ملف الكهرباء يمتحن “حكومة الأمل”.. وسط تصاعد الغضب الشعبي

بعد أكثر من عام على تشكيلها تجد “حكومة الأمل” نفسها أمام أحد أصعب اختبارات شرعيتها الشعبية ..أزمة كهرباء متفاقمة تحولت من ملف خدمي إلى قضية رأي عام تُقاس عليها قدرة الحكومة الانتقالية على الوفاء بوعود إعادة الإعمار والتعافي التي رفعتها منذ تشكيلها في مايو 2025.

 

دكتور محمد الناير لـ’العودة’: الدولة مقصّرة والمحاسبة غائبة”

“هناك أيادٍ خفية تعبث بقطاع الكهرباء”

“المساءلة والمحاسبة والاستقالة.. مبادئ غائبة”

“اعزلوا كل مسؤول يفشل في إدارة الملف”

“متى سيُعالَج الملف؟ وبأي خطة؟ وبأي تمويل؟”

“القضاء على المخربين أهم من خطط الإصلاح”

“نصنع المحولات في الداخل.. ونوقف نزيف الدولار”

“الشبكة القومية للصناعة والزراعة.. لا للمنازل

العودة : نشوة أحمد الطيب 

فجوة بين الخطاب والواقع

 

رفعت حكومة كامل إدريس منذ توليها مهامها شعار “التعافي وإعادة الإعمار” وسط تعهدات بإعادة الحياة إلى مؤسسات الدولة المنهارة بفعل الحرب المندلعة منذ أبريل 2023 غير أن واقع الكهرباء يسير في اتجاه معاكس تصل ساعات الانقطاع في عدد من الولايات إلى ما يقارب عشرين ساعة يومياً فيما لا تزال مناطق أخرى خصوصاً تلك المتضررة من النزوح والعمليات العسكرية مقطوعة الكهرباء عنها بالكامل دون أي جدول زمني معلن لإعادة التيار إليها.

وتعترف وزارة الطاقة نفسها بأن الأزمة ليست انقطاعات مؤقتة بل نتيجة مباشرة لحجم الدمار الذي لحق بالشبكة القومية بخسائر مالية تجاوزت ثلاثة مليارات دولار.

وفي هذا السياق قال الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير في حديث لصحيفة “العودة” إن قضية الكهرباء فيها قصور من جانب الدولة وأوضح أن الدمار الذي حدث من قِبل ميليشيا الدعم السريع المتمردة طال كل القطاعات الاقتصادية والإنتاجية وتحديداً قطاع الكهرباء الذي كان تقريباً القطاع الصناعي الأكثر تدميراً وبالتالي فإن حجم الدمار كبير ، ولكنه شدد على أنه منذ تحرير الخرطوم وحتى يومنا هذا كانت الفترة كافية لإعادة الأمور إلى نصابها ومعالجة الكهرباء تشجيعاً للعودة الكبيرة التي تشهدها ولاية الخرطوم سواء من خارج السودان أو من الولايات الأخرى.

وأضاف أنه لو كانت الدولة قامت بواجبها كاملاً كان يُفترض أن يحصل استقرار ولو نسبي في الإمداد الكهربائي في كل الولايات السودانية أو تحديداً في الولايات الإحدى عشرة الآمنة المستقرة.

واعتبر الناير أن هذا “قصور من قِبل الدولة ويحتاج إلى معالجة ويحتاج إلى محاسبة المسؤولين عن هذا القصور” مضيفاً أن مبادئ المساءلة والمحاسبة والاستقالة يُفترض أن تكون موجودة في العرف السوداني وفي المناصب الدستورية والمناصب الإدارية.

كلفة إنسانية لا تحتمل التأجيل

 

لم تعد الأزمة تُقاس بالضيق المعيشي وحده إذ رصدت صحيفة “العودة” عبر منصات التواصل الاجتماعي حالات متزايدة لانتكاسات صحية أصابت المرضى، في مؤشر يعكس تفاقم الأوضاع الصحية إثر الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي وهو ما يعكس أن الملف تجاوز حدود الخدمة الأساسية ليصبح قضية تمس السلامة العامة مباشرة.

