حين طالب حاكم فازوغلي بنقل المديرية من سنار إلى كركوج ٢/٢

كركوج.. جوهرة النيل الأزرق التي رشّحها الرحالة والإداريون لتكون مركزا للتجارة والحكم
بقلم/ عثمان كباشي
لماذا بقيت الإدارة في سنار؟
لم يكن مارنو مجرد رحالة أوروبي يمر بالمنطقة ويسجل انطباعاته؛ فقد استكشفها أولا، ثم أصبح جزءاً من الإدارة الخديوية في السودان.
ومن موقع العارف بجغرافية النيل الأزرق وحركة سكانه، رأى مارنو أن بقاء مركز المديرية والحامية في سنار لا يتفق مع احتياجات الإقليم العملية، وأن كركوج كانت أصلح لأداء هذه الوظيفة.
وقد أسند مارنو رأيه إلى مجموعة من الأسباب.
أولها أن إدارة القبائل العربية الرحّل التي تتحرك في المساحات الواقعة بين النيلين تحتاج إلى مركز قريب من مناطق حركتها، يمكن منه إرسال القوة ومراقبة الطرق والتدخل عند نشوء النزاعات.
وثانيها أن جماعات رفاعة في منطقة الدندر كانت تتحرك موسمياً في نطاق واسع بحثاً عن الماء والمرعى، وأن وجود مركز إداري وعسكري في كركوج يجعل مراقبة هذه الحركة أكثر فاعلية من إدارتها من سنار.
وثالثها أن كركوج كانت سوقا للقادمين عبر الطرق الشرقية والجنوبية، ولذلك رآها مارنو موقعاً أفضل لتنظيم التجارة وحماية القوافل والإشراف على حركة الناس والسلع.
أما السبب الأهم في رأيه فهو أن كركوج جمعت بين وظيفتين: وظيفة محطة الملاحة على النيل الأزرق، ووظيفة سوق القوافل البرية.
ومن يسيطر إدارياً على كركوج، وفق هذا التصور، يستطيع مراقبة حركة النهر وحركة الطرق البرية في وقت واحد، بينما كانت سنار، على الرغم من شهرتها التاريخية، أبعد عن بعض التحولات الجديدة في التجارة والحركة الإقليمية.
ولهذا دعا مارنو إلى نقل المديرية والحامية من سنار إلى كركوج، ورأى أن تنفيذ هذا المقترح كفيل بمنح المدينة أهمية كبيرة ودفعها إلى النمو.
ومن الضروري هنا التمييز بين صفة مارنو حين عرف كركوج ودوّن ملاحظاته عنها، وصفته الإدارية اللاحقة. فقد بدأت معرفته بالنيل الأزرق في رحلاته بين عامي 1869 و1873، ثم دخل الإدارة بعد ذلك، فعُيّن نائباً لحاكم القلابات عام1879، وأصبح لاحقاً مديراً لفازوغلي. ولذلك استند مقترحه إلى معرفة ميدانية سابقة دعمتها خبرة إدارية لاحقة. (
ولم تكن فكرته، في جوهرها، دعوة إلى محو مكانة سنار التاريخية، بل كانت تمييزاً بين مدينة صنعتها الذاكرة السياسية ومدينة فرضتها الجغرافيا الاقتصادية.
فسنار كانت عاصمة سلطنة الفونج وصاحبة الاسم الأوسع، أما كركوج فكانت، في حسابات مارنو وشوفير، المدينة التي تجتمع عندها التجارة والملاحة وطرق الجنوب والشرق.
بين التاريخ والموقع
تكشف المقارنة التي عقدها الرحالة بين سنار وكركوج عن واحدة من القضايا المتكررة في تاريخ الإدارة: هل يُختار المركز الإداري استناداً إلى مجده التاريخي، أم وفقاً لموقعه وقدرته على خدمة الطرق والأسواق والسكان؟
احتفظت سنار بمكانتها لأنها كانت عاصمة سلطنة الفونج، ولأن اسمها ارتبط بإقليم واسع في المخيلة السياسية والجغرافية.
لكن شوفير، الذي شاهد المدينتين سنة 1881، سجل أن الحركة التجارية كانت تتجه إلى كركوج. أما مارنو، الذي عرف المنطقة منذ رحلته بين عامي 1869 و1873 ثم عمل في إدارتها، فقد رأى أن الإدارة والحامية ينبغي أن تنتقلا معها.
وهكذا توصل الرجلان إلى نتيجة متقاربة من طريقين مختلفين: شوفير رصد الحركة التجارية كما وجدها، ومارنو اقترح أن يتبعها التنظيم الإداري والعسكري.
فالسلع والقوافل لا تتحرك، في النهاية، وفق الأسماء التاريخية وحدها، وإنما تتجه إلى المكان الأقرب إلى طرق الإنتاج والنقل والأسواق. وكذلك تحتاج الإدارة الفاعلة إلى أن تكون قريبة من مناطق الحركة والنزاع والجباية.
ومن هنا بدت كركوج مدينة تنافس سنار من دون أن تعلن المنافسة. لم تكن تملك قصور الفونج ولا إرث العاصمة القديمة، لكنها كانت تملك النهر والطريق والسوق والموقع الوسيط.
بوابة فازوغلي والحبشة
تؤكد تقارير البعثات والمسافرين في العقود اللاحقة أن كركوج كانت محطة لإعادة تجهيز الرحلات؛ إذ يصل إليها المسافرون عن طريق النهر، ثم ينظمون القوافل البرية ويتزودون بالجمال والأدلاء قبل مواصلة السير نحو فامكا وفازوغلي.
وهذه الوظيفة اللوجستية هي التي جعلت موقعها ملائماً، في تصور مارنو، لإقامة الحامية والإدارة ومستودعات البضائع ومحطات الاتصال.
فهي لم تكن تقع على طريق واحد، وإنما عند نقطة التقاء الطريق النهري القادم من الشمال بالطرق البرية المتجهة جنوباً وشرقاً.
في كتابات الإيطاليين
حظيت كركوج بمكانة خاصة في الكتابات الإيطالية، لا سيما بسبب ارتباطها بالمستكشف كارلو بياجيا.
وُلد بياجيا سنة 1827، وكان رحالة ومستكشفاً وجامعاً للعينات الطبيعية والإثنوغرافية. وصل إلى السودان للمرة الأولى في نوفمبر 1856، وقضى معظم السنوات اللاحقة متنقلاً بين السودان ووسط إفريقيا والحبشة، حتى وفاته في كركوج سنة 1882.
وفي سنة 1879 سافر بياجيا مرة أخرى صاعداً في النيل الأزرق نحو الحبشة، لكنه أوقف في فامكا بسبب مخاوف السلطات على سلامته، فأمضى قرابة عام بين قبيلة البرتا، منشغلاً بالصيد والملاحظات العلمية.
وفي فبراير 1880 كلّفته الجمعية الجغرافية الإيطالية بالبحث عن المستكشفين الإيطاليين جيوفاني كياريني وأنطونيو تشيكي، اللذين انقطعت أخبارهما في الحبشة. وصعد النيل الأزرق، لكنه لم يتمكن من تجاوز منطقة بني شنقول بسبب عوائق طبيعية وإدارية.
وفي ديسمبر 1881 بدأ بياجيا رحلته الأخيرة، بعد أن دعاه الرحالة الهولندي خوان ماريا شوفير إلى الانضمام إلى بعثته المتجهة نحو نهر السوباط.
وتثبت السيرة الإيطالية لبياجيا أنه أصيب أثناء الطريق بسعال شديد ودوسنتاريا، ثم توفي في كركوج، التي ورد اسمها في الإيطالية بصيغة Carcoggi، يوم 17 يناير 1882. ودُفن تحت شجرة تبلدي كبيرة، قبل أن يحدد الضابط الإيطالي ألبرتو بوليرا موقع قبره سنة 1933.
وبذلك أصبحت كركوج في الأدبيات الجغرافية الإيطالية أكثر من محطة على طريق الرحلات؛ صارت المكان الذي شهد الأيام الأخيرة لأحد أبرز المستكشفين الإيطاليين في إفريقيا.
وقد نشرت الجمعية الجغرافية الإيطالية رسائل وتقارير متعددة لبياجيا، كما ظل موضع قبره في كركوج موضوعاً للبحث والكتابة طوال العقود اللاحقة.
الحد الثقافي بين سنار وفازوغلي
لم تكن كركوج حداً تجارياً وإدارياً فحسب، بل ظهرت في كتابات الرحالة باعتبارها جزءاً من منطقة انتقال ثقافي واجتماعي بين سنار وفازوغلي.
فالرحالة والمبشر جيوفاني بلترامي جمع خلال رحلته بين ديسمبر 1854 وأبريل 1855 معلومات عن سكان النيل الأزرق ولغاتهم وعاداتهم، وواصل السير من كركوج إلى الروصيرص وفامكا ثم إلى مناطق الشنغالة وبني شنقول.
وتدل طبيعة رحلته وما نشره لاحقاً على أن المنطقة الواقعة جنوب سنار لم تكن وحدة سكانية واحدة، بل فضاءً تلتقي فيه مجموعات عربية وفونجية وبرتاوية وإثيوبية وغرب إفريقية.
كما كتب الرحالة والجغرافي الفرنسي غيوم لوجان، الذي قام برحلات في السودان والحبشة خلال ستينيات القرن التاسع عشر، عن الجماعات الموجودة بين كركوج وسنار، وأشار إلى وجود جماعات محلية نُسبت إلى أصول فونجية أو إلى طبقات مرتبطة بحكم الفونج.
وتساعد هذه الملاحظات على فهم كركوج بوصفها منطقة لقاء بين جماعات متعددة، لا مجرد نقطة عبور جغرافية.
وكان هذا التنوع نفسه سبباً إضافياً يدعم الحاجة إلى مركز إداري قريب، لأن إدارة المنطقة لم تكن تعني إدارة الأرض وحدها، بل تنظيم العلاقات بين التجار والقبائل الرحّل والسكان المستقرين والقادمين من الشرق والغرب.
وفي العهد الثنائي اللاحق تغيرت خرائط النقل والتجارة مع توسع الطرق والسكك الحديدية والمشروعات الزراعية، وظهرت مراكز أخرى ارتبطت بالنظام الإداري والاقتصادي الجديد.
لكن ضياع الفرصة لا يلغي الحقيقة التي سجلها شوفير واقترحها مارنو: كانت كركوج، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، موقعاً تجارياً وإدارياً واعداً، ورأى رجال عرفوا المنطقة أن مكانتها العملية بدأت تتقدم على مكانة سنار.
قصة كركوج ليست مجرد حنين إلى مدينة قديمة، وإنما دعوة إلى إعادة قراءة تاريخ النيل الأزرق بعيداً عن المدن التي استحوذت وحدها على الرواية الرسمية.



