غابة السنط… الجريمة الخضراء

هوامش السيادة

بقلم/ ابوذر عوض الكريم

 

في الخرطوم، لم تسقط الأشجار لأنها شاخت، ولم تمت لأنها عطشت، بل أُعدمت وهي واقفة.

 

هناك… على ضفة النيل، كانت غابة السنط تكتب أجمل سطر أخضر في دفتر العاصمة، قبل أن تتحول إلى حطبٍ في موسم الفوضى، وإلى أرضٍ يابسة لا تعرف إلا غبار الفؤوس. لم يكن المشهد قطع أشجار، بل كان اقتلاعاً لذاكرة مدينة، وسرقةً لهوية وطن، وجريمةً لا تقل قبحاً عن هدم مدرسة أو إحراق مكتبة.

 

الغابة لم تكن تتحدث في السياسة، ولم تدخل معركة، ولم تحمل بندقية، لكنها دفعت ثمن حربٍ لم تخترها، وثمن ضميرٍ نام طويلاً حتى استفاق على جذوعٍ مقطوعة وأرضٍ تستغيث.

 

المؤلم ليس أن غابة السنط اختفت… بل أن اختفاءها مرَّ على كثيرين كأنه خبرٌ عابر. وكأن الأشجار لا قيمة لها إلا إذا صُنعت منها أبوابٌ أو احترقت في مواقد الحاجة. أما أن تكون رئة الخرطوم، وأن تكون شاهداً على تاريخ العاصمة منذ عشرات السنين، فذلك لم يشفع لها أمام جشع الفؤوس.

 

الدول التي تعرف قيمة أوطانها تحرس شجرةً كما تحرس ثكنة، لأن الشجرة جنديٌ صامت، يقاتل التصحر، ويهزم القيظ، ويمنح المدن وجهاً يمكن أن يُحب. أما الدول التي تتسامح مع اغتيال غاباتها، فإنها تفتح الباب لخرابٍ يبدأ بفأس، ولا أحد يعرف أين ينتهي.

 

قد تُبنى العمارات من جديد، وتُعبد الطرق، وتعود الكهرباء، لكن غابةً احتاجت عقوداً لتكبر، لن تعود بقرارٍ إداري، ولا بخطابٍ رسمي، ولا بصورةٍ تذكارية أمام كاميرات الإعلام. الأشجار لا تصدق الوعود… بل تصدق الماء، والقانون، والعقاب.

 

هوامش السيادة…

 

ليس أخطر ما في غابة السنط أنها صارت أرضاً جرداء… بل أن الفأس التي أسقطت أشجارها ما تزال تبحث عن ظلٍ آخر لتقتله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى