بين فك “شبكات الظل” وحماية الأمن القومي.. “المركزي” يضرب الثغرات الداخلية

خبير مصرفي: انتقال عملي إلى مرحلة إدارة الأزمة بأسلوب “الصدمات الرقابية”
محلل اقتصادي: ترسيخ مبدأ المساءلة والعقاب في القطاع المصرفي
تقرير – أمين محمد الأمين
دخلت المعركة المحتدمة خلف كواليس سوق الصرف في السودان مرحلة جديدة من الحسم، عقب انتقال البنك المركزي إلى استراتيجية “إدارة الأزمة بالصدمات الرقابية”، في خطوة تجاوزت الأطر المؤسسية التقليدية لتدشن مرحلة المحاسبة الشخصية والجنائية المباشرة للأفراد. هذا التحول الرادع يضع المنظومة المصرفية بأكملها أمام اختبار حقيقي للامتثال، ويفكك الروابط الخفية بين الموارد الرسمية وشبكات “سوق الظل”، وسط تحذيرات خبراء من انكماش تجاري مؤقت، ودعوات متزايدة لربط هذا الحسم الإداري برؤية اقتصادية شاملة ترتكز على الإنتاج والتصنيع التحويلي لحماية الأمن القومي للبلاد.
قرارات المركزي
وكان بنك السودان المركزي قد أصدر حزمة من الإجراءات الرقابية والإدارية الصارمة بحق عدد من المصارف التجارية والعاملين بها، إثر رصد مخالفات جسيمة للوائح المنشورات المنظمة لعمليات النقد الأجنبي. وأسفرت القرارات عن إيقاف مجموعة من المصرفيين عن مزاولة عمليات الاستيراد والتصدير، إلى جانب إنهاء خدمة بعض الموظفين وإحالة آخرين للتحقيق القانوني؛ في مسعى لإحكام الرقابة على موارد النقد الأجنبي، وكبح المضاربات المؤثرة على استقرار سعر الصرف.

المحاسبة الشخصية
وصف الخبير المصرفي، وليد دليل، الإجراءات الأخيرة التي اتخذها بنك السودان المركزي بأنها “صارمة ومفاجئة”، مؤكداً أن البنك المركزي انتقل عملياً إلى مرحلة إدارة الأزمة بأسلوب “الصدمات الرقابية” لفرض الانضباط في المشهد المالي. وأشار دليل إلى أن الخطوة تجاوزت منظور العقوبات المؤسسية التقليدية إلى مربع المحاسبة الشخصية؛ فبينما كانت الجزاءات الرقابية سابقاً تنتهي بإنذار المصرف أو فرض غرامات مالية تتحملها المؤسسة، فإن إنهاء خدمة موظفين وإحالتهم للتحقيق يمثل تحولاً جذرياً يحمل الأفراد المسؤولية الجنائية والإدارية المباشرة عن أي تساهل بهدف خلق ردع حقيقي.
ثغرات داخلية
واعتبر الخبير المصرفي هذه القرارات اعترافاً ضمنياً بوجود ثغرات داخلية؛ إذ تثبت بالدليل أن أزمة تسرب النقد الأجنبي وتغذية السوق الموازية لم تكن ناتجة فقط عن ضغوط خارجية أو مضاربين في الشارع، بل كانت تجد قنوات تسهيلية -بعلم أو بدون علم- من داخل صالات ومكاتب بعض البنوك التجارية عبر التلاعب بحصائل الصادر أو فواتير الاستيراد.
أمن قومي
ويرى دليل أنه في ظل ظروف الحرب والنزوح وتراجع الإيرادات، لم يعد النقد الأجنبي ملفاً اقتصادياً بحتاً، بل أضحى في تقدير الدولة ملف أمن قومي. وأضاف أن التعامل مع المخالفات بهذه الحدة يوضح أن البنك المركزي بات يرى التلاعب بالعملة في هذا التوقيت الحرج بمثابة تخريب متعمد للاقتصاد الوطني لا يمكن التهاون معه.
الخط الأحمر
وحول دلالة التوقيت، لفت الانتباه إلى أن هذه الخطوة مؤشر على بلوغ الاحتياطيات النقدية الخط الأحمر. وأوضح أن تحرك المركزي بأسلوب المداهمة الرقابية والحسم يشير إلى أن المعروض من النقد الأجنبي وصل مستويات حرجة جداً، مما ينفي وجود أي هامش للسماح بتهريب أو تسريب دولار واحد خارج القنوات الرسمية المنضبطة.
سوق الظل
وأكد دليل أن القرارات تهدف بالأساس إلى تفكيك الروابط وقطع الشرايين الخفية بين الموارد الرسمية داخل البنوك وشبكات تجار العملة في سوق الظل، حيث يسعى المركزي من خلال هذه الحزمة الصارمة إلى شل حركة المضاربين وحرمانهم من أدواتهم التسهيلية واللوجستية التي كانوا يستغلونها داخل القطاع المصرفي.
انكماش مؤقت
وعلى المدى القصير، توقع الخبير المصرفي أن تؤدي هذه العقوبات إلى نشر حالة من الحذر المفرط أو الرعب الوظيفي بين موظفي المصارف. ونوّه إلى أن هذا الخوف قد يدفعهم إلى إبطاء الدورة المستندية لعمليات الصادر والاستيراد تحسباً للوقوع في أخطاء إدارية قد تنهي مسيرتهم المهنية، مما قد يتسبب في انكماش مؤقت في حركة التجارة الخارجية.
منظومة الالتزام
واختتم دليل إفادته بالإشارة إلى أن هذه المرحلة تمثل اختباراً حقيقياً لمنظومة الالتزام والامتثال داخل القطاع المالي؛ إذ تضع مجالس إدارات البنوك التجارية وإدارات المخاطر تحت المجهر، وتجبرهم فوراً على تشديد أدوات الرقابة الداخلية، وإعادة هيكلة الصلاحيات الممنوحة للموظفين في معالجة ملفات النقد الأجنبي.

ضبط الأسواق
من جانبه، أكد المحلل الاقتصادي، الدكتور محمد الناير، أن البنك المركزي بذل جهوداً كبيرة في قضية استقرار سعر الصرف، واتخذ حزمة من السياسات الرامية إلى ضبط الأسواق؛ مشيراً في هذا الصدد إلى التسهيلات المتعلقة بتصدير الذهب عبر القنوات الرسمية، والتي شملت خفض الحد الأدنى للكمية المسموح بتصديرها إلى كيلوغرام واحد بدلاً من عشرة كيلوغرامات، بالتزامن مع الإجراءات العقابية الأخيرة ضد بنوك وموظفين مخالفين وضوابط حصائل الصادر.
المساءلة والمحاسبة
وأوضح الناير أن الخطوات الحازمة التي انتهجها البنك المركزي من شأنها ترسيخ مبدأ المساءلة والعقاب في القطاع المصرفي. ولفت إلى أن بدء المركزي في تلبية وضخ احتياجات البنوك لتمويل الاستيراد أسهم بشكل مباشر في تخفيف الضغط على السوق الموازية، مما قاد إلى تحقيق استقرار نسبي في سعر صرف العملة الوطنية خلال الفترة الماضية.
مكافحة التهريب
وشدد الخبير الاقتصادي على ضرورة صياغة المزيد من السياسات الرادعة التي تسهم في كبح ظاهرة تهريب الذهب وتجفيف منابعها نهائياً، واصفاً هذا الملف بالركيزة الأساسية لمعالجة الأزمة الاقتصادية الراهنة بصورة جذرية، شريطة أن تتكامل الأدوات الرقابية مع المحفزات الاقتصادية للمصدرين.
زيادة الإنتاج
ونوّه الناير إلى أن الإجراءات الرقابية والمصرفية -على أهميتها- تظل غير كافية وحدها، ما لم توازِها خطة استراتيجية على المديين المتوسط والبعيد تستهدف زيادة الإنتاج والإنتاجية، مع التركيز المطلق على النهوض بالقطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني باعتباره قاطرة الاقتصاد الوطني.
الصناعة التحويلية
ودعا في ختام إفادته إلى إيلاء اهتمام قصوى بالصناعات التحويلية التي ترفع من القيمة المضافة للمنتجات المحلية، مما يسهم في تعظيم حصائل الصادرات، ويدعم خطط إحلال الواردات. وأعرب الناير عن تطلعه بأن تعلن الدولة بوضوح عن خارطة طريق وموجهات هيكلية واضحة لمعالجة ملف الخدمات الضرورية وضمان استدامة استقرار سعر الصرف.
كي الثغرات
تؤكد هذه القراءات التحليلية المتكاملة أن المشرط الرقابي للبنك المركزي، وإن نجح في كيّ الثغرات الداخلية وشل قنوات التسهيل المصرفي لسوق الظل، فإنه يظل خطوة إسعافية لكسب الوقت. إن الاستقرار المستدام لسعر الصرف لن يتحقق بالاكتفاء بالقبضة الرادعة، بل بجرأة الانتقال نحو خارطة طريق اقتصادية واضحة؛ تحفز الصادرات الرسمية، وتُحيي قنوات الإنتاج الحقيقي، لتتحول التدابير الاستثنائية الحالية إلى أرضية صلبة لبناء اقتصاد حرب منضبط ومتعافٍ.




