كركوج.. جوهرة النيل الأزرق التي رشّحها الرحالة والإداريون لتكون مركزا للتجارة والحكم

حين طالب حاكم فازوغلي بنقل المديرية من سنار إلى كركوج

بقلم/ عثمان كباشي

 

في السطور التالي نسجل زيارة جديدة للتاريخ، تاريخ مدينة كركوج، وهي تأتي ضمن كتابة تسعى للتعرف على ماضي هذه المدينة التليد، ليس من أجل الوقوف على أطلال مجد مندثر، وإنما هي قراءة تتكئ على أرث جميل وتتخذه رافعة لتخطط به لمستقبل المنطقة، خاصة في ظل حراك ينتظم المدينة والمنطقة حولها هذه الأيام، وأخص بذلك تشييد المحكمة الجزئية، وافتتاح مكاتب السجل المدني، وإكمال نفرة “زيرو عطش” التي تستهدف توفير مياه الشرب للمدينة.

في السطور التالية نحاول أن نجيب على أسئلة من شاكلة: لماذا طالب حاكم فازوغلي بنقل المديرية من سنار إلى كركوج؟

وكيف كادت كركوج أن تنتزع زعامة سنار في القرن التاسع عشر؟ وما الذي رآه الرحالة الأوروبيون في كركوج ولم يره حكام السودان؟ ولماذا رأى كبار المستكشفين أن مستقبل النيل الأزرق يبدأ من كركوج؟

 

على الضفة الشرقية للنيل الأزرق، وفي نقطة تتوسط الطريق التاريخي بين سنار شمالاً وفازوغلي وتخوم الهضبة الإثيوبية جنوباً، ترقد مدينة كركوج اليوم في هدوء قد لا يتناسب مع المكانة التي احتلتها في يوم من الأيام في خرائط الرحالة وتقارير الإداريين ودفاتر التجار.

فكركوج، لم تكن في القرن التاسع عشر بلدة معزولة على على الضفة الشرقية للنيل الأزرق ، وإنما كانت محطة تجارية ومرفأً نهرياً ومركزاً لإعداد القوافل المتجهة إلى فامكا وفازوغلي والحدود الإثيوبية.

ويذهب الرحالة والإداري النمساوي إرنست مارنو، الذي استكشف النيلين الأزرق والأبيض بين عامي 1869 و1873، ثم عيّنه الجنرال تشارلز غوردون نائباً لحاكم إقليم القلابات شرقي السودان عام 1879، وتولى لاحقاً إدارة منطقة فازوغلي، يذهب إلى أن مركز المديرية والحامية كان ينبغي أن يُنقل من سنار إلى كركوج.

 

أما الرحالة الهولندي خوان ماريا شوفير، الذي وصل الخرطوم في مارس 1881 واستكشف جنوب شرقي السودان حتى مقتله سنة 1883، فقد سجّل أن التجارة التي كانت تمر بسنار أخذت تتحول إلى كركوج، لأنها أصلح للملاحة وأكثر اتصالاً بطرق القوافل.

وهكذا لم يكن الحديث عن أفضلية كركوج على سنار مجاملة لأهل المدينة أو انحيازاً عاطفياً لموقعها، وإنما كان خلاصة حسابات عملية تتعلق بالملاحة النهرية، ومسارات القوافل، وحركة السكان والقبائل، والاتصال بفازوغلي والقلابات وكسلا والحبشة.

ولقد رأى كل رحالة كركوج من زاوية مختلفة. وصفها بعضهم بأنها محطة على طريق الجنوب، ورآها آخرون سوقا وميناء نهريا، واعتبرها فريق آخر نقطة الانتقال من عالم المدن والطرق المألوفة إلى عالم الغابات والحدود والرحلات الاستكشافية.

أما مارنو، الذي جمع بين خبرة الرحالة وممارسة العمل الإداري في السودان، فقد ذهب إلى ما هو أبعد من الوصف، ورأى أن الاعتبارات الجغرافية والتجارية والأمنية تجعل كركوج أجدر من سنار بأن تكون مركز الحكم والحامية في ذلك الجزء من النيل الأزرق.

 

مدينة صنعتها الجغرافيا

 

لم تكن أهمية كركوج، كما تظهر في شهادات رحالة القرن التاسع عشر، ناتجة عن كثافة سكانية ضخمة أو مبانٍ وقصور سلطانية، وإنما صنعتها الجغرافيا.

فالمدينة تقوم على النيل الأزرق في موضع يصل بين ثلاثة مجالات متداخلة: إقليم سنار ووسط السودان في الشمال، وفازوغلي وجنوب النيل الأزرق في الجنوب، والقضارف والقلابات والحدود الإثيوبية في الشرق.

وقد أثبت القس والرحالة الإيطالي جيوفاني بلترامي هذه الوظيفة الجغرافية للمدينة في رحلته إلى أعالي النيل الأزرق. وصل بلترامي إلى السودان سنة 1853 ضمن بعثة تبشيرية، وغادر الخرطوم في 4 ديسمبر 1854، ثم سار عبر سنار وكركوج والروصيرص وفامكا حتى بلغ المناطق المتاخمة لإثيوبيا، قبل أن يعود إلى الخرطوم في 5 أبريل 1855. وقد نشر ملاحظاته الجغرافية والإثنوغرافية لاحقاً في مجلدين سنة 1879.

وتوضح رحلة بلترامي أن كركوج كانت، منذ منتصف القرن التاسع عشر على الأقل، محطة ثابتة على الطريق الذي يربط الخرطوم وسنار بالروصيرص وفامكا وبني شنقول والمناطق الإثيوبية.

وكانت القوافل القادمة من الشرق والجنوب تحتاج إلى نقطة تجمع على ضفة النهر، كما كانت البضائع والمسافرون القادمون من الشمال يحتاجون إلى محطة يعاد فيها تنظيم الرحلة قبل الانتقال من النقل النهري إلى السفر البري بالجمال.

لهذا ظهرت كركوج في كتابات الرحالة بوصفها حلقة وصل بين النهر والطريق. ولم يكن النيل الأزرق عندها مجرد مجرى للمياه، وإنما كان طريقا للنقل والتجارة والاتصال، في حين ربطتها المسارات البرية بفامكا وفازوغلي والقلابات والمناطق الإثيوبية.

ويؤكد خط سير بلترامي نفسه هذه الوظيفة؛ فقد كانت كركوج إحدى المحطات الرئيسية بين سنار والروصيرص وفامكا، لا اسماً عارضا في الطريق.

نهاية الملاحة وبداية القوافل

من أبرز الذين تحدثوا عن الأهمية التجارية لكركوج أيضا الرحالة الهولندي خوان ماريا شوفير، المولود في أمستردام عام1852، والذي عمل في شبابه مراسلا صحفياً قبل أن يكرس ثروته لرحلة علمية إلى داخل إفريقيا.

وصل شوفير إلى الخرطوم في مارس 1881، وقضى أكثر من عامين في استكشاف جنوب شرقي السودان، ولا سيما المناطق الواقعة حول أعالي النيل الأزرق والحدود السودانية الإثيوبية. وقد ترك دفاتر وملاحظات مفصلة نُشرت لاحقا في كتاب رحلات خوان ماريا شوفير في شمال شرقي إفريقيا، 1880–1883. وقُتل شوفير في أغسطس 1883 أثناء إحدى رحلاته في جنوب السودان.

عندما مر شوفير بسنار سنة 1881، قارن بين شهرتها التاريخية وبين واقعها الاقتصادي في ذلك الوقت. ورصد، بحسب يومياته التي جمعها وحررها ويندي جيمس وغيرد باومان ودوغلاس جونسون، انتقال جانب من التجارة من سنار إلى كركوج.

ونسب شوفير أفضلية كركوج إلى موقعها عند الحد العملي للملاحة المنتظمة، وإلى اتصالها بمسارات التكارير والقوافل بين كسلا والقلابات والنيل الأزرق.

وتكشف ملاحظته عن تحول اقتصادي مهم: كانت سنار تحمل إرث العاصمة القديمة واسم سلطنة الفونج، بينما كانت كركوج تستفيد من موقعها العملي، حيث تلتقي حركة النهر بحركة القوافل.

فشوفير لم يقل إن كركوج تفوقت على سنار بسبب تاريخها أو حجمها، بل رأى أن التجار أخذوا يفضلونها لأنها أكثر ملاءمة لنقل البضائع وإعادة توزيعها، ولأنها أقرب إلى الطرق القادمة من الشرق والجنوب.

وتلك واحدة من اللحظات النادرة في تاريخ المدن، حين تتقدم مدينة صغيرة في وظيفتها الاقتصادية على مدينة أشهر منها بكثير، دون أن تتمكن لاحقا من تحويل ذلك التفوق إلى مركز سياسي دائم.

 

سوق التكارير وممر الشرق

 

وصف إرنست مارنو كركوج بأنها سوق يرتادها التكارير، وهو الاسم الذي كان يُطلق في السودان على جماعات قادمة من غرب إفريقيا، ضمت حجاجا وطلاب علم وتجارا ومهاجرين مستقرين.، وأسست هذه الجماعات مشيخة تكارير القلابات

في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي في منطقة خور كلكموت شرق منطقة راس الفيل وكانت عبارة عن مركز تجاري حيث زارها الرحالة جيميس بروس في طريقة لكشف منابع النيل الازرق عام١٧٦٩ – ١٧٧٢م وكتب عنها في مذكراته.

ويربط مارنو أهمية سوق كركوج بالطرق القادمة من الشرق، وبالحركة بين النيل الأزرق والقلابات وكسلا والأقاليم المجاورة للحبشة. ولذلك لم تكن تجارة كركوج، في نظره، محصورة في القرى الواقعة حولها، بل كانت جزءا من شبكة واسعة للقوافل والأسواق.

وقد اكتسبت ملاحظة مارنو أهميتها من اتساع خبرته بالمنطقة، حيث عيّنه غوردون سنة 1879 نائبا لحاكم إقليم القلابات. وبين عامي 1880 و1882 شارك في إزالة الحشائش والسدود النباتية التي عطلت الملاحة في بعض روافد النيل، فكوفئ بلقب «بك». وبعد ذلك عمل مديراً لفازوغلي، حيث انشغل بمقاومة أنصار المهدية والحد من تجارة الرقيق، وظل يرسل إلى أوروبا تقارير جغرافية وسياسية وإثنوغرافية حتى وفاته في الخرطوم في 31 أغسطس 1883. (

 

وفي ضوء هذه الخبرة، لم يكن حديث مارنو عن سوق كركوج منفصلاً عن الإدارة. فحيث تتجمع القوافل والبضائع والجماعات المتنقلة، تظهر الحاجة إلى سلطة تحمي الطرق وتنظم الأسواق وتحصل الرسوم وتعالج النزاعات. وهنا تتحول كركوج، في تصور مارنو، من سوق تجارية إلى موقع إداري واستراتيجي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى