المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: جذورنا التاريخية القديمة- الجزء 16/11

معجزة دنقلا وولادة دبلوماسية “البقط”

​مع إشراقة القرن السابع الميلادي، وجدت الممالك المسيحية الناشئة نفسها في مواجهة إعصار سياسي وعسكري وعقائدي زحف من شبه الجزيرة العربية. بعد فتح مصر عام 641 م على يد عمرو بن العاص، تمددت خيول المسلمين جنوباً لتصطدم بحافة الممالك النوبية، لتتحول الأحداث إلى اختبار دولي ومصيري لصلابة الإنسان النوبي وإرثه القتالي. ومن رحم هذه المواجهة الدموية العنيفة، صاغ الطرفان واحدة من أطول المعاهدات الدبلوماسية في التاريخ الوسيط؛ اتفاقية “البقط” الشهيرة عام 652 م، والتي حلت محل السيف بالقلم، ونظمت العلاقات السياسية والاقتصادية بين مصر الإسلامية والنوبة المسيحية لقرابة ستة قرون.

​اتحاد الجبهة الداخلية ومواجهة الصدمة الأولى:

أظهرت النخبة النوبية وعياً سياسياً متقدماً مع استشعار الخطر القادم من الشمال؛ ففي عام 610 م، تلاشت الصراعات المذهبية السابقة واندمجت مملكة نوباتيا الشمالية كلياً في مملكة المقرة، لتتشكل “مملكة المقرة الموحدة” وعاصمتها دنقلا العجوز، وتحول مذهب الدولة بالكامل إلى اللواء اليعقوبي القبطي لتوحيد الجبهة الروحية. واجهت هذه الدولة الفتية أول اختبار عسكري كبير عندما أرسل عمرو بن العاص القائد عقبة بن نافع الفهري في حملة صيفية عام 642 م (عام 21 هـ). توغلت خيول المسلمين في أرض النوبة، لكنها واجهت مقاومة شرسة وحرب عصابات خاطفة اضطرتها للتراجع بجراحات كثيرة دون حسم عسكري.

​معركة دنقلا الثانية وظهور “رماة الحدق”:

في عام 652 م (عام 31 هـ)، قرر والي مصر، القائد عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وضع حد نهائي لتهديد الحدود الجنوبية، فجرد جيشاً عاصفاً مدججاً بالسلاح وتقدم جنوباً حتى حاصر العاصمة “دنقلا العجوز”. ضرب المسلمون حصاراً خانقاً على المدينة، ونصبوا المنجنيق الذي رماها بحجارة تهدمت على إثرها أجزاء من الكاتدرائية الرئيسية. دارت المعركة الحقيقية عندما خرج المقاتلون النوبيون للدفاع عن مدينتهم؛ حيث أظهروا براعة فائقة في استخدام القوس والنشاب، ووجهوا نبالهم بدقة متناهية صوب أعين المهاجمين، ففقأوا في يوم واحد مئات الأحداق، ليرتد جيش المسلمين بجراحات بليغة، وأطلق العرب عليهم منذ ذلك اليوم اسم “رماة الحدق” اعترافاً ببأسهم الشديد.

​اتفاقية البقط وبنودها الاستثنائية:

أدرك عبد الله بن سعد بن أبي السرح أن إخضاع بلاد النوبة عسكرياً مكلف للغاية، وفي المقابل عرف ملك النوبة “قليدروت” أن استمرار الحصار سيهلك عاصمته، فجنح الطرفان للسلم ووقعت اتفاقية “البقط” عام 652 م كمعاهدة تجارية وسياسية فريدة. نصت المعاهدة على هدنة أمان متبادلة، وألا يغزو المسلمون النوبة ولا يغير النوبيون على مصر، مع السماح بالتجارة وحرية الحركة دون إقامة دائمة. التزم النوبيون بدفع “بقط” سنوي يتكون من 360 رأساً من الرقيق، مقابل أن يدفع المسلمون كميات محددة من القمح والعدس والملابس، بالإضافة إلى الالتزام بحفظ وتأمين المسجد الذي بناه التجار المسلمون في فناء دنقلا.

​ستة قرون من التعايش والتوتر السلمي:

بقيت معاهدة البقط المرجعية الناظمة للعلاقات لقرابة 600 عام، بالرغم من فترات انقطاع وحروب انتقالية تلتها هبات نوبية رداً على تعسف بعض الولاة، مثل حملة الملك النوبي “زكريا بن يحنس” الذي أرسل ابنه “جورجي الأول” إلى بغداد عام 836 م لمقابلة الخليفة المأمون وتخفيض البقط. ويذكر المؤرخ “ابن عبد الحكم” أن المعاهدة صمدت لأنها لبت مصالح الطرفين؛ فالإدارة الإسلامية في مصر حصلت على حماية لحدودها الجنوبية، بينما حافظت النوبة على استقلالها السياسي الكامل وحريتها الدينية. فتحت المادة التي نظمت وجود التجار والمسجد في فناء دنقلا، النافذة الدبلوماسية التي مهدت لاحقاً لتغلغل الهجرات العربية الصامتة ببطء.

نواصل….

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى