بين الدبلوماسية والارتهان.. هل تغيّرت وظيفة المعارضة السودانية؟

بقلم/ محمد فؤاد عيد 

 أين يقف مشروع “صمود”؟

 

في تاريخ السودان السياسي لم تكن المعارضة مجرد لافتة ترفع في وجه السلطة بل كانت مدرسة في العمل الجماهيري ومنبرًا لصياغة البدائل الوطنية وساحة يدفع فيها السياسيون ثمن مواقفهم بالسجن أو المنفى أو الإقصاء أما اليوم وفي ظل الحرب التي تمزق البلاد فقد تبدلت المشاهد وأصبحت عواصم العالم هي المسرح الأبرز لتحركات كثير من القوى السياسية السودانية.

تُعد المعارضة السودانية أحد أبرز ملامح الحياة السياسية في البلاد فلم تكن مجرد قوى تسعى لتغيير السلطة بل كانت تعبيرًا حيًا عن تطلعات الشعب السوداني نحو الحرية والعدالة والكرامة على مدار ستة عقود مرت هذه المعارضة بألوانها المختلفة وقيادتاها التاريخية بتحولات عميقة تغيرت أشكالها وأدواتها وتبدلت قياداتها وتأثرت بتفاعلات الداخل والخارج لكنها ظلت في جوهرها تعكس صراع الإرادة الشعبية مع أنظمة الحكم المتعاقبة يأتي هذا المقال ليرصد هذه الرحلة الطويلة من زعامة الشريف الهندي إلى مرحلة الصمود في وجه الحرب المدمرة وكيف تأرجحت بين الالتحاق بالجماهير وبحثها الدؤوب عن موطئ قدم في العواصم الخارجية.

وهنا يبرز السؤال الذي يردده كثير من السودانيين وفى ظل الواقع الذى نعيشة اليوم هل تغيّرت أدوات المعارضة فقط أم تغيّرت وظيفتها أيضًا؟

*معارضة الأمس..الشارع قبل السفارة :*

عندما يُستدعى تاريخ المعارضة السودانية تتجه الذاكرة إلى أسماء مثل الشريف حسين الهندي، والصادق المهدي، ومحمد إبراهيم نقد وغيرهم من القادة الذين استندوا إلى أحزاب ذات قواعد اجتماعية وتنظيمية ممتدة.

كانت قوتهم الأساسية تنبع من قواعدهم الحزبية ومن النقابات والجامعات والقرى والمدن بينما ظل الخارج وسيلة لدعم المواقف السياسية أكثر من كونه مركزًا لصناعة القرار ولم تكن تلك التجارب خالية من الأخطاء والانقسامات لكنها ظلت مرتبطة في نظر كثيرين بالشارع السوداني أكثر من ارتباطها بالمؤتمرات الدولية.

*معارضة اليوم.. العواصم قبل الجماهير:*

بعد ثورة ديسمبر ثم اندلاع الحرب برز جيل جديد من القيادات السياسية وأصبحت اللقاءات الإقليمية والدولية جزءًا أساسيًا من نشاطها ويرى مؤيدو هذا النهج أن الحرب جعلت العمل السياسي داخل السودان شديد الصعوبة وأن التواصل مع المجتمعين الإقليمي والدولي ضرورة لدفع جهود وقف القتال والوصول إلى تسوية سياسية.

في المقابل نتساءل طالما إذا كانت الاجتماعات تتكرر فلماذا لا تزال الحرب مستمرة ولماذا لا يلمس المواطن نتائج واضحة لهذه التحركات؟

*أين ينتهي العمل الدبلوماسي.. وأين يبدأ الارتهان :*

ليس كل تواصل مع الخارج خروجًا على العمل الوطني كما أن كل علاقة خارجية لا تعني تلقائيًا الارتهان فالعمل الدبلوماسي يصبح مشروعًا عندما يخدم السلام ويحافظ على استقلال القرار الوطني ويكون واضح الأهداف.

أما إذا أصبح القرار السياسي معتمدًا على إرادة أطراف خارجية أو إذا غابت الشفافية بشأن طبيعة العلاقات المؤثرة في القرار فإن ذلك يفتح الباب أمام أسئلة سياسية مشروعة حول مدى استقلالية هذا القرار وهنا ينبغي التمييز بين الاتهام السياسي والحقيقة المثبتة. فالخلافات السودانية شهدت تبادلًا واسعًا للاتهامات بين مختلف القوى لكن إطلاق أوصاف مثل “العمالة” يتطلب أدلة واضحة يمكن التحقق منها ولا يكفي فيه مجرد الاختلاف السياسي أو تداول الاتهامات.

*”صمود”.. بين الدفاع والنقد :*

يجد تحالف “صمود” نفسه اليوم أمام اختبار صعب فأنصاره يرون أن تحركاته الخارجية جزء من السعي لإيقاف الحرب وبناء تسوية سياسية بينما يعتبر منتقدوه أن تلك التحركات لم تحقق نتائج ملموسة حتى الآن وأن الفجوة بين الخطاب السياسي وواقع المواطنين ما زالت قائمة وبغض النظر عن الموقف من التحالف فإن المعيار الذي سيحكم عليه كما سيحكم على غيره لن يكون عدد البيانات أو اللقاءات بل مقدار ما يحققه من أثر في إنهاء الحرب وتخفيف معاناة السودانيين ذلك السوداني الذي فقد منزله أو نزح عن مدينته أو حُرم أطفاله من التعليم لا يعنيه كثيرًا اسم العاصمة التي انعقد فيها الاجتماع بقدر ما يعنيه ما إذا كان ذلك الاجتماع قد قرّبه الى لحظة اتخاذ القرار للعودة الى منزلة والى الشعور بالسلام والامان فى بلد انهكتة اصوات البنادق وتفشت فية رائحة البارود بدلآ من الأكسجين .

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:

من زار القاهرة أو أديس أبابا أو نيروبي أو أي عاصمة أخرى؟

بل هو ماذا حمل فى جعبتة فى رحلة عودتة إلى السودان؟ وهل ساهم في وقف الحرب ؟ بل هل خفف معاناة المدنيين وحافظ على استقلال القرار الوطني؟

أم بقيت التحركات السياسية تدور في دائرة مغلقة لا تغير من واقع الحرب شيئًا؟

*نقد الذات قبل البحث عن متهم جديد :*

لا شك أن سنوات حكم الحركة الإسلامية تركت آثارًا عميقة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وما زال كثير من السودانيين يحمّلون تلك المرحلة مسؤولية جانب مهم من الواقع الحالي لكن في المقابل هل كانت البلاد مستقرة قبل عام 1989؟

لقد عرف السودان الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية والأزمات الحزبية والصراعات بين المركز والأقاليم منذ السنوات الأولى بعد الاستقلال وهذا يعني أن جذور الأزمة أقدم من أي حقبة سياسية منفردة وهذا يقودنا لتساؤل أخر هل الجيش هو أصل المشكلة فمنذ الاستقلال ظل الجيش لاعبًا رئيسيًا في السياسة السودانية وتولى الحكم في أكثر من مرحلة حيث يرى منتقدوه أن تكرار التدخل العسكري أعاق تطور المؤسسات المدنية بينما يرى آخرون أن المؤسسة العسكرية تدخلت في أوقات اعتبرتها تهديدًا لبقاء الدولة ومهما اختلفت الآراء فإن السؤال يبقى لماذا بقيت الدولة السودانية تدور بين الحكم المدني والعسكري دون أن تستقر على نموذج مؤسسي قادر على إدارة الخلافات ؟

*وماذا عن الاحزاب :*

سؤال يتردد كثيرآ وبالرغم من ان الأحزاب السودانية قدمت إسهامات مهمة في الحياة الوطنية لكنها واجهت أيضًا تحديات تتعلق بالانقسامات وضعف المؤسسية وصعوبة بناء توافقات مستقرة فكم من حزب انقسم إلى عدة أحزاب وكم من تحالف ولد ثم تفكك خلال سنوات قليلة وهذه الظاهرة لا تخص حزبًا بعينه بل تكررت في مدارس سياسية مختلفة.

ولعل كانت الحركات المسلحة افرازات تلك المراحل والتى الان بين ليلة وضحاها تحولت من التهميش إلى السلطة خاصة تلك التى رفعت شعارات العدالة وتقاسم السلطة والثروة لكن بعد مشاركتها في الحكم وجد السودانيون أنفسهم يطرحون سؤالًا جديدًا هل نجحت المشاركة في تحقيق الإصلاح الذي رُفع شعارًا أم أن تحديات الحكم كانت أعقد من الشعارات .

