سفير السودان لدى إريتريا أسامة أحمد عبد البارئ في حوار مع “العودة” (1-2)

(إريتريا ليست على الحياد وحدودنا معها بعيدة عن نيران الحرب)
منذ اندلاع الحرب في السودان لم تعد قراءة المشهد السوداني ممكنة بمعزل عن موقف دول الجوار ومواقفها من الأزمة وتطوراتها. وتحتل إرتريا في هذا السياق مكانة خاصة فهي ليست مجرد دولة مجاورة بل امتداد جغرافي واجتماعي وتاريخي يتشابك مع السودان على طول شريط حدودي طويل.
في هذا الحوار يتحدث سفير جمهورية السودان لدى إرتريا أسامة أحمد عبد البارئ إلى صحيفة “العودة” عن أبعاد هذه العلاقة وتفاصيلها الراهنة عن الاستراتيجية التي تحكمها وعن المشروعات المشتركة التي بدأت تتشكل في الزراعة والتعدين والموانئ وعن حال الحدود بين البلدين وسط الحرب الدائرة وعن آليات التنسيق الأمني القائمة بين الخرطوم وأسمرا.
كما يكشف السفير في هذا الجزء الأول من الحوار عن موقف إرتريا من مسار الحرب في السودان، وهل تميل إلى خيار الحسم العسكري أم تراهن على تسوية سياسية، وعن نظرتها إلى تعدد القوى السياسية والعسكرية على الساحة السودانية.
سفير السودان بأسمرا:
_ حدودنا مع إرتريا مستقرة رغم الحرب
_ العلاقة بين السودان وإرتريا تخطت الوصف بالاستراتيجية
_ الاقتصاد رافعة أساسية للشراكة السودانية الإرترية
_ إريتريا مؤكدة: لا وصاية خارجية على القرار السوداني
_ التنسيق الأمني حول الحدود على رافعة للتلاحم الشعبي والتبادل التجاري
حاورته: نشوة أحمد الطيب

س. تحياتي سعادة السفير أسامة أحمد عبد البارئ وشكراً لكم على سعة صدركم لإجراء هذا الحوار مع ” العودة”. في البدء أود أن أبدأ بالسؤال عن طبيعة الشراكة السودانية الإريترية؟
ج. يمكن توصيف العلاقات السودانية الإرترية بالإستراتيجية لطبيعة المصالح التي تجمع البلدين، والتي تتجاوز الوضع السياسي المؤقت، إلى روابط تاريخية وجغرافية وأمنية واقتصادية متداخلة.
الموقع الجغرافي المشترك والارتباط بالبحر الأحمر يجعلان امن السودان وإرتريا مرتبطا بصورة مباشرة. كما جاء الموقف الإرتري خلال الحرب في السودان بعد تمرد مليشيا الدعم السريع ليؤكد عمق العلاقات المشتركة، خلال دعم الحكومة السودانية واستضافة المواطنين السودانيين المتأثرين بالحرب وتسهيل أوضاعهم.
ويظهر التقارب كذلك في عدد من القضايا الإقليمية، خاصة احترام سيادة الدول ورفض التدخلات الخارجية والعمل من أجل استقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
أما اقتصاديا فتوجد فرص واسعة للتعاون في ضوء موارد السودان الزراعية والحيوانية والمعدنية، والموقع البحري والموانئ الإرترية، بما يمكن أن يفتح المجال أمام زيادة التبادل التجاري وتطوير النقل والاستثمار المشترك.
س. بعيداً عن لغة الاتفاقيات الإطارية والتفاهمات ما هي المشروعات الاقتصادية المشتركة؟
ج. المرحلة الراهنة تركز على استكمال الدراسات والإعداد والتخطيط للمشروعات التي يمكن أن تشكل قاعدة عملية للتعاون الاقتصادي بين البلدين في عدد من المجالات.
ففي المجال الزراعي يمتلك البلدان مقومات كبيرة لإقامة مشروعات مشتركة في الزراعة والثروة الحيوانية وتصنيع المنتجات الزراعية واللحوم. فالسودان يتمتع بمساحات واسعة وموارد زراعية وحيوانية كبيرة، بينما تتميز إرتريا بموقعها القريب من البحر الأحمر وما يوفره ذلك من فرص للوصول إلى الأسواق الإقليمية. وفي المرحلة الحالية تبرز الحاجة إلى استكمال الدراسات الفنية والاقتصادية وتحديد المشروعات ذات الجدوى، تمهيداً للانتقال بها من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ والإنتاج.
وفي قطاع التعدين تتوافر فرص مهمة للتعاون في مجال الذهب والمعادن، غير إن الاستفادة منها تتطلب استكمال الدراسات الجيولوجية والاقتصادية وتحديد مجالات الاستثمار المناسبة ووضع الترتيبات اللازمة أمام دخول القطاع الخاص في مشروعات قابلة للتنفيذ. ومن ثم، فان المرحلة الراهنة يمكن النظر إليها باعتبارها مرحلة إعداد ودراسة أكثر من كونها مرحلة تشغيل لمشروعات تعدين مشتركة واسعة النطاق.
في مجال الموانئ والنقل، يمثل ميناء مصوع فرصة مهمة يمكن الاستفادة منها في ربط مناطق الإنتاج في شرق السودان بالأسواق البحرية، إلى جانب إمكانية تطوير التعاون في النقل البحري والصيد والثروة السمكية. غير أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب في المرحلة الحالية مزيدا من التخطيط والدراسات المتعلقة بالبنية التحتية وحركة التجارة والخدمات اللوجستية وصولاً إلى تحديد مشروعات محددة يمكن البدء في تنفيذها بصورة تدريجية.
عليه يمكن القول أن التعاون الاقتصادي بين السودان وإرتريا يمر حاليا بمرحلة مهمة تتمثل في الانتقال من طرح الأفكار العامة وتوقيع التفاهمات إلى إعداد مشروعات محددة تستند إلى دراسات واضحة وخطط تنفيذ واقعية. ولا يعني ذلك غياب التعاون أو ضعف فرصه، وإنما يعكس الحاجة إلى استكمال المتطلبات الفنية والاقتصادية والمؤسسية التي تسبق مرحلة التنفيذ الفعلي.

س. هل توجد رؤية مشتركة بين الخرطوم واسمرا بشأن مستقبل الحدود والتجارة وحركة المواطنين بين البلدين؟
ج. نعم توجد رؤية مشتركة بين الخرطوم واسمرا بشأن مستقبل الحدود والتجارة وحركة المواطنين، لكنها لم تتحول بعد إلى منظومة متكاملة والأقرب وصفها بالتوجه المشترك الجاري تطويره وتنفيذه بصورة تدريجية.
في ملف الحدود، يتجه البلدان إلى جعل الحدود مجالا للتعاون والاستقرار، مع تعزيز التنسيق الأمني ومكافحة التهريب والهجرة غير النظامية، وتفعيل آليات التعاون بين السلطات المختصة.
وفي الجانب الاقتصادي، توجد مصلحة مشتركة في تطوير الحدود لتصبح ممراً نشطاً للتجارة، مستفيدين من الموارد السودانية والموقع الاستراتيجي والموانئ الإرترية، مع العمل على تسهيل حركة السلع وتطوير المعابر والإجراءات التجارية.
أمّا حركة المواطنين، جاري العمل المشترك في تنظيم وتسهيل الحركة القانونية بين البلدين، بما يراعي الروابط الاجتماعية والاقتصادية القائمة مع الحفاظ على الضوابط الأمنية.
س. كيف تصفون الوضع الأمني على الحدود السودانية الإرترية اليـــوم في ظــــل الحــــرب الدائــــرة؟
ج. يمكن توصيف الوضع الأمني على الحدود السودانية الإرترية في ظل الحرب الدائرة في السودان بعد تمرد مليشيا الدعم السريع بالهدوء والاستقرار، حيث لم تتحول الحدود بين البلدين إلى مسرح للمواجهات العسكرية، وظلت بعيدة عن التأثير المباشر للعمليات القتالية التي شهدتها مناطق أخرى من السودان بعد تمرد المليشيا الإرهابية، كما حافظت المناطق الحدودية مع إريتريا على الاستقرار، رغم الظروف الإقليمية المحيطة والتطورات الأمنية في منطقة القرن الأفريقي.
ويكتسب هذا الهدوء أهمية خاصة في ظل طبيعة العلاقات بين السودان وإرتريا، والتداخل الاجتماعي والاقتصادي بين سكان المناطق الحدودية، فضلا عن المصالح المشتركة التي تربط البلدين. فالحدود السودانية الإرترية لا تمثل فقط خطا فاصلا بين دولتين، وإنّما تشكل امتدادا جغرافياً واجتماعيا متكاملاً، تتداخل فيه حركة السكان والتجارة والروابط التاريخية بين المجتمعات المحلية على جانبي الحدود.
وقد ساعدت هذه الخصوصية إلى جانب التنسيق القائم بين السلطات في البلدين، في المحافظة على استقرار الحدود وعدم تأثرها بصورة مباشرة بتداعيات الحرب السودانية. كما أن استمرار التواصل والتنسيق بين الخرطوم واسمرا يعزز من قدرة البلدين على التعامل مع أيّ تطورات قد تؤثر على أمن المنطقة، ويحافظ على الحدود باعتبارها منطقة للتواصل والتبادل وليس ساحة للمواجهة.
س. ما موقف إرتريا من مسار الحرب في السودان هل تؤيد الحل العسكري أم التسوية السياسية؟
ج. ينطلق الموقف الإرتري من الأزمة السودانية من رؤية تعتبر إنّ ما يجري في السودان لا يمكن اختزاله في كونه حرباً أهلية أو صراعاً بين طرفين وإنّما يرتبط بتدخلات خارجية ومحاولات للتأثير في مستقبل السودان وإعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة. مع التأكيد على أن الدعم الخارجي لمليشيا الدعم السريع، أحد العوامل الرئيسية التي أسهمت في استمرار الحرب وتعقيد فرص الوصول إلى سلام.
وفي هذا الإطار يعبر الموقف الإرتري عن دعم مؤسسات الدولة السودانية خاصةً القوات المسلحة باعتبارها المؤسسة العسكرية الرسمية ومن الجوانب البارزة في الموقف الإرتري أيضا التحفظ على تدويل الأزمة السودانية. فأسمرا ترى إنّ الحل ينبغي إن يكون سودانيا بالدرجة الأولى، مع دور أكبر لدول الجوار والدول الإقليمية المعنية مباشرة باستقرار السودان وبناء على ذلك، يمكن توصيف الموقف الإرتري بأنّه ليس موقفاً مؤيدا لاستمرار الحرب كخيار دائم، كما أنّه ليس موقفاً يقوم على الحياد بين الجيش ومليشيا الدعم السريع. فهو موقف داعم لمسار يحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها والقوات المسلحة باعتبارها المؤسسة العسكرية الرسمية، مع رفض تكريس واقع يقوم على وجود قوة عسكرية موازية أو مراكز سلطة متنافسة.
وعليه، فإنّ إرتريا تؤيد من حيث المبدأ الوصول إلى سلام مستدام، لكنها ترى أنّ نجاح هذه التسوية يتطلب تهيئة شروط سياسية وأمنية تضمن بقاء الدولة موحدة ومؤسساتها قائمة.

س. كيف تنظر إرتريا إلى تعدد القوي السياسية والعسكرية في السودان؟ وهل تتعامل مع جميع الأطراف باعتبارها جزء من المشهد السياسي أم هناك قوي تراها إرتريا أكثر قدرة على قيادة المرحلة المقبلة؟
ج. تنظر إرتريا إلى تعدد القوى السياسية والعسكرية في السودان باعتباره شاناً سودانياً داخلياً، وتحرص في تعاملها على عدم التدخل في التفاصيل السياسية أو تحديد من ينبغي إن يقود السودان في المرحلة المقبلة. فالموقف الإرتري ينطلق أساساً من احترام سيادة السودان واستقلال قراره الوطني، ومن قناعة واضحة بأنّ تحديد شكل الدولة وترتيبات الحكم ومُستقبل العملية السياسية يجب أن يكون بقرار سوداني خالص دون وصاية أو إملاءات من الخارج.
س. هل توجد آليات تنسيق أمني وعسكري مباشرة بين البلدين لضبط الحدود ومنع تسلل عناصر مسلحة أو تهريب سلاح وذهب عبرها؟ وما مدي فاعليتها فعليا؟
ج. توجد بين السودان وإرتريا قنوات تنسيق أمني وعسكري، وذلك من خلال الأجهزة المختصة لمتابعة حركة التهريب والهجرة غير النظامية، إلى جانب التنسيق بشأن أمن الحدود. ويستند هذا التعاون إلى إدراك مُشترك لأهمية الحدود بين البلدين، باعتبارها منطقة تتقاطع فيها حركة السكان، ونجح التنسيق القائم في الحد من المخاطر الأمنية على الحدود ومنعها من التحول إلى بؤرة رئيسية لنشاط غير مشروع.
وللحديث بقية.. ننشر قريباً الجزء الثاني من هذا الحوار الذي يتطرق فيه سعادة السفير إلى ملفات إضافية لا تقل أهمية عما تناولناه في هذا الجزء.