كما أسهمت موجة حر غير مسبوقة تجاوزت 44 درجة مئوية وانقطاع إثيوبيا الإمداد الكهربائي عن السودان، في تعميق الأزمة بصورة كشفت هشاشة الشبكة القومية أمام أي صدمة إضافية. وتزامن ذلك مع خروج محطة توليد كهرباء سد مروي عن الخدمة بالكامل مطلع أغسطس الجاري إثر حريق أتلف كوابل رئيسية في خطي النقل نحو المرخيات وعطبرة ما تسبب في انقطاع شبه تام للتيار في أربع ولايات دفعة واحدة.

وحول الملف الإثيوبي تحديداً رأى الناير أن قضية إثيوبيا أصبحت معقدة في تعاملها مع السودان ومصر، في ظل قضية سد النهضة والجفاف الذي حدث في السودان ، وأوضح أنه لا يعتقد أن إثيوبيا يمكن أن “تتحمس” لوجود كهرباء للسودان أو لغيرها من الدول، لكنه ميّز في قراءته بين الحالتين: فبينما لا يرى حماساً إثيوبياً تجاه السودان تحديداً، أشار إلى أنه بالنسبة لدول أفريقية أخرى قد تتعامل إثيوبيا بصورة مختلفة في هذا الاتجاه. غير أن التوتر القائم حالياً بين السودان وإثيوبيا، بحسب الناير، قد يمنع استفادة السودان من الكهرباء الإثيوبية في هذا الصدد.

خطوات حكومية متفرقة… وسؤال الاستدامة

 

على الجانب الآخر لا يمكن إغفال أن الحكومة اتخذت خطوات ميدانية محدودة في مواجهة الأزمة من بينها إعادة تشغيل محطتي “سوبا” و”بانت” التحويليتين بولاية الخرطوم بحضور رئيس الوزراء إضافة إلى مشروع لاستكمال إحدى المحطات بالتعاون مع شركة تركية. كما جاء قرار إعفاء منظومات الطاقة الشمسية من الرسوم الجمركية، الذي أعلنته الجمارك مؤخراً، في السياق ذاته، كمحاولة لتحفيز حلول بديلة تخفف الاعتماد على الشبكة القومية المتهالكة.

وفي تقييمه لجدوى هذه الحلول الجزئية قال الناير إنه يرى وجود معالجتين ينبغي أن تتبناهما الحكومة معاً: معالجة مرحلية أو وقتية وهي “معالجة بتاع الطوارئ” ومعالجة مستقبلية على المدى المكثف.

وأوضح أنه إذا كانت خطوات مثل إعادة تشغيل المحطات والمشاريع بالتعاون مع شركات أجنبية محدودة مقارنة بحجم البنية والشبكة، فإنه يرى أنها يمكن أن تعمل كحالة إسعافية لمعالجة الأمر الراهن، على أن تسعى الحكومة في الوقت ذاته لمعالجة الشبكات والتوليد، أو زيادة حجم التوليد المائي والحراري في المحطات المائية.

 

أما بخصوص الطاقة الشمسية تحديداً، فرأى الناير أنه يُفترض من الدولة أن تسهّل قضية الطاقة الشمسية وتمليك المواطنين لها عبر التمويل الأصغر، مطالباً بأن يرتفع سقف هذا التمويل وأن يكون بأرباح أقل بالنسبة لتكلفة التمويل، وأن يكون على عدد من السنوات مناسب حتى يستطيع الجميع الحصول على منظومة الطاقة الشمسية. واعتبر أن هذا يخفف بصورة كبيرة الضغط على الشبكة القومية، ويمكن أن يوجّه الشبكة القومية بدلاً من ذلك نحو القطاعات الإنتاجية، الصناعية والزراعية، معتبراً أن هذه واحدة من المعالجات التي، إذا نفّذتها الدولة تخفف كثيراً وتجعل لدى المواطن منظومة طاقة شمسية متفاعلة معه.

التمويل موجود.. والمشكلة في “أيادٍ خفية”

 

في إجابة لافتة قال الناير إن الحكومة تملك خطة تمويلية واضحة لتأهيل قطاع الكهرباء وإنها تعمل وفقاً للإمكانات المتاحة.

وأوضح أن استيراد المحولات كان ينساب بصورة جيدة، وأن تأهيل الشبكات كان يمضي قدماً، لكنه أشار إلى أن هناك، على حد وصفه، “ربما أيادي خفية تعبث بهذا القطاع”. وشدد على أن الأمر المهم جداً في نظره ليس خطط الإصلاح ولا التمويل بل “القضاء على الأشخاص الذين يتواجدون في هذه المؤسسات ويعملون على التخريب أو التدمير أو تعطيل عودة الكهرباء بالشكل المناسب الذي يُؤمّن استقرار المواطنين بصورة كبيرة”.

الطاقة الشمسية: خدمة مدفوعة مسبقاً لا “دولة موازية”

 

وأمام تزايد اعتماد المواطنين على حلولهم الذاتية وفي مقدمتها الطاقة الشمسية، تساءل الناير: “ليه نسميها دولة موازية؟” موضحاً أنه يفضّل تسميتها خدمة يستطيع المواطن أن يدفع تكلفتها لمرة واحدة.

وقال إن من استطاع أن يدفع تكلفة شراء المنظومة، يدفعها مرة واحدة ويستفيد من خدمة مجانية لمدة خمس سنوات، أو سبع سنوات، أو عشر سنوات. وأضاف أنه لا يمكن القول إنها “دولة موازية” إذا استطاع بعض المواطنين غير القادرين عبر التمويل الأصغر وعبر البنوك، أن يستفيدوا من هذه الخدمة، بحيث يتولون سداد الأقساط لحين انتهاء مدة التمويل، ثم يستمتعون بطاقة شمسية أو كهرباء مجانية بلا أي تكاليف تشغيل، مؤكداً أن هذا التوجه يجب أن يُدعم بصورة أساسية.

 

مطلب الشفافية: “متى؟ وبأي خطة؟ وبأي تمويل؟”

 

وقال الناير إن ملف الكهرباء ملف مهم جداً، وإن على الحكومة أن توليه الاهتمام اللازم، وأن تخرج للشعب السوداني وتطرح الرؤى بشفافية: متى سيُعالَج هذا الملف؟ وما هي الخطة الموضوعة لمعالجته؟ وما التمويل الذي تم توفيره لهذه المعالجة؟ وشدد على أنه لا بد أن يكون هناك وضوح وشفافية أمام الشعب السوداني عبر وسائل الإعلام، بطرح هذا الملف كاملاً وكل ما يدور حوله، والترتيبات التي تمضي بشأن معالجته بصورة أساسية.

 

التصنيع المحلي كخطوة أولى نحو التعافي

 

وفي ما يخص الخطوات الاقتصادية العاجلة المطلوبة، قال الناير إن أول خطوة ينبغي أن تتخذها الدولة هي توفير التمويل اللازم والأجهزة الفنية المناسبة، والعمل على عزل أي مسؤول يفشل في إدارة هذا الملف أو تحقيق أهدافه، بحيث يكون هناك مبدأ للمساءلة والمحاسبة. وأضاف أنه لا بد أن توفر الدولة التمويل اللازم وتسعى لإنشاء مصانع داخلية، مشيراً إلى أنه كان هناك في السابق مصانع لإنتاج الكابلات والأسلاك، ودعا إلى تفعيل هذه المصانع وإنشاء مصانع لإنتاج المحولات داخل السودان. واعتبر أن هذه الخطوات توفر فاتورة الاستيراد بنسبة كبيرة، وتؤسس لصناعة وطنية قادرة على توفير كل احتياجات الشبكة القومية والمحولات في المرحلة القادمة.

واختتم الناير حديثه بالقول إن هذه الخطوة تمثل أولى خطوات التعافي؛ إذ إن القدرة على تصنيع الاحتياجات الخاصة بالقطاع الكهربائي من الداخل تقلل الطلب على الدولار والنقد الأجنبي، وتتيح للمالية توجيه المقابل الذي كان يُصرف على شراء المحولات والأسلاك من الخارج نحو الصناعة الداخلية بدلاً من ذلك.

وبين خطوات ميدانية محدودة النطاق واعترافات صريحة بوجود قصور مؤسسي، يبقى السؤال الذي يواجه “حكومة الأمل” مفتوحاً: هل تمتلك خطة متكاملة وممولة وشفافة لإعادة تأهيل الشبكة القومية، أم أن الاستجابة الحكومية ستظل أسيرة الحلول الجزئية والمعالجات الآنية، في وقت يتزايد فيه اعتماد المواطنين على حلولهم الذاتية باعتبارها بديلاً شبه دائم عن دولة لم تنجح، حتى الآن، في إنارة عاصمتها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى