هل يمثل اليوان الصيني بداية تحول استراتيجي في السياسة النقدية والتجارية للسودان؟

بقلم/ د. مزمل الضيء العباس
في ظل واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية التي تمر بها السودان، أعلن بنك أم درمان الوطني فتح حساب مباشر باليوان الصيني لدى بنك الصين – فرع شنغهاي، وذلك بجهود مشتركة بين كل من السفارة السودانية في بكين والقنصلية العامة في قوانغتشو. وقد يبدو الخبر للوهلة الأولى إجراءً مصرفياً فنياً، إلا أنه في الواقع يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز القطاع المصرفي، وتمتد إلى مستقبل التجارة الخارجية، وإدارة النقد الأجنبي، وعلاقات السودان الاقتصادية الدولية.
و منذ اندلاع الحرب الجارية، واجه الاقتصاد السوداني ضغوطاً غير مسبوقة تمثلت في تراجع الصادرات، وتعطل الإنتاج، إذ انكمش الناتج المحلي بنحو 14% وفق تقرير البنك الدولي وانخفاض احتياطيات النقد الأجنبي، وارتفاع تكاليف التحويلات المالية، فضلاً عن استمرار آثار العزلة المصرفية التي خلفتها سنوات العقوبات الاقتصادية الأمريكية. وفي خضم ذلك، تأتي إمكانية التعامل المباشر باليوان الصيني كأحد الحلول العملية لتخفيف هذه الضغوط، سيما وأن الصين تعد الشريك التجاري الأكبر للسودان ومصدراً رئيسياً للآلات والمعدات والسلع الاستهلاكية ومواد البناء. ووفقًا لأحدث التقارير الرسمية لعام 2024، نجد ان حجم التبادل التجاري بين السودان والصين بلغ نحو 1.39 مليار – تمثلت في الصادرات الصينية إلى السودان بقيمة 830 مليون دولار ، بينما واردات الصين من السودان بلغت نحو 560 مليون دولار (-270).
فأهمية هذه الخطوة تتمثل في اختصارها لسلسلة طويلة من التحويلات المالية. ففي السابق كانت المدفوعات تمر غالباً عبر الدولار الأمريكي وبنوك وسيطة في دول أخرى، الأمر الذي كان يرفع تكلفة التحويل ويطيل زمن تنفيذ العمليات ويزيد من مخاطر التأخير أو الرفض. أما الآن فالحساب المباشر باليوان، سيسمح بإجراء عمليات الدفع والتحصيل بين السودان والصين بصورة أكثر سرعة وكفاءة، ويخفض الرسوم والعمولات الناتجة عن التحويل المزدوج بين العملات. كما ستمثل الخطوة تطوراً مهماً في إدارة النقد الأجنبي داخل السودان، إذ تقلل الاعتماد على الدولار في تمويل الواردات الصينية، وهو أمر يكتسب أهمية خاصة في ظل شح العملات الأجنبية وارتفاع أسعار الصرف. فكل معاملة تتم باليوان مباشرة تعني طلباً أقل على الدولار، وهو ما قد يخفف الضغوط على سوق النقد الأجنبي إذا تم توسيع نطاق استخدام هذه الآلية.
بيد ان قراءة الحدث لا ينبغي أن تقتصر على الجانب الفني لوحده، بل لابد من وضعه ضمن التحولات العالمية الجارية في النظام المالي الدولي. فالصين تقود منذ سنوات جهوداً متواصلة لتدويل عملتها الوطنية-في ظل تنافسها مع العم سام، عبر إنشاء قنوات دفع وتسوية مباشرة مع عدد متزايد من الدول، وتشجيع استخدام اليوان في التجارة والاستثمار والتمويل. وبالتالي فإن انضمام السودان إلى هذه المنظومة يعكس تغيراً تدريجياً في خريطة العلاقات المالية الدولية، حيث بدأت العديد من الاقتصادات الناشئة في تنويع عملات التجارة وتقليل الاعتماد المطلق على الدولار.
