من أسلحة الدمار الشامل في العراق إلى «كيميائي» السودان.. هل تُكتب مقدمة الحرب بالحبر؟

هوامش السيادة

بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد

 

في العراق بدأت الحكاية بأسلحة دمار شامل قيل إنها مخبأة تحت الأرض، ثم تحولت الرواية إلى ملف دولي، وتحول الملف إلى قرار، وتحول القرار إلى صواريخ، وبعد أن انقشع غبار الحرب لم تظهر الأسلحة التي ملأت نشرات الأخبار والمنابر الدولية، لكن ظهرت أخطاء الصحافة، وسقطت مصادر استخباراتية، وتهاوت روايات كانت قد قُدّمت للجمهور بوصفها حقائق لا تقبل النقاش.

ولم تكن الصحافة مجرد ناقل بريء لتلك الروايات؛ فقد منحت بعض وسائل الإعلام المعلومات الاستخباراتية قوة الحقيقة، ثم اكتشفت بعد فوات الأوان أن الحبر يستطيع أن يسبق الصاروخ إلى هدفه.

اليوم يعود السودان إلى المشهد ذاته، لكن بعنوان جديد هو «أسلحة كيميائية». فقد تحدثت تقارير صحفية أميركية عن ملف استخباراتي يتضمن صوراً ومقاطع فيديو ووثائق واتصالات معترضة، قيل إنها تقدم أدلة على برنامج لإنتاج أسلحة كيميائية في السودان.

لكن هنا تحديداً ينبغي أن تتوقف الحكاية قبل أن تتحول إلى فيلم سياسي مكتمل السيناريو. فالسودان لا يقف أمام العالم متلعثماً بحثاً عن صيغة للنفي؛ لأن الحديث عن أسلحة كيميائية في السودان، بهذه الصورة التي يجري تسويقها، فرية لا تستند إلى واقع. وما يُضخ في الفضاء الإعلامي ليس اكتشافاً لسلاح كيميائي، وإنما رواية يجري نفخها إعلامياً حتى تبدو وكأنها حقيقة قائمة بذاتها.

واللافت أن هذه الفرية لم تأتِ من فراغ سياسي. فقد فشلت محاولات كثيرة في صناعة صورة دولية بعينها عن السودان، وتعثرت مشاريع الضغط عليه من أبواب مختلفة، فجاءت قصة «الكيميائي» لتفتح باباً جديداً في جدار الحرب الإعلامية. وهنا تظهر أبوظبي في المشهد بكل ثقلها؛ لا باعتبارها مجرد اسم عابر في رواية الحرب، وإنما باعتبارها طرفاً طالما ارتبط اسمه، في السجال السوداني والدولي، باتهامات دعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها دويلة الإمارات.

وبعد أن عجزت محاولات كثيرة عن تحقيق غاياتها، يبدو أن ماكينة الدعاية وجدت في «السلاح الكيميائي» ورقة جديدة. ورقة لا تحتاج إلى مصنع يُكتشف، ولا مخزن يُصوَّر، ولا سلاح يُعرض أمام لجنة تحقيق؛ يكفي أن تُزرع الكذبة في فضاء الأخبار، ثم تتلقفها أقلام مأجورة وإعلام مدفوع الثمن، حتى تبدأ عملية غسل الرواية وإعادة تدويرها، من شاشة إلى شاشة، ومن تقرير إلى آخر، حتى يغدو التكرار عند بعضهم دليلاً!

وهنا تقع مسؤولية الصحافة الحقيقية. فالمعلومة الاستخباراتية ليست حكماً قضائياً، والصورة لا تشرح وحدها مصدرها، والوثيقة تحتاج إلى سياق، والاتصال المعترض عليه يحتاج إلى تحقق مستقل، والاتهام باستخدام سلاح محظور يحتاج إلى أدلة يمكن اختبارها، لا إلى رواية مجهولة المصدر تُلقى في الفضاء الإعلامي ثم يُطلب من العالم التعامل معها كأنها قرآن منزل.

العراق يجب أن يكون حاضراً في ذاكرة كل صحفي يقترب من هذا الملف. فقد عاش العالم تجربة كبرى دفعت فيها الصحافة ثمناً مهنياً باهظاً، بعدما تبين أن بعض المعلومات التي بُنيت عليها رواية أسلحة الدمار الشامل لم تكن بالحسم الذي قُدّمت به للجمهور.

ومن المفارقات أن صحيفة «نيويورك تايمز» نفسها تعرضت لانتقادات واسعة بسبب تغطياتها لملف أسلحة الدمار الشامل في العراق، وعلى رأسها تقارير الصحفية جوديث ميلر، قبل أن تصبح تلك التغطيات لاحقاً جزءاً من درس صحفي عالمي في مخاطر الاعتماد المفرط على مصادر استخباراتية غير معلنة.

واليوم تعود الصحيفة ذاتها إلى ملف السودان. هذه المرة لا نتحدث عن بغداد، بل عن الخرطوم، ولا نتحدث عن صدام حسين، بل عن بلد يعيش حرباً مفتوحة، تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية، وتتنافس حوله الروايات كما تتنافس الجيوش على الأرض.

والتوقيت هنا يستحق سؤالاً كبيراً. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه التحركات الأميركية داخل مجلس الأمن لتوسيع حظر السلاح المفروض على السودان، تظهر رواية «السلاح الكيميائي» في الإعلام الأميركي بهذه القوة. هل هي مصادفة؟ ربما، لكن الصحافة الجادة لا تخاف من الأسئلة، والسياسة الجادة لا تطلب من الناس أن يطفئوا عقولهم أمام التوقيت.

والأخطر من الرواية نفسها هو الإعلام الذي يتولى نفخها. فالإعلام المأجور لا يحتاج إلى أن يصنع الحقيقة؛ يكفيه أن يصنع لها جمهوراً. والقلم الرخيص لا يبحث عن الدليل؛ يبحث عن الجهة التي تدفع ثمن الحبر. وهكذا تتحول الأكذوبة، مع كثرة الترديد، إلى ما يشبه الحقيقة عند من لا يملك وقتاً للتحقق أو رغبة فيه.

والسودان أصبح ساحة مفتوحة لحرب الروايات؛ رواية عن المجاعة، ورواية عن الأسلحة، ورواية عن الانتهاكات، ورواية عن الدعم الخارجي. وفي وسط كل ذلك يقف المواطن السوداني أمام بلد يتآكل، بينما تتسابق غرف الأخبار على تفسير المأساة من زوايا تخدم أحياناً أجندات أصحابها أكثر مما تخدم الحقيقة نفسها.

فإذا أُقنع العالم بأن السودان يمتلك أسلحة كيميائية، ثم أُقنع بأن تلك الأسلحة تشكل تهديداً إقليمياً، ثم أضيفت إليها تقارير عن انتهاكات وجرائم، يصبح الطريق السياسي أمام العقوبات والحصار والتدخلات أكثر سهولة. وهكذا تبدأ الحرب أحياناً قبل أن تبدأ الحرب؛ تبدأ في العناوين، ثم تنتقل إلى البيانات، ثم إلى جلسات مجلس الأمن، ثم يصبح إطلاق النار مجرد فصل متأخر من الرواية.

ومن هنا تحديداً يجب أن تتذكر الصحافة أنها ليست غرفة عمليات لأي جهاز استخبارات. فالصحفي لا يرتدي قبعة المخابرات، والصحيفة لا ينبغي أن تتحول إلى منصة لإطلاق الروايات الجاهزة. المهنة تقتضي أن يُقال للقارئ بوضوح: هذه معلومات استخباراتية، وهذه ادعاءات، وهذه أدلة لم تتحقق منها جهة مستقلة، وهذا موقف الطرف المتهم.

تلك هي الصحافة. أما تقديم الاتهام في ثوب الحقيقة النهائية، فذلك شيء آخر تماماً.

والسودان، في هذه اللحظة التاريخية، يحتاج إلى صحافة تدقق أكثر مما تصرخ، وتسأل أكثر مما تكرر، وتفتش عن الدليل قبل أن تبحث عن العنوان. فقد تعلمنا من العراق أن العنوان قد يصبح أخطر من الخبر، وتعلمنا أن «مصدرًا استخباراتياً» يمكن أن يصعد إلى الصفحة الأولى، ثم يهبط لاحقاً إلى خانة الاعتذار والتصحيح.

لكن السودان لا يملك رفاهية انتظار الاعتذار، لأن الخطأ في هذا الملف لا ينتهي بتصحيح صحفي في الصفحة الداخلية؛ قد يتحول الخطأ إلى قرار دولي، وقد يتحول القرار إلى حصار، وقد يتحول الحصار إلى مزيد من الموت. وهنا تصبح مسؤولية الكلمة أثقل من مسؤولية السبق الصحفي.

*هوامش السيادة*

من العراق إلى السودان، تبدلت الأسماء وتغيرت العناوين وتبدلت الخرائط السياسية، لكن اللعبة الإعلامية تستحق أن تُراقب بعين مفتوحة. فأسلحة الدمار الشامل التي قادت العراق إلى الحرب أصبحت اليوم درساً لا يجوز نسيانه.

والسلاح الكيميائي، إن ثبت وجوده أو استخدامه، جريمة لا جدال في إدانتها، لكن إثبات الجريمة شيء، وصناعة رواية سياسية حولها شيء آخر. والفاصل بين الاثنين اسمه الدليل.

فمن أسلحة الدمار الشامل في العراق إلى «كيميائي» السودان، تتغير العناوين وتتبدل الملفات، لكن السؤال يبقى واحداً: هل تتعلم الصحافة من أخطاء الأمس، أم تكتب بالحبر مقدمة حرب جديدة؟

فالسودان ليس مسودة خبر، والسيادة ليست مادة قابلة للتحرير، والكلمة التي تسبق الحرب قد تكون أحياناً أخطر من الرصاصة التي تأتي بعدها…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى