إبراهيم شقلاوي يكتب : البرهان في القصر… 

وجه الحقيقة ..

حين عاد الرئيس عبد الفتاح البرهان إلى القصر الجمهوري، الخميس، وسط الفخامة والمراسم العسكرية، بدت الخرطوم كأنها تستعيد مشهدًا طال غيابه، مشهدًا استعاد في الذاكرة صورة العاصمة الآمنة، وجسّد أحد أهم رموز الدولة ومركز سيادتها، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب.

 

في هذا المقال، نقرأ المشاهد ونفكك تفاصيلها ودلالاتها السياسية والوطنية، من التشريفة والمراسم العسكرية إلى الرسائل الدبلوماسية، وصولًا إلى الخطاب.

 

الأكثر دلالة أن الحدث جاء عشية الذكرى الثانية والسبعين لعيد القوات المسلحة السودانية، ففي اللحظة التي يوكد فيها الجيش مكانته الوطنية، تستعيد الدولة أحد أهم عناوين سيادتها. حيث يلتقي البعد العسكري بالدلالة الوطنية والسياسية للقصر الجمهوري: جيشٌ خاض معركة الدفاع عن وجود الدولة، ورأس دولةٍ يعود لممارسة السيادة من مركزها التاريخي.

 

من هذه الابعاد ، فإن الصورة تتجاوز شخص البرهان، لأنها تتعلق بموقع الدولة ومكانتها وربما مستقبلها. فحين تحرك رئيس الدولة من القيادة العامة للجيش إلى القصر الجمهوري، فإن المسار، حمل معنى سياسيًا واضحًا: من موقع الدفاع عن الدولة إلى موقع ممارسة وظائفها، ومن زمن كانت فيه العاصمة ساحةً للمعركة إلى مرحلة تبدأ فيها باستعادة دورها كعاصمة للقرار.

 

ولعل اللوحة الجمالية الأبرز كانت التشريفة الرئاسية وهي تتحرك من القيادة العامة إلى القصر الجمهوري، مرورًا بشارع النيل. وبعد سنوات من مشاهد الحرب التي أحاطت بالعاصمة، عادت إلى أحد شوارعها صورة الموكب الرئاسي، أعلامٌ ومراسم وانضباطٌ عسكري، في مشهد أعاد إلى الذاكرة الخرطوم التي يعرفها السودانيون قبل الحرب.

 

ثم اكتملت الصورة عند القصر: الحرس الرئاسي، وكركون الشرف، والمراسم العسكرية، والسلام الجمهوري، قبل أن يعبر الرئيس إلى الداخل تحت سيوف التشريفة، على إيقاع “ما في من زيك يا رسول الله” ، رائعة المديح النبوي للسادة العركيين، التي تحولت إلى معزوفة ضمن تقاليد التشريفة والجلالات العسكرية، وتُعزف في المناسبات الوطنية.

 

وهنا تتجاوز الموسيقى وظيفتها الاحتفالية، إذ تداخلت في لحظة واحدة رموز السيادة والجيش والوجدان السوداني: السلام الجمهوري عنوان الوطن، والحرس وكركون الشرف عنوان الهيبة والانضباط، والمدحة وقد تحولت إلى جلالة عسكرية تستدعي الذاكرة الروحية والثقافية. وفي المشهد ، بدا القصر بعد صيانته كأنه يستعيد، مع الخرطوم، ذاكرة الدولة والسيادة

 

فموقع القصر عند ملتقى النيلين وإطلالته على المقرن وتوتي جعلاه جزءًا من صورة الخرطوم وتاريخها ، كما ظلت مراسم الحرس الجمهوري، عبر أجيال، صورةً غير مكتوبة لمعاني الدولة والانضباط والانتماء. ولم تقف دلالة المشهد عند الداخل، إذ منح استقبال السفراء العودةَ بُعدًا دبلوماسيًا واضحًا، بتسلّم البرهان أوراق اعتماد سفيري السعودية والصومال وسفير الكونغو، إلى جانب استقبال ممثلي البعثات الدبلوماسية.

 

وكان لتقدم السفير السعودي دلالة خاصة، فالمملكة العربية السعودية ليست دولة عادية في الحسابات السودانية، بل ترتبط بالخرطوم بعلاقات تاريخية وسياسية واقتصادية عميقة، كما ارتبط اسمها بمنبر جدة والجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب. ومن ثم فإن بدء مراسم الاعتماد بالسفير السعودي الجديد، خلفًا للسفير علي بن حسن جعفر بعد انتهاء فترة عمله، يمكن أن يُقرأ باعتباره إشارة إلى مرحلة جديدة يجري تأسيسها في العلاقات السودانية السعودية، وفي الحضور العربي والإقليمي للخرطوم.

 

أما استقبال سفيري الصومال والكونغو الديمقراطية، فيؤكد البعد الأفريقي للمشهد، ويعيد للقصر دوره التاريخي بوابة السودان للدبلوماسية السودانية.

 

وتزامن ذلك مع عيد الجيش يمنح الحدث معنى إضافيًا. فذكرى القوات المسلحة ليست مجرد مناسبة للاحتفاء بالمؤسسة العسكرية، بل لحظة لاستحضار علاقة الجيش بالدولة والمجتمع. وخلال الحرب دفع الجنود والمدنيون معًا أثمانًا باهظة دفاعًا عن بقاء الدولة ووحدتها. ولذلك فإن عودة القصر عشية عيد الجيش تبدو رمزيًا كأنها تصل بين التضحية التي بذلت في الميدان، والسيادة التي ينبغي أن تُصان في مؤسسات الدولة.

 

وفي خطابه بمناسبة عيد الجيش، منح البرهان عودة القصر مضمونًا سياسيًا مهمآ، إذ ربط بين اصطفاف الشعب والقوات المسلحة وحماية سيادة الدولة، مؤكدًا مواصلة دحر المليشيا، مع إبقاء باب السلام مفتوحًا دون سلام منقوص يعيد حاملي السلاح إلى السلطة. وفي المقابل، طرح حوارًا سودانيًا شاملًا بضمانات قانونية وسياسية وأمنية، بما يكشف عن معادلة المرحلة المقبلة: حسمٌ عسكري يضع نهاية للحرب، وتسوية سياسية تفتح طريق الدولة، فلا نصر يكتمل دون استقرار، ولا سلام يصمد دون دولة.

 

إن عودة البرهان إلى القصر، بحسب #وجه_الحقيقة، ليست نهاية الحرب، كما أن عودة الحكومة إلى الخرطوم ليست اكتمالًا لعودة الدولة، فالدولة تُقاس بقدرتها على حماية المواطن، وإعمال القانون، واستعادة المؤسسات، وصون القرار الوطني. وقد اختزل المشهد ذلك في قصرٍ عاد إلى الواجهة، وتشريفةٍ عبرت طرقات الخرطوم، واستقبالٍ فخيم للسفراء، في صورةٍ معبرة عن استعادة حضور الدولة ومكانتها. لكن القيمة الحقيقية تبدأ بعد المشهد: أن يتحول انتصار الميدان إلى سلامٍ وبناء، وأن تعود الدولة إلى السودانيين بكامل حضورها وتاريخها وسيادتها، بعد محاولات اختطافها.

 

دمتم بخير وعافية.

الأحد 16 أغسطس 2026 م Shglawi55@gmail.com

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى