ايمن كبوش يكتب : ما الجديد في الخرطوم ؟

أفياء..
# مازال الناس.. حتى كتابة هذه السطور.. في أجزاء واسعة من ام درمان الكبرى التي تشمل كرري وامبدة، يكابدون المعاناة ويركبون الصعاب لتوفير المياه.. نحن لم نعد نثق في أي مسؤول كبير او صغير حتى نسأله أو نستفسره عن العادي والمعتاد المعاد في الحياة السودانية المجبولة على ركوب الصعاب في أبسط موجباتها.
# ما بين مايو الماضي.. ويوليو الذي رحل.. واغسطس الذي طرق الأبواب واخترقها، تبدو العاصمة الخرطوم (محل الطيارة بتقوم والرئيس البرهان يحوم وينوم).. افضل حالا مما كانت عليه قبل شهرين اثنين.. غيرت بعض مما رأيته فيها في السابق، وأقول بهذا بكل الصدق… الخرطوم تمضي إلى الامام بعزم المواطنين المخلصين الصابرين.. وهنالك بقايا (عظم وضهر قوي) لن ينكسر من إرادة بعض المؤسسات الحكومية الصامدة، ويكفي أن المواطن يعرفها في معاشه وأمنه، دون أن نشير إليها.
# بعيداً.. بل قريبا عن اهتماماتها الحياتية اليومية التي تشغل بال الأغلبية العظمى من المواطنين ليل نهار.. مثل خدمة الأمن والكهرباء.. الخبز.. البنزين.. الجازولين.. لابد أن نكتب عن الخرطوم اليوم بما يشبه البشرى لاولئك الذين مازالوا ينظرون إليها كمدينة أشباح خالية مما يغري بالعودة إليها بلهفة المستبشرين وليس القانعين مما توفر من الخدمات..
# مازالت الكهرباء تدخل عمدا الى بند البرمجة.. وهنالك الاف المبررات الموضوعية.. وعلى ذلك (تبرمجنا) دون أن نحس بذلك الكدر والزهج والغبن في بلد بات فيها المواطن.. ينام في الشارع العام. ويترك عربته في الشارع العام.. ويتقبل حالة الإغلاق المفروضة بفعل السلطات الأمنية… دون أن يتذمر.. مع أن ذلك الإغلاق المفروض عند الحادية عشر ليلا يقلل الرزق عند الكثيرين من أصحاب المحال التجارية.. ورغم ذلك يدخل المواطن إلى سريره قانعا قبل منتصف الليل.. لكي يصحو باكرا لممارسة حقه الطبيعي في الحصول على الرزق.
# اكتب الان من حي ام درمان عريق.. حي هادئ يحتفي جدا ب(ونس) الشوارع.. وحشد السراير في الحوش الكبير، اصوات الكلاب تأتي من بعيد، هذه الليلة مقمرة.. وهنالك ثمة أسى لغياب الإذاعة التي كانت في السابق تبعث بالاغاني من بعيد مع هسهسات الريح، ومن (ملاحيظ) الحياة الخرطومية الآنية.. أنه لم يعد هنالك (دي جي) يزعج صمت الليل.. ولا حتى صوت (قونة) ما يجرح كبرياء المساء.. تسير الحياة في انتظام وانضباط.. والخرطوم (المحلية) التي كانت تغرق في النسيان صنعت من شارع الستين مهرجان عبير وحضور وضجة ناس تنتهي عند (اوماك) ثم يصيح النيل الأزرق الدفاق (ولى المساء).
# وفي طلمبات الوقود.. لم تعد هنالك صفوف.. ولا تدافع.. اغلب محطات الخدمة تفتح أحضانها لاستقبال العابرين، السيارات في ازدياد والناقلات التي تأتي من الميناء تؤكد حمولتها بأن هنالك شبه إجماع وقناعة تقول بأن العودة إلى الوطن افضل من البقاء في مدن الغياب.
# صحيح أن الدولة.. أو الحكومة.. تسير ببطء نحو اي منجز فيه نفع للناس.. ولكن كل هذا لا يعطينا الحق في أن نحفر لها قبرا أو نشيعها بلعنات الفشل.. مازالت الامنيات بكر.. والعشم كبير بأن يصحو صاحي الإلهام فيولد فينا ذلك المسؤول الذي يضع الماكيت ويعدل ويطور ويغير لا ذلك الذي يرّقع ويهرطق ويمتن علينا… اللهم اصلح أحوالنا وبلغنا بما يرضيك عنا أعمالنا.