هناك العديد من الدول التي اتجهت إلى استخدام اليوان الصيني في التجارة الثنائية وتقليل الاعتماد على الدولار، لكن النتائج اختلفت من دولة إلى أخرى بحسب حجم التجارة مع الصين، وقوة الاقتصاد المحلي، واستقرار النظام المالي، وعلى سبيل المثال لا الحصر نجد ان روسيا إتجهت لليوان الصيني لتقوية الروبل إبان العقوبات الامريكية والاوروبية بسبب ما يدور في حربها ضد اوكرانيا، فتلك الخطوة سنحت لها بالالتفاف اقتصاديا حول العقوبات وتخفيض حدتها. كذلك الأمر بالنسبة للبرازيل والارجنتين، فالأولى اتخذت خطوات مماثلة لتقليل الاعتماد على الدولار وتشجيع الاستثمار الصيني -البرازيلي وزيادة حجم التبادل التجاري. *غير أن النجاح الحقيقي لهذه المبادرة لا يقاس بفتح الحساب، وإنما بحجم التعاملات التي ستتم عبره. فإذا بقيت المدفوعات محدودة فلن تتجاوز الخطوة بعدها الرمزي، أما إذا أصبحت غالبية التجارة السودانية مع الصين تتم باليوان، فقد يؤدي ذلك إلى خفض تكلفة الاستيراد، وتحسين كفاءة التجارة الخارجية، وتعزيز استقرار المدفوعات الدولية.*
ورغم التفاؤل الذي يحيط بهذه الخطوة، فهناك تحديات كبيرة. بينها الاعتماد المتزايد على اليوان قد ينقل جزءاً من مخاطر تقلبات أسعار الصرف من الدولار إلى العملة الصينية، كما أن ضعف القطاع المصرفي المحلي واستمرار آثار الحرب قد يحدان من الاستفادة الكاملة من هذه الآلية. كذلك الأمر ان تنويع العملات ينبغي ألا يتحول إلى استبدال تبعية بأخرى، بل يجب أن يكون جزءاً من استراتيجية أوسع لتنويع الشركاء التجاريين ومصادر التمويل-مثلا فتح فرع مصرفي صيني داخل السودان بالتزامن مع فرع مصرف سوداني داخل الصين- عندها تصبح جميع المدفوعات ليس للواردات فحسب بل يشمل حتى حقوق الشركات الصينية داخل السودان.
ومن زاوية الاقتصاد الكلي، فإن هذه الخطوة لن تعالج بمفردها أزمة سعر الصرف أو التضخم أو نقص النقد الأجنبي، لكنها قد تشكل لبنة مهمة ضمن حزمة إصلاحات تشمل زيادة الصادرات، وتحفيز الإنتاج المحلي، واستعادة الثقة في القطاع المصرفي، وتحسين بيئة الاستثمار. فالسياسات النقدية وحدها لا تستطيع معالجة اختلالات الاقتصاد الحقيقي ما لم تترافق مع سياسات إنتاجية وتجارية فعالة. وكما أكدت التجارب الدولية أن استخدام اليوان في التجارة الثنائية يمكن أن يحقق مكاسب ملموسة تتمثل في خفض تكاليف التحويلات، وتسهيل المدفوعات، وتقليل الضغط على الدولار. غير أن هذه التجارب تؤكد أيضاً أن نجاح هذه السياسة يعتمد على قوة الاقتصاد الحقيقي، وحجم الصادرات، وكفاءة القطاع المصرفي. ومن ثم، فإن فتح الحساب المباشر باليوان يمثل فرصة مهمة للسودان، لكنه لن يتحول إلى نقطة تحول استراتيجية إلا إذا صاحبه برنامج متكامل لإعادة بناء الإنتاج، وزيادة الصادرات، واستعادة الثقة في النظام المالي، وتنويع الشركاء التجاريين، حتى يصبح تنويع العملات جزءًا من استراتيجية تنموية شاملة، لا مجرد استجابة ظرفية لأزمة النقد الأجنبي.



