علم الدين عمر يكتب : دعوة القائد..للأمر حسابات أخري..

حاجب الدهشة ..

وفجأة أنفجرت الساحة- كالمندهشة..من دعوة رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبدالفتاح البرهان لحوار سوداني ـ سوداني..حتي أن صديقنا حسين ملاسي وصفه ب( أبكُراعاً برة).. ف(الدفن) المستثني منه المؤتمر الوطني وتأسيس والمليشيا..لم يكد يخرج من فمه حتى بدأت الساحة السياسية والإعلامية تتحرك بعنف في إتجاهات متقاطعة..متوترة..مضطربة..

بياناتٌ متحفظة.. تصريحات متداخلة.. ودوائر سياسية بدت وكأنها تعرف شيئاً أكثر مما قيل في العلن..والحال كذلك لابد من سؤال..

هل قال البرهان ما قاله باعتباره موقفاً سياسياً نهائياً..أم أنه كان يختبر الأرض لمرحلة جديدة يجري إعدادها بهدوء تحت الطاولة؟!

الدولة من حقها أن تتخذ أي موقف تراه مناسباً لظروفها..ما من شك في ذلك..بل أنه من الطبيعي أن تكون وراء الموقف قراءات ومراكز تفكير تدرس التداعيات الداخلية والخارجية..

لكن المشكلة ليست في حق الدولة في المناورة..المشكلة في ثمن المناورة ومن سيدفعه..

فإذا كانت دعوة الحوار تعني تقريب قوى ظلت على خصومة حادة مع الدولة ومؤسساتها وشرعية قيادتها.. بينما يجري استثناء أو إبعاد قوى حملت السلاح وقاتلت إلى جانب الجيش والدولة وقدمت رجالها ومالها ودماءها فإن السؤال يصبح أكبر من الحوار نفسه..

ما الذي نريد بناؤه بالضبط بعد الحرب؟ ومن هم شركاء هذا البناء؟!

والأكثر إثارة أن الدعوة كشفت شيئاً كان يمكن أن يظل مختبئاً خلف العبارات السياسية المفخخة إلي أن يقضي الله أمراً كان مفعولا..

قيادات مؤثرة في تجمع صمود ومن هم حوله سارعت لرفض عفو الرئيس باعتباره «عطاء من لا يملك» لأن القضية عندهم ليست إتهامات يمكن إسقاطها.. فقضيتهم الأساسية عدم إعتراف أصلاً بشرعية القائد والحكومة..

وبذلك تسقط مغازلة سياسية كاملة كان يمكن أن تسفر عن زواج كاثوليكي موثق..

فكيف يمكن أن تنجح دعوة للحوار مع طرف لا يعترف أصلاً بشرعية الداعي؟ وكيف يمكن أن يصبح العفو مدخلاً للتسوية إذا كان الطرف الآخر لا يعترف بمن يملك قرار العفو؟!..

الموقف لم يضعف دعوة البرهان بقدر ما كشف حقيقة الخصومة..

لكن المفاجأة الأكبر كانت في الشارع..

فقد بدا أن قطاعات واسعة من السودانيين في الداخل لا تنظر إلى المسألة كلعبة سياسية بين النخب..كما هي العادة..

الشارع السوداني إعتبرها قضية دم وبيوت وأموال وسيادة وطن..

المواطن الذي عاش الحرب..وفقد منزله وأمنه وتشرد ونزح وتم العبث بعرضه ومستقبل أبنائه وفقد أحبائه لا يستطيع أن يفهم كيف يمكن أن يجري تقريب من يرى أنهم وقفوا ضد الدولة أو شاركوا في استهدافها.. بينما يتم التعامل بحساسية مع الذين وقفوا إلى جانبها وقاتلوا دفاعاً عنها..

هذه الدعوة أحدثت شيء بالغ الأهمية دون أن يكون مخططاً له.. أو ربما هو مقصود..

البرهان أجرى إستفتاءً وطنياً مباشراً دون صناديق ولا ميزانيات ولا تعداد ولا خطط ولا أفندية (بؤساء) علي كراسي مهترئة..

ببساطة طرح فكرة الحوار والعفو والإستثناء.. وبذات البساطة خرج الشارع وقال كلمته..

بوضوح شديد قالت قطاعات معتبرة من الداخل أنها لا تريد عودة الوجوه والقوى التي تعتبرها جزءاً من مشروع الحرب أو التمرد..حتى لو حملت الدولة عنوان العفو والتسوية الذي هو من حقها..كما للناس حقوق..

وهذا يعني أن هناك فارقاً خطيراً بين ما تستطيع الدولة أن تفعله قانونياً وسياسياً..وما يستطيع المجتمع أن يقبله وجدانياً وشعبياً..

القرار السياسي يستطيع أن يفتح الباب..

لكن الشعب يستطيع أن يمنع الدخول..

هذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط ضجيج البيانات والتصريحات والمواقف..

السودان يتجه إلى مرحلة جديدة..ولن يكون ممكناً إعادة إنتاج معادلات ما قبل الخامس عشر من أبريل وكأن شيئاً لم يحدث..

هناك جيش قاتل..

وقوى ساندته..

ومجتمع دفع الثمن..

وقوى أخرى اختارت مواقعها..

هذه كلها حقائق سياسية جديدة لا يمكن شطبها بجملة في بيان أو تسوية في غرفة مغلقة..

القائد فتح الباب.. وكلٌ تحسس مدخله..

فإذا كان الحوار لإعادة بناء الدولة فأهلاً به..

أما إذا كان لإعادة تدوير الأزمة وإعادة إدخال الذين أسقطهم الشعب بالباب من النافذة.. فللأمر حسابات أخري..

الذين قاتلوا من أجل الدولة لن يقبلوا أن تنتهي الحرب بخسارة سياسية.. والذين دفعوا ثمنها لن يقبلوا أن تتحول تضحياتهم لجسر لعودة الذين أشعلوها!..

نواصل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى