أسمرا في توقيت العاصفة.. ما وراء الزيارة المفاجئة للبرهان..
ما وراء الخبر

تقرير تحليلي/علم الدين عمر
أمن البحر الأحمر في قلب المشهد..
البعد الإثيوبي ورسائل أسمرا الهادئة..
لماذا الآن؟!!
زيارة رئيس مجلس السيادة الإنتقالي الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان إلى العاصمة الأريترية أسمرا التي تصدرت واجهات الأخبار فجأة..ظهيرة الجمعة..لم تكن مدرجة في جدول التحركات الرئاسية المعلنة..ما يفتح الباب واسعاً أمام القراءات المفتوحة.. حيث باغتت الزيارة القنوات والوسائط الإعلامية المتابعة للشأن السوداني في توقيت إقليمي بالغ الحساسية..فبينما تتقاطع ملفات الحرب السودانية مع تعقيدات البحر الأحمر والقرن الأفريقي والتحركات الدولية المتسارعة في المنطقة..مع صيف داخلي لاهب..شديد التسارع..فاجأ الرئيس البرهان برنامج العطلة الإسبوعية علي الرزنامة السودانية بالهبوط في مطار العاصمة الأرترية..لذلك فإن قراءة الزيارة من زاوية العلاقات الثنائية وحدها لا تكفي..لأن ما وراءها أوسع بكثير من مجرد بحث سبل التعاون بين الخرطوم وأسمرا..الذي تصدر خبر إعلام مجلس السيادة الإنتقالي..
فالإستقبال الحار الذي خص به الرئيس الإريتري أسياس أفورقي نظيره السوداني.. واللغة السياسية المستخدمة في الحديث عن «الإخاء والمحبة» و«التنسيق المشترك حيال القضايا الإقليمية والدولية».. تكشف أن الزيارة تحمل رسائل إستراتيجية متعددة الإتجاهات.. بعضها موجه إلى الداخل السوداني.. وبعضها إلى القوى الإقليمية والدولية المنخرطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الأزمة السودانية..
الزيارة المفاجئة.. لماذا الآن؟!!
التوقيت هو المفتاح الأول لفهم الزيارة.. فالإقليم يشهد منذ أشهر حالة من السيولة الأمنية والسياسية غير المسبوقة..حيث يتصاعد التنافس الدولي على البحر الأحمر..وتستمر الحرب في السودان ..وتتوالي التوترات في القرن الأفريقي..في ظل محاولات بعض القوى الخارجية إعادة تشكيل موازين النفوذ في المنطقة..
وفي هذا السياق.. تبدو زيارة البرهان إلى أسمرا بمثابة خطوة إستباقية لتنسيق المواقف مع أحد أكثر الحلفاء ثباتاً في دعم السودان خلال معركته الحالية ضد التمرد والمؤامرة الخارجية لتفتيت السودان..فإريتريا لم تتبن خطاباً رمادياً تجاه الأزمة السودانية منذ بداياتها..بل حافظت على موقف واضح يقوم على دعم مؤسسات الدولة السودانية ورفض أي ترتيبات من شأنها تفكيك الدولة أو فرض حلول خارجية تنتقص من سيادتها..
كما أن القيادة الإريترية تنظر بعين القلق إلى أي تمدد للفوضى المسلحة في السودان..وتقول بوضوح ومباشرة أن استقرار السودان يمثل جزءا من معادلة الأمن القومي للقرن الأفريقي بأكمله..
رسالة سياسية تتجاوز المعلن..
حرارة الإستقبال في مطار أسمرا ليست تفصيلا شكلياً كما يبدو.. ففي الأعراف السياسية للمنطقة.. يعكس مستوى الإستقبال حجم الرسائل المراد إيصالها..وعندما يستقبل الرئيس الإريتري ضيفه السوداني بنفسه..بهذه الطريقة.. فإن ذلك يعني أن أسمرا تريد التأكيد على أن العلاقة مع الخرطوم ليست علاقة عادية..بقدر ما هي علاقة شراكة إستراتيجية في مرحلة إعادة رسم التوازنات الإقليمية..
الرسالة الواضحة هي /
أولاً: أن السودان ليس معزولاً كما تحاول بعض الدوائر تصويره..
ثانياً: أن هناك عواصم إقليمية مؤثرة ما زالت تراهن على بقاء الدولة السودانية الموحدة القادرة على استعادة إستقرار ها وتحسس حلفائها من منطق ندية إستراتيجي..
مواقف أسياس أفورقي.. ثبات في مواجهة الضغوط..
الرئيس أسياس أفورقي يعد من أكثر القادة الإقليميين وضوحاً في رفض التدخلات الخارجية في شؤون دول المنطقة..وخلال السنوات الماضية إنتقد مراراً ما وصفه بمحاولات إدارة الأزمات الأفريقية من خارج أفريقيا..كما أبدى تحفظات قوية تجاه بعض المبادرات الدولية التي تتجاوز إرادة الدول الوطنية..
وفي الملف السوداني تحديداً حافظت أسمرا على موقف داعم لوحدة السودان ومؤسساته.. ورفضت أي مسار يمنح الشرعية لمليشيا الدعم السريع المتمردة على حساب الدولة.. ولذلك فإن اللقاء مع البرهان يأتي في إطار تقارب سياسي وأمني قائم بالفعل.. وليس مجرد محاولة لبنائه من جديد..
البعد الإثيوبي ورسائل أسمرا الهادئة..
إذا كانت القراءة الأولية للزيارة تركز على العلاقات الثنائية بين الخرطوم وأسمرا.. فإن القراءة الأعمق تكشف بعداً ثالثاً بالغ الأهمية يتعلق بإثيوبيا..فالتوقيت يتزامن مع تجدد الجدل حول إدارة مياه سد النهضة.. ومع مؤشرات إنحسار مناسيب النيل الأزرق في السودان خلال فترة يُفترض أنها تشهد بدايات الفيضان السنوي..الأمر الذي دفع الجهات السودانية المختصة إلى اتخاذ ترتيبات تشغيلية وفنية مرتبطة بإدارة المياه والطاقة والسدود..
وفي هذا السياق.. تبدو زيارة البرهان إلى أسمرا حاملة لرسائل سياسية تتجاوز التبادل الدبلوماسي التقليدي..مفادها أن الخرطوم تعيد ترتيب توازناتها الإقليمية في مواجهة أي محاولات للتداخل غير المنضبط في الملف السوداني العسكري والأمني والخارجي.. فإثيوبيا..رغم أهمية العلاقات التاريخية والجغرافية معها.. ظلت خلال السنوات الأخيرة طرفاً حاضراً في عدد من الملفات الحساسة..بدءاً من قضية الفشقة.. مروراً بملف سد النهضة..وصولاً إلى التفاعلات المرتبطة بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي. ودعم مليشيا الدعم السريع وفتح معسكراتها داخل الحدود الأثيوبية وليس نهاية بالمعلومات الموثقة حول إنطلاق المسيرات العسكرية المعادية من الأراضي الاثيوبية..
ومن هنا يمكن فهم جانب من مغزى التقارب السوداني ـ الإريتري من هذه الزاوية تحديداً.. فأسمرا والخرطوم تشتركان في رؤية متحفظة تجاه أي ترتيبات إقليمية تمنح أديس أبابا نفوذاً يتجاوز حدودها الجغرافية إلى التأثير المباشر في المعادلات الأمنية والعسكرية لدول الجوار..ولذلك فإن اللقاء بين البرهان وأفورقي يبعث برسالة غير مباشرة إلى إثيوبيا بأن السودان يمتلك خيارات إقليمية متعددة.. وأن أمنه القومي وحدوده وملفاته السيادية ليست مجالاً مفتوحاً للتجاذبات أو الضغوط..
كما أن إدراج ملف البحر الأحمر ضمن سياق الزيارة يحمل دلالة إضافية..إذ تنظر بعض العواصم في الإقليم بقلق إلى أي محاولات لإعادة صياغة معادلات النفوذ البحري بصورة قد تؤثر على مصالح الدول الساحلية المباشرة.. والسودان وإريتريا.. بوصفهما دولتين مطلتين على البحر الأحمر..يدركان أن إستقرار هذا الممر الحيوي يرتبط بتوازنات دقيقة لا تحتمل التمدد غير المحسوب لأي طرف إقليمي..
أما في ملف مياه النيل..فإن التزامن بين الزيارة وفترة التخزين الحالية في سد النهضة يمنح اللقاء بعداً إستراتيجياً إضافياً.. فالسودان لا يريد أن يتحول ملف المياه إلى ورقة ضغط سياسية أو أمنية..ولا أن تُدار قضية بهذا الحجم خارج إطار التنسيق والإتفاقات الملزمة.. ومن ثم فإن الحراك نحو أسمرا يمكن قراءته أيضا باعتباره جزءاً من بناء شبكة تفاهمات إقليمية داعمة للموقف السوداني في القضايا السيادية الكبرى.. وعلى رأسها الأمن المائي وأمن الحدود واستقرار البحر الأحمر..
أمن البحر الأحمر في قلب المشهد..
أحد أهم الملفات غير المعلنة على طاولة الرئيسين هو ملف البحر الأحمر.. فالسودان وإريتريا يشتركان في شريط ساحلي إستراتيجي يجعل أي اضطراب أمني أو عسكري في المنطقة ذو تأثير مباشر على البلدين..
ومع تزايد الإهتمام الدولي بالممرات البحرية..وارتفاع وتيرة التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ في البحر الأحمر..يصبح التنسيق بين الخرطوم وأسمرا ضرورة أمنية وليس مجرد خياراً دبلوماسياً تكتيكياً..
ومن المرجح أن يكون الجانبان قد ناقشا/
تأمين السواحل والممرات البحرية..
منع تسلل الجماعات المسلحة وشبكات التهريب..
التعاون الإستخباري والأمني..
التعامل مع أي محاولات لخلق بؤر توتر جديدة في الإقليم..
ملفات الحرب السودانية.. دعم يتجاوز التصريحات..
لا يمكن فصل الزيارة عن التطورات الميدانية في السودان.. فالحكومة السودانية تعمل على تثبيت المكاسب العسكرية والسياسية.. وفي الوقت نفسه تسعى إلى تحصين عمقها الإقليمي..
وإريتريا تمثل بالنسبة للخرطوم عمقاً إستراتيجياً مهماً ليس فقط بحكم الجوار الجغرافي..إنما أيضاً بسبب موقفها السياسي الثابت.. لذلك فإن التنسيق بين البلدين قد يشمل/
تبادل التقديرات حول تطورات الحرب..
مراقبة التحركات العابرة للحدود..
التعاون في ملف اللاجئين والنازحين..
مواجهة أي محاولات لإستغلال الحدود الشرقية في تهديد الأمن السوداني..
ما الرسائل الموجهة إلى الخارج؟!!
الزيارة تحمل أيضاً رسائل إلى القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف السوداني.. أبرز هذه الرسائل أن السودان يتحرك لإعادة بناء شبكة تحالفاته الإقليمية على أساس المصالح المشتركة والسيادة الوطنية.. وأن الخرطوم وأسمرا تنظران بقلق إلى أي ترتيبات تفرض من الخارج دون مراعاة أولويات الأمن والإستقرار في المنطقة..
كما أن اللقاء يبعث بإشارة واضحة إلى أن معركة السودان الحالية لا تُقرأ فقط كصراع داخلي.. بل هي جزء من معركة أوسع تتعلق بمستقبل التوازنات في البحر الأحمر والقرن الأفريقي..
المغزى الأعمق.. تحالف الضرورة الإستراتيجية..
في المحصلة..تبدو زيارة البرهان إلى أسمرا أقرب إلى زيارة تنسيق إستراتيجي عاجل منها إلى زيارة مجاملة سياسية.. فالسودان يواجه تحديات وجودية تتداخل فيها الحرب مع الضغوط الإقليمية والدولية.. وإريتريا تدرك أن إستقرار السودان يشكل خط الدفاع الأول عن إستقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر..
ولهذا فإن المغزى الأعمق للزيارة يتمثل في تثبيت معادلة قديمة..متجددة.. بأن الخرطوم وأسمرا تتحركان باعتبارهما شريكين في مواجهة مرحلة إقليمية مضطربة.. وأن التنسيق بينهما لم يعد خياراً تكتيكياً عابراً..بل أصبح جزءاً من هندسة الأمن والإستقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وتعقيداً..
ومن هنا يمكن فهم سبب الزيارة المفاجئة..وحرارة الإستقبال (غير المفاجئ).. وكثافة الرسائل السياسية التي صاحبتها..علي أنها مؤشر لأن ما يجري في السودان لم يعد شأناً سودانياً خالصاً وأن مستقبل الإقليم يُناقش اليوم إنطلاقاً من عدسة المشهد السوداني..




