى العسكريين، بل يجب أن تمتد لتشمل الإفراج الفوري عن المدنيين المحتجزين تعسفًا، ولا سيما من وُجهت إليهم اتهامات ذات طابع كيدي أو استُخدمت في مواجهتهم بلاغات جنائية كوسيلة للاحتجاز أو الانتقام، مع ضمان حق من يواجهون اتهامات جدية في محاكمة عادلة تستوفي معايير العدالة والإجراءات القانونية الواجبة.
كما طالبت المجموعة الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بالكشف عن مصير جميع المخفيين قسرًا، وتمكين المحتجزين من التواصل مع ذويهم ومحاميهم، وضمان وصول اللجنة الدولية للصليب الأحمر والجهات الإنسانية المستقلة إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج عن جميع المدنيين المحتجزين دون سند قانوني.
سابقة تسليم معتقلين للصليب الأحمر
في سبتمبر 2023 العام الأول للحرب، أعلن الجيش السوداني عن تواصله مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتسليم 30 عنصرًا من القُصّر التابعين للدعم السريع، إلى جانب اعتزامه ترتيب تسليم 200 أسير آخرين.
كما جرت بعض عمليات الإفراج الضيقة والمحدودة للغاية في بعض المناطق بناءً على تفاهمات قبلية أو وساطات مجتمعية محلية، لكنها ظلت استثناءات مرتبطة بظروف ميدانية خاصة ولم تتطور إلى اتفاق عام لتبادل الأسرى.
ماذا يقول القانون ؟
وفي حين لا ينص القانون الدولي الإنساني، في النزاعات الداخلية (غير الدولية) على التزام أطراف النزاع بإجراء عمليات لتبادل المحتجزين، ولا يملك آلية قانونية ملزمة لتنظيمها. إلا أنه لا يحول دون إبرام مثل هذه الترتيبات باتفاق بين الأطراف المعنية، وفي الأغلب تُنظم مثل هذه التبادلات في ظل أطرٍ وتفاهمات إنسانية أو سياسية، بينما يجوز للجنة الدولية للصليب الأحمر، بصفتها منظمة إنسانية محايدة، أن تعرض خدماتها لتيسير هذه العمليات أو الإشراف على الجوانب الإنسانية منها، إذا وافقت الأطراف على ذلك.