*هل المشكلة في الإنسان السوداني:*

ربما يكون هذا أكثر الأسئلة حساسية ليس لأن الإنسان السوداني أقل قدرة من غيره على بناء الدولة بل لأن السؤال الحقيقي يتعلق بالثقافة السياسية التي تشكلت عبر عقود من الانقلابات والاستقطاب والحروب وضعف المؤسسات حيث ما زالت هنالك استفاهمات تدور فى حجم مقدرة الإنسان السودانى فى كيفية ادارة الاختلاف دون اللجوء الى الاقصاء وحول قبولة لتداول السلطة بأعتبارها قاعدة وليس استثناء ومقدرة على بناء مؤسسات أقوى من الأفراد وهى ليست اسئلة عن طبيعة الإنسان السودانى بقدر ما أنها تعنى طبيعة ممارسته السياسية.

*الدولة التي لا تتعلم :*

مرت على السودان حكومات مدنية وعسكرية وائتلافية وثورية وانتقالية.

وتغيرت الشعارات وتبدلت الوجوه لكن كثيرًا من الأزمات بقيت تتكرر بأسماء مختلفة حيث يصبح السؤال المؤلم سيد الموقف وهو هل نحن هدفنا دائمآ هو تغيّر الحكومات بينما تبقى طريقة إدارة الدولة كما هي وقبل أن نلوم الآخرين لا يمكن إنكار أثر التدخلات الإقليمية والدولية في تعقيد المشهد السوداني لكن تلك التدخلات تجد مجالًا أوسع عندما تكون الدولة منقسمة وعندما تعجز النخب عن بناء توافق وطني فالدول القوية ليست تلك التي لا تواجه ضغوطًا خارجية بل تلك التي تمتلك مؤسسات قادرة على حماية قرارها الوطني.

نقد الذات.. لعله بداية الطريق وقد يكون أصعب ما يواجه الأمم هو الاعتراف بأخطائها حيث ان الأسهل دائمًا أن نبحث عن متهم خارجي أو عن خصم سياسي نحمله كل المسؤولية أما الأصعب فهو أن نسأل أنفسنا لماذا أخفقت النخب على اختلاف توجهاتها في بناء دولة مستقرة؟ ولماذا يتكرر الصراع كلما تغيرت السلطة؟ بل لماذا يظل المواطن هو الخاسر الأكبر؟

*الخاتمة.. الأزمة ليست في الأشخاص وحدهم :*

ربما يكون أكبر خطأ ارتكبناه هو الاعتقاد بأن سقوط شخص أو حزب أو نظام يعني نهاية الأزمة والجميع يدرك بأنه حكومات عديدة رحلت وجاءت أخرى وتبدلت التحالفات لكن الدولة بقيت تعاني من المشكلات نفسها لذلك فإن مستقبل السودان لن يُبنى بمجرد تغيير الوجوه بل بإعادة بناء المؤسسات وترسيخ سيادة القانون وقبول التعدد وتعزيز ثقافة الحوار وإعلاء المصلحة الوطنية فوق الولاءات الضيقة.

فالأمم لا تنهض عندما تنتصر فئة على أخرى بل عندما تنتصر فكرة الدولة على صراعات السياسة.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه كل سوداني قبل أن يوجه إصبعه إلى غيره إذا كان الجميع يحمّل غيره مسؤولية ما جرى فمن الذي سيتحمل مسؤولية بناء السودان الذي نحلم به؟

قد تكون الحرب غيّرت أدوات العمل السياسي لكنها لم تغيّر المعيار الذي يحكم عليه.

فالشرعية لا تُكتسب بطول الرحلات ولا بكثرة المؤتمرات وإنما بقدرة السياسي على تحويل المبادرات إلى نتائج والوعود إلى واقع.

واليوم تقف جميع القوى السياسية السودانية في السلطة والمعارضة أمام الامتحان ذاته كيف تستعيد ثقة شعب أنهكته الحرب؟

وحتى يأتي الجواب سيظل السؤال حاضرًا في وجدان السودانيين:

هل أصبحت المعارضة مشروعًا للتغيير أم أن بعض مكوناتها باتت تدير الأزمة أكثر مما تقترب من حلها وهل تستطيع القوى السياسية أن تثبت أن تحركاتها الخارجية تصب أولًا وأخيرًا في خدمة السودان لا في خدمة أجندات الآخرين؟

إن الإجابة لن تصنعها الشعارات بل الوقائع…لأن التاريخ لا يتذكر عدد المؤتمرات وإنما يتذكر من أوقف الحروب وحفظ الدولة وصان كرامة شعبه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى