“طيبة المنشية.. كجيك العركيين”..قرية سنارية تصنع بوابات الصمود

وتكافح العزلة بـ “العون الذاتي” لتشييد المستشفى الريفي

تقرير/ مصطفى أحمد عبدالله 

في وقت تشتد فيه المحن وتختبر فيه عزائم الرجال، تفتح “صحيفة العودة” ملفات التنمية المنسية بوعي ومسؤولية؛ لتسلط الضوء على قرية “طيبة المنشية كجيك العركيين” الواقعة غرب سنار (جنوب السكة الحديد). هذه القرية تبرز اليوم كنموذج حي للجسارة والصمود المجتمعي؛ فبعد أن كانت خط الدفاع الأول وإحدى أهم بوابات مدينة سنار العصية التي تصدت بكل شجاعة وثبات للمتمردين عند مدخل “كبري كجيك”، تعود اليوم لتخوض معركة من نوع آخر؛ معركة البقاء والتنمية وتوفير الحق الإنساني الأساسي في العلاج.

تضحيات جسام وأرتال من الشهداء

 

إن صمود “كجيك العركيين” لم يكن وليد الصدفة، بل هو امتداد لتاريخ نضالي باذخ قدمت فيه القرية مهجاً غالية وأرتالاً من الشهداء الأخيار الذين جادوا بأرواحهم لتبقى المنطقة عزيزة وآمنة، وعلى رأس هؤلاء الأبطال:شيخ المجاهدين الشهيد/ الرشيد حاج علي (الذي ارتقى في معركة تحرير مدني).

الفارس المغوار الشهيد/ عمر الجبرا (معركة السوكي).

الباشمهندس الشهيد/ يوسف عبد الصمد (معركة جبل موية).

البطل الشهيد/ ياسين مبروك (معارك مصنع سكر سنار).

حضرة الصول الشهيد/ عبد الله حسين مكي (معركة السوكي).

إلى جانب كوكبة طويلة من الأبطال الذين سطروا بدمائهم طهر هذه الأرض، والذين يجعلون من الاستجابة لمطالب قريتهم واجباً وطنياً وأخلاقياً من الدرجة الأولى.

حلم يولد من رحم “العون الذاتي” وبجهد المغتربين

 

لم ينتظر مواطنو “كجيك العركيين” الحلول الجاهزة، بل شمروا عن سواعد الجد، وجعلوا من “العون الذاتي” الخالص محركاً أساسياً لتحقيق حلمهم الكبير.

وبقيادة حكيمة من أعيان القرية وعلى رأس لجنة المتابعة: الدكتور عبد الحليم حاج الأمين (الأستاذ بكلية المختبرات – جامعة سنار)، وقائد النفرة التنموية الشاب نصر الدين بله أحمد، انطلقت الجهود بالتنسيق الكامل مع أبناء المنطقة في الداخل والمغتربين في المهاجر الذين قدموا جهداً مالياً كبيراً جداً لدعم تشييد وتطوير “المركز الصحي بالقرية”، وقطعوا في هذا المضمار أشواطاً إنشائية مقدرة لترقية المرفق ليصبح “مستشفى ريفياً” متكامل الأركان.

 

الشراكات التنموية.. تجربة “منظمة بانكير”

 

تاريخياً، حظي المركز برعاية سابقة وعقد مثمر مع “منظمة بانكير” التي قدمت دعماً للمركز بموجب عقد استمر لمدة عام، على أمل إكمال بقية المتطلبات بالتنسيق مع وزارة الصحة بالولاية.

 

ورغم انتهاء العقد، إلا أن البنية التحتية للمركز نهضت بفضل الدعم المتبادل بين المنظمة والجهد الشعبي، مما يؤكد جاهزية المركز اللوجستية لاستقبال أي تفعيل رسمي عاجل.

فصل الخريف.. شبح العزلة السنوية

 

تزداد أهمية هذا المركز الصحي وتتحول إلى مسألة “حياة أو موت” مع إطلالة فصل الخريف من كل عام. ففي هذا الموسم، تنقطع الطرق تماماً بفعل السيول والأمطار، ويصبح الوصول إلى مستشفى مدينة سنار ضرباً من المستحيل والمخاطرة بالأرواح. في تلك الأسابيع الحرجة، يتحول هذا المركز الصحي المتواضع إلى الملاذ الآمن والوحيد لكل مريض، وطفل، وامرأة مخاض في المنطقة، مما يجعل من تطويره ضرورة قصوى لا تقبل التأجيل.

 

شريان حياة لـ 7 قرى مجاورة

 

إن هذا المركز لا يحمل هموم “كجيك العركيين” وحدها؛ بل يمتد نفعه الإنساني ليكون شريان الحياة لست قرى أخرى تحيط بها من مجموعة قرى غرب سنار.

هذه القرى تعتمد كلياً وبشكل محوري على هذا المركز في مواجهة الحالات الطبية الحرجة والطارئة وسط ظروف بيئية ومعيشية معقدة، مما يعني أن ترقيته ستنقذ مجتمعاً بأكمله من شبح الأمراض والأوبئة الموسمية.

 

عقبة الأجهزة الطبية والكوادر البشرية

 

عبر منبر “صحيفة العودة”، يقف التحقيق على جوهر المشكلة الحالية؛ فبالرغم من نجاح أهل القرية في قطع أشواط معمارية وإرساء القواعد، إلا أن الحلم لا يزال يصطدم بعقبتين رئيسيتين تقفان حائلاً دون تشغيل المستشفى بكامل طاقته:

الأجهزة والمعدات الطبية: يفتقر المركز إلى التجهيزات والآليات الأساسية مثل أجهزة المختبرات المتكاملة، ومعدات الطوارئ، وأدوات التشخيص الفورية.

الكوادر البشرية المؤهلة: يواجه المركز نقصاً حاداً في الأطباء العموم، والممرضين، وفنيي المختبرات القادرين على الاستقرار بالمرفق وإدارته طوال العام، ولا سيما في طوارئ الخريف.

نداء عبر “العودة” إلى الجهات الرسمية والخيرين

 

من وسط هذه المعاناة، ومن منصة الوفاء لدماء الشهداء، يرفع أهالي المنطقة صوتهم عبر “صحيفة العودة”، ويوجهون نداءً عاجلاً إلى وزارة الصحة بالولاية، وإلى والي سنار، والمنظمات الإنسانية، وكافة خيري السودان للوقوف معهم ومؤازرتهم لإكمال هذا الصرح الإنساني ومدّه بالكوادر والأجهزة لترقيته رسمياً لمستشفى ريفي. إن تقديم الدعم الطبي واللوجستي هنا ليس مجرد تلبية لطلب خدمي، بل هو رد دَين وتكريم مستحق لقرية قدمت خيرة شبابها لحماية ثغور الولاية، وصنعت ملحمة فريدة في العون الذاتي والتكافل الاجتماعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى