سلام السودان.. العودة عن طريق جوبا

ملح الارض

بقلم/ خالد ماسا

الزيارة الأخيرة والطويلة التي يقوم بها السيد/ مني أركو مناوي “حاكم إقليم دارفور” لمدينة جوبا، عاصمة دولة جنوب السودان، والصفة بين الأقواس تلك كان قد اتصف بها مني أركو بموجب اتفاق سلام تم توقيعه في المدينة نفسها في العام ٢٠٢٠م بين الحكومة الانتقالية آنذاك وحركات الكفاح المسلح في دارفور، لا يمكن النظر إليها باعتبارها زيارة بروتوكولية للقاء الرئيس الجنوب سوداني/ سلفاكير ميارديت، بل يجب الوضع في الاعتبار التصريحات الصادرة من الرئيس سلفاكير بالقول بأن جوبا على استعداد للتواصل مع جميع الأطراف السودانية واستخدام دولتها لقنواتها الدبلوماسية لدفع عجلة الحوار السوداني إلى الأمام، وهذا من جانبه، أما من جانب الطرف الزائر أركو مناوي، فلقد أضاف قائلًا بأنه ستكون هنالك زيارة مرتقبة إلى جوبا مهمتها الأساسية هي إجراء “مراجعات” على الاتفاق الموقع فيها عام ٢٠٢٠م وتحريك الملفات العالقة، وما بين التصريحين يمكننا ملاحظة المفارقة السياسية بين جوبا التي كانت بوابة للسلام وقتها، وجوبا الآن كمدخل لمراجعة وإنقاذ الاتفاق من الانهيار.

(*) السودان يطرق أبواب جوبا ..

والملاحظ أنه وفي الشهور المنصرمة أن هنالك حراكًا ملموسًا وحركة انتقال لمسؤولين كبار في البلدين من وإلى عواصم البلدين، شملت مستوى مستشار الأمن في حكومة الجنوب و”عراب” العلاقة بين البلدين، ووزير الدفاع في حكومة السودان، للقراءة في ملفات عالية الحساسية بين البلدين تتعلق بقضايا الحدود بين البلدين، سيما ملف إدارية أبيي وملف النفط، والتي ظلت تمثل “تيرمومتر” لقياس حرارة العلاقة بين البلدين.

عودة السودان للوقوف على عتبة وبوابات عاصمة الجنوب جوبا يجعلنا نطرح السؤال عن: هل عاد السودان لهذه البوابات بحثًا عن السلام الذي بعثرت أوراقه حرب أبريل ٢٠٢٣م، أم أن السبب الرئيسي للزيارة هو العودة لنقطة الصفر قبل ستة أعوام لمراجعة اتفاق عجز في أن يمنع الحرب من الاندلاع؟

والإجابة المنطقية برأينا هي الاثنان معًا، باعتبار أن جوبا وقتها كانت تلعب دور “الوسيط” والميسر لعملية الاتفاق، وهي الآن الدولة الجارة والمتأثرة فعليًا والمؤثرة في حرب السودان الحالية.

لا شك أن جوبا الآن أمام مشهد معقد، وتختلف الكيمياء فيه عن مشهد العام ٢٠٢٠م عند توقيع الاتفاق، لأن مياهًا كثيرة قد مرت من تحت الجسر بسبب حرب أبريل ٢٠٢٣م التي خلطت أوراق المشهد السوداني رأسًا على عقب، بانتقال طرف أصيل في الوفد الحكومي وقتها “الدعم السريع” من مقعده ليجلس في المقاعد المقابلة، بينما انتقلت حركات الكفاح المسلح إلى المقاعد التي شغرت لدى الوفد الحكومي.

بالتصريحات الأخيرة التي أطلقها رئيس حكومة جنوب السودان سلفاكير ميارديت عن استعداد حكومته للتواصل مع جميع الأطراف، نجد أن حكومة جنوب السودان أمام تحدٍّ حقيقي في قدرتها على الوقوف على مسافة واحدة بين الحكومة السودانية والمليشيا المتمردة عليها، وتدفع عن نفسها تهمة الاصطفاف إلى جانب أحد المعسكرات التي صنعتها المواقف من الحرب في السودان.

جوبا، وعلى الرغم من الانفصال عن دولة السودان، إلا أنها لم تستطع أن تتخلص كليًا من الارتباط الوثيق بالمشهد في دولة السودان، حربًا أو سلمًا، فهي عاصمة الدولة التي تتحمل فاتورة الحرب في ملف اللاجئين وقضايا الأمن الحدودي، وتتحمل تأثر التجارة وملف النفط بحالة الحرب، وملف إدارية أبيي العالق بإجراءات مؤقتة بحسب الاتفاق الموقع بين البلدين، وبالتالي ليست هنالك خيارات غير أن تكون جوبا حاضرة في مناقشات الملف السوداني وبحضور أصيل لا يمكن إغفاله أو تجاوزه، وهو حضور ليس بالدوافع الأخلاقية من السلام والأمن الدوليين فقط، بل باعتبارات الأمن القومي لدولة جنوب السودان ومؤثرات حقيقية على بقاء الدولة نفسها واستقرارها.

في الأصل، ولولا الحرب التي اندلعت في ٢٠٢٣م، فإن السودان لم يغب عن بوابات جوبا، ومناقشات ملف آلية التعاون الأمني والسياسي بين البلدين كانت مستمرة، وانعقاد الاجتماعات الأمنية رفيعة المستوى بين البلدين ١٢ أغسطس الجاري ما هي إلا استئناف لما انقطع من مباحثات توقفت عند نقطة تعزيز أمن الحدود وعدم اتخاذ إجراءات أحادية في إدارية أبيي، ووفقًا لذلك يمكننا توصيف وتصنيف زيارة حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي لجوبا الحالية في إطار “تجميع” لكل الملفات بين البلدين على طاولة نقاش واحدة، تتناول السلام وقضايا الحدود واللاجئين والنفط والملفات السياسية، وهذا يعتبر المعادل الموضوعي لفرضية هشة تقول بأن الزيارة هي نشاط منفرد لحاكم إقليم دارفور ونسج سرديات لا تعبر إلا عن أشواق بعض الأطراف ولا تستند إلى منطق الأشياء.

(*) جوبا .. مناوي يتحدث …

والمقام هنا جغرافيًا هو “جوبا”، عاصمة الجنوب، وآخر محطات السلام في إقليم دارفور الذي طاف على عواصم عربية ودولية كثيرة ليستقر في جوبا عام ٢٠٢٠م، وهو الذي صنع للزائر مناوي الصفة التي يتحدث بها الآن كحاكم على الإقليم، والمقال هنا حديثه الأخير فيها عن الترحيب بالهدنة الإنسانية والحوار السوداني الجامع والجهود الإقليمية والدولية لإحلال السلام الشامل في السودان وعدم فرضه من الخارج، مع تقديم ما يمكن وصفه بالاشتراطات لذلك، وفي مقدمتها قضايا العدالة ووحدة المؤسسة العسكرية وعودة النازحين واللاجئين إلى مدنهم وقراهم واستعادة الخدمات في الإقليم.

والحديث هنا قابل لقراءات متعددة حسب ما ستؤول إليه الأمور ما بعد الزيارة ونتائجها، فهو من جانب يقرأ وكأنها رؤية متكاملة لملف السلام في السودان واستكمال لكل ما هو عالق في اتفاق ٢٠٢٠م، ومن جانب فهي تضعنا أمام تعقيدات تجعل الوصول لنقطة السلام أكثر صعوبة مما كان عليه الحال في اتفاقية السلام الأولى.

حاكم إقليم دارفور تحدث في جوبا عن حوار “غير نخبوي” يشمل الكل ولا يستثني أحدًا، ومخرجات فوق دستورية، ثم دستور انتقالي، ثم دستور دائم في البلاد واستفتاء، وهذا بالضرورة حديث يتجاوز فكرة وحدود وقف إطلاق النار إلى رؤية سياسية شاملة للبلاد، تجعل السؤال بعدها منطقيًا حول من يحدد أطراف الحوار، وهل يعني ذلك بأن الحوار الذي يتحدث عنه يشمل “الإسلاميين” والنظام السابق والدعم السريع نفسه والأطراف غير الموقعة على اتفاق جوبا ٢٠٢٠م، ويضع في الاعتبار تحفظاتها عليه؟

وأي إجابة للأسئلة أعلاه تحتاج إلى توضيحات، فإن كانت الإجابة بنعم للسؤال، فكيف وما هي آلية جمع خصوم اليوم وبينهم الرصاص، وإن كانت الإجابة بلا، فما هو الفرق بين الحوار الجامع وحوارات المحاصصة التي أنتجت اتفاق جوبا ٢٠٢٠م؟

أيضًا يمكننا السؤال وفقًا لتصريحات السيد/ مني أركو مناوي في جوبا عن: هل تمتلك جوبا الأدوات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية التي تمكنها من الضغط على الأطراف؟ أم أنها تستطيع فقط توفير منصة للقاء؟

والسؤال أعلاه يعتبر منطقيًا بسبب أن الاتفاق الأول فشل في بناء أهدافه التي وقع من أجلها بتحقيق السلام ومنع اندلاع الحرب، فلماذا العودة مجددًا لأبواب جوبا وطرقها بحثًا عن سبل السلام؟

ربما لم يكن اتفاق جوبا ٢٠٢٠م سيئًا ليعالج أزمة الحرب والسلام في السودان، بقدر ما أنه يمكن نسبة الفشل لعدم توفر الإرادة السياسية لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بالتفصيل، لأننا لا يمكن أن نتجاوز ثوابت وشواهد ملموسة على الأرض ذات علاقة وثيقة بالاتفاق، فهو أوقف الحرب مع عدد من حركات الكفاح المسلح وأدمجها في العملية السياسية، وسجل الاتفاق نقاط اعتراف بجذور التهميش، ونظريًا وفر قواعد لبناء عادل لتوزيع السلطة والثروة، وجعل قضايا دارفور والمناطق المتأثرة بالحرب جزءًا من الدولة الانتقالية، وبالمقابل فإنه لم يُعِد النازحين واللاجئين لمدنهم وقراهم، ولم تكتمل الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في الاتفاق بدمج وتسريح القوات، ولم يهتم ببناء مؤسسات الدولة، والاتفاق في مجمله لم يكن بالضرورة خصمًا على السودان، لكن طريقة إدارة الاتفاق حولته من مشروع لبناء السلام إلى مشروع لتقاسم السلطة بشكل واضح وجلي.

أجواء الحرب واستقطاباتها الحادة خلقت مناخًا ملائمًا لإطلاق الشائعات والروايات الرغائبية عن ما هو سري في جوبا، وعن احتضان جوبا لأطراف الجمع بينها في خبر واحد يخدم فرضيات يسعى إليها البعض، لأن الحرب الآن ليست فقط في الميدان العسكري.

ولكن هنا يمكننا السؤال عن الصفة التي يتواجد بها مني أركو مناوي في جوبا، ببساطة لأنها تشكل اختلافًا جوهريًا في أغراض الزيارة، فهل هو حاكم إقليم دارفور، أم هو قائد لحركة مسلحة، أم هو موجود في جوبا بصفته ممثلًا للكتلة الديمقراطية، أم هو بصفة الطرف الذي يمثل جزءًا من الحكومة؟ فأي صفة مطلوباتها والتفويض السياسي فيها يختلف تمامًا عن الأخرى أمام حكومة جنوب السودان.

وهنا أيضًا يجب علينا التنبيه، دون الاحتياج لكتابة “المثل السوداني” شائع الاستخدام في مثل هذه الحالات، عن أن جنوب السودان نفسه يعاني منذ سنوات من صعوبات في تنفيذ اتفاق السلام الداخلي وترتيباته الانتقالية والأمنية. والأمم المتحدة ظلت تحذر من بطء التنفيذ، ومن تحديات توحيد القوات وبناء المؤسسات السياسية والدستورية، وبالتالي هل جوبا مؤهلة بشكل كافٍ لإنجاز ملف سلام السودان في ظل التعقيد الداخلي وتقاطع المصالح إقليميًا ودوليًا، وهل تستطيع جوبا مساعدة السودان في الإجابة على أسئلة الحرب والسلام، بينما هي نفسها لم تستطع تجاوز حرج هذه الأسئلة داخليًا؟

المشكلة التي تفتح عليها الزيارة عيوننا هي أن المشكلة ليست أن جوبا تريد العودة إلى ملف السودان، ولا أن مناوي عاد إلى جوبا، المشكلة أن السودان يعود إلى جوبا حاملًا معه الأسئلة ذاتها التي عجز اتفاق جوبا عن الإجابة عنها، مثل: من يحكم؟ ومن يملك السلاح؟ وكيف توزع الثروة؟ وكيف تعالج مظالم الهامش؟ ومن يضمن العدالة؟ ومن يكتب دستور السودان؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى